"حمّى البحر" رعب تصنعه كائنات مجهولة في عمق المحيط

2020-04-20 | منذ 3 شهر

شكوك وأسرار غامضةطاهر علوان 


لا شيء غير الماء والمصير المجهول، تلك هي خلاصة فيلم الخيال العلمي “حمّى البحر” التي تنطوي عليها مغامرة في أعماق البحار تخوضها شخصيات يفترض أنها من الصيادين، فإذا بها تواجه نهاياتها.

مُغامرة مؤثّرة وإنسانية لشخصيات تبدو متنافرة ولا رابط يجمع بينها، لكنها في النهاية ما تلبث أن تجتمع تحت وطأة القدر والمصير. ذلك هو المدخل الذي يمكننا من خلاله الدخول إلى المفاجآت التي يزخر بها فيلم “حمّى البحر” للمخرجة نياسا هارديمان ومن إنتاج مجموعة داست المعروفة بتخصّصها في إنتاج أفلام الخيال العلمي.

في نفس غموض البحر وأسراره الغائرة تبدو شخصية سيوبهان (الممثلة هيرميون كورفيلد) فتاة لا تحسن صنع الصداقات، بينما تكرّس وقتها من أجل أبحاثها في صنع نظام رقمي للمحاكاة بين الكائنات البحرية وبرامج الكمبيوتر.

أصدقاؤها لاهون في السمر والاحتفال، بينما هي منغمسة في أبحاثها، ثم لتواصل ما قطعته، وذلك على ظهر باخرة صيد تضم عائلة، يقومون جميعا بالمهمة على
فرض أنهم عالمون في أي مسار يسيرون.

يوميات روتينية لبضعة أشخاص يمضون أيامهم في قبو الباخرة، بينما طبيعة سيوبهان المتحفّظة لن تتيح لها المزيد من التداخل مع الشخصيات، ثم لتفاجأ بأن مواد لزجة تخرج من جدران الباخرة مُخترقة الحديد والخشب، ثم لتتأكّد سيوبهان أنها كارثة قادمة، وخاصة بعد قيامها بالغوص تحت السفينة.

على الجهة الأخرى، سوف تعثر هي والآخرون على سفينة مهجورة، وإذا بجميع من كانوا على متنها قد ماتوا وليس ذلك فحسب، بل بدت عيونهم مُقتلعة من محاجرها وهو ما أثار هلع سيوبهان.

لم يمض وقت طويل حتى سقط أحد أفراد الطاقم بنفس الأعراض، تفجّرت عيناه عن طفيليات تفحصّتها سيوبهان من خلال المجهر لتتأكّد أن هناك كائنات بحرية غريبة تنفث سموما من خلال يرقات تقوم بإنتاجها مُختلطة بمادة صمغية لزجة.

والحاصل أن الشخصيات تصبح وجها لوجه أمام قدرها، إذ لا تعرف كيف تتخلّص من المأزق، ثم ليتأكّد الجميع أن قائد الباخرة قد تعمّد إدخالها في منطقة خطيرة، ولهذا كانت الحيتان والدلافين تظهر بكثرة في منطقة وجود الباخرة.

واقعيا لم نجد الكثير ممّا يمكن أن تخرج به الشخصيات المُحاصرة وهي مُلاحقة بشبح ما تجهله. لكن العيون هي التي تفضح هذه الشخصيات، ولهذا تتولى سيوبهان فحص عيون الجميع ليتم التأكّد من إصابة القبطان بالوباء ممّا يدفع زوجته إلى قتله قبيل أن ينقل الوباء إلى الآخرين.

اليأس الذي يتسرّب إلى النفوس ما يلبث أن يتحوّل إلى دافع للنجاة، بينما تواصل سيوبهان دراستها المعمّقة لما يجري. ولكن من دون أن يكترث لها أحد بل إنها بالعكس من ذلك، سوف تتلقّى معاملة سيئة بادعاء أنها تشاؤمية وتحليلاتها لواقع الحال لا تنطوي على مصداقية.

وفي داخل هذا الإطار المُغلق ظلت الشخصيات تتحرّك في حدود هذا المربع عاجزة عن إيجاد أي وسيلة للإنقاذ.

واقعيا، تشعر بالجمود الدرامي وبضعف في التحوّلات في ما يتعلّق بالشخصيات ما عدا انتظار كل شخصية لمصير مجهول. وفي مثل هذه العيّنات من الأفلام التي هي إما أفلام كوارث وإما كائنات غامضة وإما كائنات بحرية عملاقة سوف يتم التركيز على الناجين من المحنة، وهنا سوف ينجو أوميد (الممثل أردلان إسماعيلي) مع سيوبهان لوحدهما.

أوميد الذي هو مهندس السفينة لا يجيد السباحة وخلال نزوله من الباخرة المشتعلة إلى زورق الإنقاذ للحاق بسيوبهان يسقط في البحر ويكاد يتعرّض للموت، فتنقذه سيوبهان لتتعرّض إلى هجوم مُباغت من كائنات بحرية سوف تسبّب لاحقا في تسرّب السم إلى جسدها.

بالطبع لن نعرف بشكل واضح لماذا تركت سيوبهان كل شيء وعادت إلى قاع المحيط معرّضة نفسها للمزيد من المخاطر، ربما لقناعتها أنها سوف تموت في كل الأحوال من تلك العضّة المسمومة التي نهشت لها جانبا من ذراعها.

 

على صعيد بناء المكان، وعلى الرغم من محدودية زوايا التصوير إلاّ أن المخرجة وكل أعضاء التصوير استطاعوا التخلّص من ذلك القيد المكاني، فقدّموا الشخصيات وهي تُمارس يومياتها بشكل معتاد ثم وهي تنتظر مصيرها.

وفي مثل هذه الأفلام يتم التركيز على البطولة الفردية وعلى حس المغامرة، إلاّ أن هذا الفيلم بدا مُكتفيا بشخصية سيوبهان وهي تقوم بتفسير الظواهر البحرية بناء على دراستها من دون أن تدخل في دائرة المغامرة، مع أنها قامت بالغوص في منطقة خطيرة في عمق البحر، إلاّ أن ذلك لا يندرج في إطار المغامرة الخارقة.

ومن خلال ذلك، تساوت إلى حد كبير نزعات الشخصيات من منطلق بنائها الدرامي المجرد، لاسيما وأنها شخصيات بدت في الغالب انطوائية، يلفها الغموض ابتداء من القبطان الذي يجد في اللاهوت والصلاة الجماعية حلا للأزمة التي أدخل الآخرين فيها.

وفي ما يتعلّق بشخصية القبطان فقد كان ملفتا للنظر، وهو المتديّن الورع أن يخدع الجميع ويرميهم في تهلكة يعلم أبعادها جيدا، ثم يكون هو أحد ضحاياها عندما يطلب من زوجته أن تنهي حياته لكي لا ينقل العدوى إلى الآخرين، وهو ما يحصل فعلا.

 

 * كاتب عراقي مقيم في لندن



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي