تقدير استخباراتي لما بعد كورونا..

معاريف: هكذا يتحول الفيروس إلى كرة تتناوبها أقدام السياسة الإسرائيلية؟

2020-04-10 | منذ 6 شهر

في اليوم الذي يجتاز فيه العالم نقطة الذروة في مواجهة فيروس كورونا ويعود الناس إلى الشوارع، سنفهم التأثير الاستراتيجي للأزمة على العالم.

فمحافل الاستخبارات الإسرائيلية، التي تفكر منذ اليوم في اليوم التالي، تقدر بأننا سنرى نظاماً عالمياً جديداً، تتعاظم فيه أجسام اقتصادية عظمى وتتهاوى من عظمتها دول كانت تعتبر قوية وتبينت ضعيفة في زمن الأزمة.

إلى جانب المشاكل التي ظهرت عندنا في مدى الجاهزية وفي فجوات إدارة الطوارئ، أدى ظهور الفيروس إلى بروز جوانب القوة في دولة إسرائيل، ولا سيما مجالات التحكم بالمعلومات، والذكاء الاصطناعي، ونماذج التوقع والتعرف الإلكتروني. وترجمت القوى العسكرية الاستخبارية بسرعة إلى المساعدة في التصدي لكورونا، وبفضل قدرات الارتجال العالية والتكيف السريع، يبدو أن جهاز الطوارئ الوطني استقر هذا الأسبوع وهو الآن يعمل بنجاعة أعلى.

تقدر الاستخبارات الإسرائيلية بأن الآثار بعيدة المدى للأزمة كفيلة بأن تكون دراماتيكية في الشرق الأوسط. ففي السنوات التسع الأخيرة، كانت المنطقة تعيش في هزة وأمسك وباء كورونا بالعديد من الدول وهي تعاني مصاعب اقتصادية في زمن تعيش فيه احتجاجات اجتماعية في أراضيها. فشلت أنظمة عديدة في قدرتها على إدارة الحياة اليومية في دولها ولا تنجح في التصدي للأزمة الحالية. ويبدو أن هذه الانظمة ستشهد هزات أكبر في اليوم الذي ستعود فيه الجماهير إلى الشوارع.

وحسب تقديرات محافل الاستخبارات، فإن عدد الموتى في إيران أعلى بثلاثة أو أربعة أضعاف الأعداد التي يبلغ عنها، ويبدو أن الشعب الإيراني يعرف بأن النظام يخفي عنه صورة الوضع الكاملة. ففي أعقاب إسقاط الطائرة الأوكرانية بالخطأ ومحاولة الإيرانيين طمس الحقيقة وانكشاف الأكاذيب التي روتها طهران بعد تصفية الأمريكيين لقائد قوة القدس قاسم سليماني، تعاظم النقد الجماهيري لطريقة الإخفاء التي ينتهجها النظام.

تحذر إسرائيل من القول بأن أزمة كورونا والوضع الاقتصادي العسير ستعرض الاستقرار السلطوي للجمهورية الإسلامية الإيرانية للخطر، ولكن في اللحظة التي سيسمح فيها للمواطنين بالعودة إلى الشوارع –بعد رفع القيود في الأسبوع القادم– فإن التحدي الذي سيقف أمامه نظام آيات الله سيكون كبيراً على نحو خاص. فكلما فهم المواطنون خطوة الوضع الاقتصادي والسياسي، ربما نرى احتجاجات كبرى تثور في شوارع الدولة.

  سنرى نظاماً عالمياً جديداً تتعاظم فيه أجسام اقتصادية عظمى وتتهاوى من عظمتها دول كانت تعتبر قوية وتبينت ضعيفة في زمن الأزمة

إن محاولة النظام استغلال الوضع الاقتصادي للتخفيف من العقوبات لا تنجح في هذه المرحلة. وإن كانت إسرائيل لا تلاحظ محاولات إيران لاستغلال الأزمة العالمية للتقدم نحو القنبلة النووية، إلا أن الميل المقلق المتعلق بمواصلة جمع اليورانيوم المخصب بمستواه المتدني يتواصل، ولكن يبدو أن لا تغيير في حجمه في الشهر الماضي.

دول أخرى قد تتأثر بكورونا. في لبنان مثلاً، الذي أعلن قبل شهر عجزه عن سداد الديون، فإن الأزمة هناك تؤثر أيضاً على فرع السياحة، وهو أحد العواميد الفقرية الاقتصادية لاقتصاد دولة الأرز. ومع أفول الأزمة فإن الدول التي درجت على تقديم المساعدة الاقتصادية للبنان لن تقف في الطابور مع محافظة مفتوحة حين تحدق بها التحديات الاقتصادية من الداخل.

للوضع في لبنان آثار أيضاً على مكانة حزب الله ووضعه الاقتصادي. وإسرائيل تلاحظ في الأسبوع الأخير محاولة حسن نصر الله لثبيت مكانته من خلال خطابات إلى الأمة، ووضع خطة اقتصادية، وتفعيل جهود المساعدة للمواطنين. يبدو أنه يحاول أن يخلق لنفسه صورة الراشد المسؤول في الدولة.

ولكن وضع المنظمة” الإرهابية” صعب، وليس فقط وضعها الاقتصادي؛ ذلك أن إسرائيل ترى انخفاضاً كبيراً في نقل إرساليات السلاح من إيران إلى حزب الله. وهذا أيضاً أحد تفسيرات الانخفاض في حجم عمليات سلاح الجو في المنطقة الشهر الأخير. ويقدر جهاز الأمن بأن المنظمة في هذه المرحلة لم تحصل على الشرعية من لبنان للقيام باستفزازات تجاه إسرائيل.

إلى جانب ذلك، يجب أن نتذكر بأنه حتى لو قلت التهديدات الفورية، فعند الأزمة درج أعداء إسرائيل لأن يحرفوا صمامات الضغط من الداخل إلى الخارج. وسيناريو كهذا ليس معقولاً في لبنان، ولكنه قد يحصل في قطاع غزة.

يعطي جهاز الأمن علامة “جيد” لحماس على إدارة أزمة كورونا في غزة. والتقدير هو أنه لا توجد إمكانية لمعرفة عدد المرضى في القطاع. وانتشار دراماتيكي للفيروس هناك يقلق إسرائيل التي تخشى من فقدان السيطرة. وتستعد أجهزة الأمن عندنا لسيناريوهات مختلفة، بينها محاولة من الجماهير للوصول إلى الجدار، وإطلاق الصواريخ كوسيلة لممارسة الضغط، وغيرها من الإمكانيات التي قد تقلب الصورة وتجعلها أكثر تعقيداً.

يبدو أن زعيم حماس في غزة يحيى السنوار في هذه اللحظة لا يتجه نحو التصعيد، رغم التهديد الصريح الذي أطلقه: “إذا لم نتنفس في غزة، فلن يتنفس الإسرائيليون وسينزلون إلى الملاجئ”. وقد فهمت أجهزة الأمن هذه الجملة سبيلاً لخوض مفاوضات عبر وسائل الإعلام ووسيلة ضغط لتلقي المساعدات والتمويل ووسائل مكافحة الفيروس. ويسير الجهاد الإسلامي على الخط مع حماس، ما يشرح الحجم المتدني لإطلاق الصواريخ من القطاع مؤخراً.

حتى لو لم يقولوا هذا صراحة، ففي واقع الشرق الأوسط الغريب عندنا، تحتاج حماس إلى إسرائيل معها وليس ضدها. وليس صدفة أن الطرفين يحاولان في هذا الوقت، وفقاً لمنشورات في وسائل الإعلام العربية، العمل على خطة تحت غطاء كورونا تؤدي إلى تقدم كبير في موضوع الأسرى والمفقودين. وهكذا إلى جانب التهديدات، تشخص غزة والقدس هذه الفرص. وإن كانت الفجوات لا تزال واسعة، غير أن إسرائيل تعتقد أن احتمال التقدم ليس عالياً على نحو خاص.

في هذه المرحلة، لا تفضل حماس الوصول إلى مواجهة مع إسرائيل، بل تسعى لمخطط تسوية يخدمها في مواجهة كورونا. ولكن الصورة ستتغير إذا ما وقع تفش واسع للفيروس في القطاع، وعندها نرى أن حماس ستوجه النار نحو إسرائيل، في محاولة لأن تفرض عليها تقديم مساعدات أكبر. إسرائيل لا تحتاج إلى تذكر كهذا، فهي تفهم الحاجة إلى التعاون في مكافحة الفيروس دون ممارسة الإرهاب.

كما أن أداء السلطة الفلسطينية في تفشي الفيروس يحظى بعلامة “جيد” لدى جهاز الأمن. السلطة تعمل بنجاعة، بشكل مرتب، وبتنسيق كامل مع إسرائيل، سواء في الجانب الأمني أم في الجانب المدني، وتنجح في فرض الإغلاق والانضباط على الجمهور.

تفهم السلطة الفلسطينية الآثار المحتملة على حكمهم إذا ما خرج الحدث عن السيطرة. وتهرع إسرائيل إلى المساعدة لأن الانهيار الوظيفي للسلطة سيدحرج الفيروس إلى بواباتنا، لأنه لا يتوقف عند جدار الفصل. ومن شأن مثل هذا الانهيار أن يصعد التحديات الأمنية وتهديدات الإرهاب. وعليه، فإن مصلحة كل الأطراف هي أن تواصل السلطة إدارة الأمور في أراضيها بمساعدة ودعم من إسرائيل. وفي هذه الأثناء، تشكل أزمة كورونا فرصة أيضاً ورافعة لتحسين العلاقات بين إسرائيل والسلطة.

إن العلامة الأعلى على معالجة الحدث تمنحها إسرائيل إلى جارها الشرقي. فمنذ المراحل الأولية، نفذ الأردن الأعمال الأكثر جدية وتطرفاً: إغلاق تام، بل ومنع للتجول، وفي أثنائه قدم للناس الطعام وغيره من الاحتياجات وأوصلها مباشرة إلى بيوتهم. يفهم الأردن بأن الفيروس إذا انتشر بشكل واسع سيكون من الصعب عليه أن يتصدى له من ناحية مدنية وسلطوية، ولهذا يتخذ هذه الإجراءات.

في الأيام التي يكون فيها العالم كله في أزمة، من السابق لأوانه أن نفهم عمق آثارها الهائلة على الدول التي تضررت منها، ولا سيما تلك التي كانت تعيش في الأصل مشاكل داخلية عسيرة. ولكن إلى جانب المظاهرة السلبية العديدة، يوفر وباء كورونا أيضاً الفرص لإسرائيل، في تعاون نادر وتبادل للمعلومات.

صحيح أن التهديدات الأمنية لم تختف، وربما يعود بعضها لتطل من جديد في الأشهر القريبة القادمة، ولكن الفجوة في القدرات الأمنية بين إسرائيل وأعدائها هي الأخرى كفيلة بأن تتعاظم بعد أن ينتهي كل شيء. ومن أجل أن يحصل هذا، فمن المهم أن تعرف الدولة كيف تقيم آلية خروج من الأزمة تمنع انهياراً اقتصادية في البلاد.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي