أحمد برقاوي: الأزمة ليست في الثقافة ولكنها أزمة سُلطة

2020-05-11 | منذ 1 سنة

حاوره: أحمد عساف

أحمد برقاوي أكاديمي وشاعر فلسطيني، ورئيس أسبق لقسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة دمشق. له العديد من المؤلفات، منها.. «محاولة في قراءة عصر النهضة»، «العرب بين الأيديولوجيا والتاريــــخ»، «كوميديــــا الوجود الإنســـاني»، و«أنطولوجيا الذات»، إضافة إلى عدة دواوين شعرية، هي، «أنا»، «لعبة الحياة»، و«أناشيد اللقيط».

بخلاف الكثير من المقالات التي تناقش قضايا الوجود الإنساني، والموقف العربي بوجه خاص. عن البرقاوي وتجربته الفلسفية والشعرية كان هذا الحوار..

■ إلى أين تذهب الفلسفة بالإنسان المعذب الذي يشبهنا؟

□ الفلسفة عندما تبدو خيار فيلسوف يريد أن يمتلك العالم نظريا، تغدو نمط وجوده والوجود. وجود الفيلسوف يفكر عوضا عن الذين لا يفكرون، بدون أن يكلفه أحد بذلك، وبالتالي ليست هي شأنا ذاتيا، إن الوجود بكل تعييناته، بكل عذاباته، بكل نتوءاته يصبح موضوعا للتفكير. ولأنني لا أفصل بين الوجود والإنسان، بل أعتبر الوجود هو الوجود الإنساني، فإن الفلسفة لديّ هي امتلاك الإنسان نظريا، البحث عما يعيد الإنسان إلى وجوده إن غاب. عما يعيد له الحياة إذا مات. أن نجعله حاضرا إذا أعلن أحدهم لقد انتهى الإنسان. والعصب الأساسي للوجود هو الحرية. لذلك يصبح الهاجس الدائم مهما تنوعت خطاباته هو كيف يصبح الوجود حرا انطلاقا من أن الوجود هو الإنسان.

■ هناك من يقول بلا جدوى الأشياء ومنها فعل الكتابة، ما رأيك؟

□ الكتابة بالنسبة لي هاجس قبل أن تكون خياراً. ولا تستطيع أن تختار أن تكون كاتبا أصلا إلا إذا كنت مهجوسا بالحياة، وبالوجود وبمشكلات البشر. من ذا الذي يستطيع أن يتحدث عن لاجدوى الكتابة وهو مليء بالأسئلة، حيث السؤال إبداع، كما الكتابة عن السؤال إبداع. قد يصل المرء إلى حالة من التفكير بلا جدوى الحياة، إحباطاً وكآبة، وانطلاقا من أن فكرة الموت حيث النهاية متحققة لا محالة. لكن لاجدوى الحياة بحد ذاتها تدفعنا للحديث عن اللاجدوى في الحياة. فأنت عندما تكتشف لاجدوى الحياة، تكتشف جدوى الكتابة عن لاجدوى الحياة. أليس الموت هو الحقيقة الكبرى الوجودية التي نعيشها. الموت يعلن لا جدوانا لاجدوى كل شيء. كيف تترك هذه اللاجدوى، بدون أن تكتب عنها. وبالتالي الكتابة مصير كائن.

■ المواضيع التي تشتغل عليها، مواضيع ترفع كلها من قيمة الإنسان. ما نظرتك أنت للإنسان؟

□ بعد أن أنهيت كتابي «العرب وعودة الفلسفة» طرحت السؤال على نفسي، ما جدوى الفلسفة؟ ثم تمخض السؤال عن جدوى الفلسفة إلى سؤال آخر، ما الفلسفة. هنا دخلت العالم الأصيل لي، جعلت من الفلسفة ذات الجدوى تلك التي تجعل من الأنا والذات موضوعاً لها. وعندما كتبت عن الأنا والذات، إنما أردت أن أفضح الأنا، كي أجعل كل قارئ لهذا الكتاب يرى نفسه في كتابي: من الأنا النبيل إلى الأنا الوضيع، من الأنا العادي إلى الأنا اللاسوي، من الأنا المتمرد إلى الأنا الخالي. هاجسي أن يغدو الأنا حرا، بدون أي خوف من الآخر. ولهذا صار هاجسي كيف يمكن أن أحقق حرية الأنا انطلاقا من زوال الهوة بين الأنا الخفي والأنا الظاهر. ومستمر في كتابي الذي أكتبه الآن عن أنطولوجيا الذات. ومستمر في ديوان الشعر «أنا»، وفي ديواني الشعري «لعبة الحياة».

  بعض الكتاب حينما يتحدثون عن الأزمة ينسون أنهم جزء من الأزمة. لو سألت كم عدد السنين التي قضاها ميشيل عفلق في السجن. ربما قضى شهورا، لكنك ستجد طفلا دخل السجن وخرج كهلا

■ مجموعتك الشعرية «أنا» هل تعتبرها استراحة محارب؟

□ على العكس، هي معركة من معاركي في مسيرة صراعي مع العالم. فأنت عندما تجعل من ذاتك محاربا، ذاتا متمردة على ما هو موجود ومن أجل يجب أن يكون، فإنك تستخدم كل ما لديك من أسلحة لمواجهة هذا العالم. الشعر ليس استراحة محارب، الشعر بالنسبة لي دخول المعمعة أكثر. أنت في الفلسفة أكثر هدوءا، في الشعر أنت أكثر حميمية وأكثر شجاعة. أنت في الفلسفة تجعل من العقل حارسا للجملة، وتجعل المنطق أمامك رقيبا. في الشعر أنت تهجم على العالم بحدسك، ذلك الحدس لا يحتاج إلى برهان ولا إلى منطق، وبالتالي تخوض معركتك بلغة طليقة، بصورة ساطعة، بنوع من الجمال الأخاذ.

■ كيف وأنت في المجموعة الشعرية ذاتها توائم بين الشعر والفلسفة؟

□ نعم لكن الحدس الفلسفي في الشعر لا يحتاج إلى منطق ولا برهان. الحدس الفلسفي في الشعر يدوس على منطق أرسطو. فما كنت أقصد المواءمة، لكنني وبما أن هاجسي فلسفي لا يستطيع الشعر عندي إلا أن يرتدي هواجسي، لا أستطيع أن أكتب شعرا بعيدا عن تكويني الفلسفي العميق.

■ في مجموعتك الشعرية «أنا» تذكر حكاية يوسف بشكل آخر، فهل هذا تناص أو تناقض مع محمود درويش؟

□ ليس محمود درويش الوحيد الذي كتب عن (يوسف)، بل العشرات من الشعراء استعاروا سورة يوسف، وتحدثوا عن ذواتهم، وأنا لم يخطر على بالي أن أكتب قصيدة معارضة للشاعر الكبير محمود درويش. أردت أن أتحرر من إرث أبي، أردت أن أقتل يوسف هذا الذي يحن إليه الآخرون. وقصيدة محمود درويش «أنا يوسف يا أبي» هي شكوى من فلسطيني للحكام العرب.

هو أراد أن يتكئ على قصة يوسف ليشرح ألمه الفلسطيني. أنا في قصيدتي أردت أن أقتل يوسف، هذا الذي دائما يحن له الآخرون، أنا الذئب الذي قتلت أبي ورميته في الجب، وبالتالي أردت أن أقول: أنا في قطيعة مع ماضيي. ما لي أخوة ولا أشباه. ما أبشع الأشباه، أنا لست شبيها لأحد.

■ بين ديوانك «أنا» وديوانك «لعبة الحياة» ماذا حدث من تطور؟

ـ أرى أن تجربتي في «لعبة الحياة» أكثر عمقا من «أنا» في الأنا قصائد قديمة بعضها كتبتها في العشرينيات من عمري. في لعبة الحياة صقل لهذه التجربة الوجودية، لكل آمالي وآلامي وحبي وحزني وفرحي. وأنا أرى أن الشاعر الذي يتوقف عند تجربته الشعرية الأولى ليس مشروع شاعر. والفيلسوف الذي لا ينطوي على قلب شاعر ليس فيلسوفا، وعن غدي فأنا لا أعرف شيئا. والشعر الذي لا ينطوي على قلب فيلسوف ليس شعرا. «اتركوا لي هذا القليل القليل، فأنا لم أغفر للإله بعد خروجي من الجنة فلا تخرجوني من هذه الأرض». أنا لا أحتاج لديكارت ولا أرسطو. أنا لا أعيش اغترابا في ما أكتب عن الاغتراب وفي ما أقول.

■ في كثير من عناوين كتبك نجد (الأنا) تتكرر، وفي كتابك «أنا» تقول: (سؤال الأنا بلا لعب يحيلنا إلى وعي الحضارة الراهنة). ماذا تقصد بذلك؟

□ مفهوم اللعب بالنسبة لي هو أن تعيش الحياة بحرية بدون قيود، أن تجعل من الزمن حقلاً لإبداعك ولعبك، الإبداع لعب، الكتابة لعب، حضورك بهذا العالم يجب أن يكون جميلاً، يجب أن يكون لديك وقت في حياتك تتأمل فيه العالم، تشرب فيه كأساً من الخمر، تحب وتستمع بالوجود. لكن عندما تجعل الكائن البشر أسير البحث الدائم عن اللقمة، أسير الجلوس خلف الآلة والتقنية، أنت افتقدت زمان اللعب. الشعر لعب، الفلسفة لعب، الحياة لعبة، وبالتالي عندما تُفقد الإنسان قدرته على اللعب فأنك تحرمه الكثير من حقه، البشر يلعبون مع بعضهم بعضا، لذلك أنا بلا لعب لا شيء ولست كائناً بشرياً.

■ في زواياك الصحافية تنحاز كثيراً للمهمشين في الحياة؟

□ هكذا هو خياري الأخلاقي، في زواياي أردت أن أفضح الكائنات السيئة من طبقات الأسافل، وكتبت عن الكائنات البزاقية، كتبت عن المتنطعين والمتطفلين، هجمت على معاقل الفساد الروحي، كتبت عن صديقي (أبو جميل) بائع المسابح البسيط الذي يجلس أمام التكية السليمانية، ليجمع مئة ليرة أكثر أو أقل، وعندما مات رثيته وبكيت عليه طويلاً . كتبت عن زعامات فلسطينية حولوا الثورة إلى ثروة.

■ نعاني من أزمة ثقافة في وطنــنا العربي. ما رأيك؟

□ ما من مرحلة في التاريخ إلا وتحدث المفكر والفيلسوف والشاعر عن أزمة ثقافة. حتى هيغل في افتتاحية كتابه «الفينومينولوجيا» تحدث عن أزمة ثقافة. بعض الكتاب حينما يتحدثون عن الأزمة ينسون أنهم جزء من الأزمة. لو سألت كم عدد السنين التي قضاها ميشيل عفلق في السجن. ربما قضى شهورا، لكنك ستجد طفلا دخل السجن وخرج كهلا.

حجم القمع الذي مورس خلال الـ 30 سنة الأخيرة في الوطن العربي هائل. إلى درجة أنه كاد ينهي الحياة. لذلك أصبحت الكتابة مهما صارت عظيمة عالية ومهمة غير مؤثرة في الحياة. لذلك المثقف لا يصنع تاريخا. المثقف يلتقط لحظة التاريخ، ويساهم في صناعتها. المسألة ليست أزمة كتابة. هي أزمة سلطة، سلطة دمرت المجتمع وبالتالي بدت الأزمة وكأنها كلية.

  حجم القمع الذي مورس خلال الـ 30 سنة الأخيرة في الوطن العربي هائل. إلى درجة أنه كاد ينهي الحياة

■ ما هي الأسئلة التي شغلتك في روسيا، التي أسست رؤيتك لمشروعك الكبير؟

ـ عندما ذهبت إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة، كان هاجسي فلسفيا، وليس أيديولوجياً. لذلك ذهبت لأكتب عن الفلسفة الحديثة (ديكارت وسبينوزا). ثم هناك اكتشفت تجربتي. عشت التجربة من داخلها. وأنا الذاهب لأكمل دراساتي العليا. لكن أصبح لديّ هاجس المجتمع الذي أعيش فيه بكل سلبياته وإيجابياته. واكتشفت الكارثة، كيف للفلسفة أن تنتحر إذا ما تلوثت بالأيديولوجية. لذلك الفلسفة لا تنمو إلا في الإبداع في الحقل الحر. وأنا أكتب كتاب «سنوات ست في بلاد السوفييت) عن تجربتي هناك وهي تجربة عظيمة.

■ زرت وأقمت في العديد من المدن والعواصم. ماذا عن تلك المدن والعواصم مثل بيروت وغيرها؟

□ علاقتي ببيروت علاقة جيدة، ألقيت في جامعاتها عشرات المحاضرات، وحكّمت في جامعاتها رسائل لطلبة الماجستير والدكتوراه. وزرت طرابلس أكثر من مرة. لذلك وضمن هذا الإطار أنا لم أعش حياة بيروت كصداقات مع المثقفين فيها ولا مقاهيها. لم ابنِ معها علاقة شخص مع مدينة، لكني أحبها وسابقاً كان ذهابي إليها (كفلسطيني) صعب.

فيما بعد بدأت سوريا تمنحنا ورقة دخول وأصبح الأمر أسهل من قبل. لكنني لم أعش حياة بيروت كمدينة أقيم فيها لفترة طويلة. أنا أقمت في القاهرة. السفر المؤقت إلى المدن لأيام قليلة لايمنحك علاقة صداقة جديدة مع المدينة، يعطيك علاقات حميمة مع الناس، والمدينة ليست فقط الناس المدينة لها روح مثل أرواح البشر. أنا في ديواني الجديد كتبت قصيدة عن (باب شرقي) في دمشق. دمشق لها وقع خاص ووضع خاص.

وعندي المدينة حب وعلاقات معشرية يومية، ابتسامات بشر، تحيات على الأرصفة والشوارع، المنتديات، المقاهي، الحانات، الأمسيات. في المدينة تدرك معنى الحضارة التي لولاها ما كانت الحضارة أصلاً، تعرف كيف يصبح الإنسان فيها فرداً مستقلاً، وكائناً واسع الحياة والعقل والقيم والنفس. لكنك تتعرف أيضاً على بؤسائها الذين لا يستطيعون فيها العيش الكريم والتمتع بعالمها الرحب والجميل. تتعرف على بذخ أغنيائها وتفاوت سكانها الطبقي، فيولد في ذاتك حب العدالة والإنصاف والنزعة الإنسانية. وربما تخلق مشكلات المدينة حساً رومانسياً عند بعض البشر يدعوهم للعيش في الريف الهادئ، وأنا لست من هؤلاء.

 

 

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي