القمرية .. زينة البيت اليمني

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2008-12-13 | منذ 11 سنة

صنعاء – تعتبر القمرية من أهم وأكثر المعالم البارزة التي تميز البيت اليمني ، بخاصة البيت الذي يأخذ بطريقة المعمار اليمني القديم ، حيث تشكل القمرية أو العقد ، المزدان بألوان زاهية وجذابة عنصراً معمارياً متميزاً ينفرد به الطراز المعماري اليمني القديم والحديث ، ويعم وجوده كافة العمارات لمختلف الاستخدامات بما فيها البيوت والدوائر الحكومية والمراكز والمكاتب التجارية ، على الرغم من أن العديد من المواطنين بدأ يستغني إلى حد ما عن هذه الزينة .

يبنى بيت العقد ويشكل فوقه عتبة ما تعرف في اليمن بـ ( الطاقة ) ، أي النافذة العليا على شكل فتحة نصف دائرية ينطبق قطرها على العتبة ، ولتغطية الفتحة بكاملها - هي العقد - تركب فيها وحدة معمارية زخرفية مساوية للفتحة في مقياسها ، تصنع الوحدة وتزخرف في مكان بعيد عن الفتحة بحيث يتم نقلها وتركيبها وتثبيتها كوحدة مستقلة ، وذلك من قبل حرفيين مختصين في عمل العقود .

ولصناعة القمريات حرفيين مهرة يتواجدون في معظم المناطق اليمنية التي تأخذ بهذه الزخرفة ، بخاصة منها المناطق الجبلية ، أبرزها العاصمة صنعاء ، حيث يندر أن تجد بيتاً صنعانياً قديماً أو حديثاً خالياً من القمرية ، التي يتفنن البعض منهم بها إلى درجة يفوق اهتمامهم بأشياء أخرى ضرورية في المنزل .

يبدأ صانع القمرية بمد عجينة من الجص ( الجبس ) على لوحة كبيرة من الخشب ليعمل منها بلاطة بسمك 4 - 5 سنتمترات وبالحجم والشكل المقارب لحجم وشكل العقد المطلوب عمله ، ثم يقوم بالرسم على البلاطة بخطوط تحفر في الجص الطري بالعين المجردة أو بواسطة البيكار ، وهي أنماط من الأشكال الزخرفية ، ثم يحفر بسكين خاص داخل الخطوط لتشكيل فتحات لها أضلع بسمك 1.5 سم على الأكثر ، بحيث تخترق الفتحة كامل سمك البلاطة من الأمام إلى الخلف ، ويترك إطار بعرض 4 سنتمترات وبمقاس فتحة العقد في المبنى ، ثم يعمد إلى تنظيف الفتحات والأضلع والإطار من مخلفات الحفر أو القطع ، ويترك العقد المحفور على اللوحة الخشبية حتى يجف ( 3-4 ) أيام ، بعدها ينزع العقد بكامله من اللوحة فيقلب ثم يطرح عليها بحيث يسير خلفه إلى الأمام ووجهه فوق اللوحة .

ويعتبر الزجاج من الضروريات في صناعة القمريات ، حيث يقوم الحرفي بقطع الزجاج من مختلف الألوان - عادة الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر - إلى قطع تزيد في مقاسها قليلاً عن مقاس الفتحات المحفورة في العقد ، وتوضع القطع على الأضلاع فوق حافات الفتحات ثم تصب علها خلطة الجص السائل وتترك برهة لتجمد فيثبت الزجاج على العقد ، وبعد أن تجمد الخلطة تحفر وتنظف أماكن الفتحات من فوق الزجاج ويترك العقد ليجف مرة أخرى فيكون جاهزاً لتركيبه على فتحة العقد في المبنى .

وبوجه عام يركب في الفتحة عقدان أحدهما داخلي وهو المزخرف بالزجاج الملون ، والأخر خارجي ، وتغطى فتحات الزخرفة فيه بالزجاج الأبيض الذي يمكن تنظيفه من الخارج باستعمال السقالة عند إعادة تجصيص المبنى وتجديد زخارفه من الخارج .

إلى جانب الشكل النصف دائري من العقود فإنه بالإمكان تشكيلها وصناعتها بحسب شكل الفتحة للمبنى التي قد تكون دائرية أو أسطوانية أو نصف أسطوانية أو مستطيلة ، كبيرة أو صغيرة ،ويسمى العقد في بعض المناطق ( قمرية ) أما في صنعاء فيميز عن القمرية التي هي عبارة عن قطاع لفتحة العقد مشكل من المرمر الشفاف بسمك 1.5 سم ويصنع في مواقع محاجر المرمر القريبة من صنعاء .

وهذا النوع من الغطاء يستعمل للعقود الصغيرة فوق المنافذ ، أو على فتحات الإضاءة في المخازن ، أو الأماكن في الطرحة الأولى وقد أنقطع استعمال القمرية في ما تأخر من السنين بسبب تغير الاستعمالات المعمارية وارتفاع تكاليف المرمر مقارنة بعقود القص .

وغالباً ما يلجأ الحرفي العامل في صناعة القمريات إلى مهندسين لصنع أشكال هندسية تغري الزبون لشراء العمل المعروض في المحال التجارية المنتشرة في أكثر من منطقة ، حيث يعرض صاحب العمل أعماله أمام المحل الذي يعمل به ، وأحياناً يستخدم الجدران الخاصة بمنازل المواطنين أو الدوائر الحكومية ، بحيث تكون مرصوصة بشكل يسمح لراغب في الشراء من معاينة الشكل الذي يرغب في شرائه .

ويجري تصنيع القمريات غالباً في المعمل الذي يكون تابعاً للحرفي وفي بعض الأحيان يجري شغل القمرية في المكان الذي يجري تركيبها فيه ، لكن في الغالب يؤتى بالقمرية جاهزة ، حيث يقوم اثنان بتركيبها على المكان المخصص لها بمراقبة من المهندس المشرف على العمل أو صاحب العمل نفسه .

ويجري تحديد سعر العمل باتفاق بين صاحب العمل والحرفي ، ويعتمد سعر القمرية من نوع لآخر ، حيث هناك الجيد وهناك الأجود ، وفي النهاية يجري الاتفاق على السعر والمدة التي يستغرقها العمل ، وغالباً ما تكون قصيرة ، إذ أن صناعة القمريات لا يتطلب وقتاً كبيراً بقدر ما يتطلب مهارة لدى الحرفي وسرعة في حفر المناطق التي سيدخل فيها الزجاج الملون ، الذي يضفي على المنزل جمالاً أخاذاً ، بخاصة أثناء النهار ، حيث تعكس الشمس الساطعة مزيجاً من الألوان الجميلة على المنزل .

ويحرص اليمنيون على تزيين منازلهم بالقمريات ، إلا أنهم يهتمون أكثر في دواوين الرجال ، حيث يجري تعاطي القات بشكل يومي ، إذ أن للديوان لدى اليمنيين مكانة خاصة ، فهو عنوان البيت وصاحب البيت ، وهو الواجهة التي يفتخر بها رب وربة البيت أمام الأصدقاء والضيوف .

غير أن السنوات الأخيرة بدأ الاهتمام بالقمريات يتراجع ، حيث بدأ بعض المواطنين بالاتجاه لاستخدام الألمنيوم للنوافذ كمادة بديلة عن الأخشاب وعقود القمريات الملونة ، ويضيفوا إليها الشكل الجمالي للعقد ، لكن دون استخدام الجص كمادة رئيسية في العمل ، ويعلل البعض ذلك بأنه توفير للمال والصيانة ، على الرغم من أن أسعار القمريات المصنوعة من الجص الأبيض لا يقارن بأسعار شرائح الألمنيوم غالية الثمن .

وعلى الرغم من هذا التهديد الذي تواجهه صناعة القمريات ، إلا أن اليمنيين لا يزالون متمسكين بصناعة القمريات ، ويدل على ذلك تزايد أعداد المحلات التي تتعامل مع هذه الصناعة القديمة التي توارثها اليمنيون عن أجدادهم ، وتحرص السلطات المختصة في اليمن على تشجيع هذه الصناعة حتى لا تنقرض ، وتسرق من جمال البيت اليمني ، الذي لا يكاد يخلو من القمريات ، وزينة الأسقف ، التي غالباً ما تستخدم فيه الألوان الزاهية ، وهي ألوان تعكس حب اليمنيين بالألوان التي تعكسها نقشات القمريات المختلفة .
 

 

 

 

 

 

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي