أزمة الذات في العصر الافتراضي.. كتاب "أنا أُوسيلفي.." أنموذجاً

2020-01-30 | منذ 6 شهر

نجيب مبارك

أصبح "السيلفي"، من خلال مظاهره المتعدّدة والتافهة، رمزاً لمجتمع في عزّ تحوّلاته، مجتمع يديره الشباب بفضل تمكّنهم من التكنولوجيا الجديدة. كما أنّه دليل على منعطفٍ حاسم عرفه عالمنا منذ سنواتٍ مع ظهور الرقمية. ولهذا أصبح من الضروري فهم "ظاهرة السيلفي" ووضعها ضمن تفكيرٍ شامل حول ما يُدبَّر في الفضاء الافتراضي الذي لا يتوقّف عن التطوّر، وخاصّة ضمن العلاقات التفاعلية بين الناس.

في هذا السياق، يقترح كتاب "أنا أُوسيلفي، إذن أنا موجود" للفيلسوفة الفرنسية إلزا غودار (ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2019) تناولاً متعمّقاً لظاهرة "السيلفي"، باعتبارها ممارسة اجتماعية جديدة، محاولاً الإجابة عن الكثير من الأسئلة الخاصّة بالعلاقة مع الذات ومع الصورة ومع الآخرين ومع العالم ومع التكنولوجيا الحديثة، والعلاقة المستحدثة بين الذات والموضوع، ودورها الاجتماعي واللعبي وغيره.

الثورة التكنولوجية وتحوّلات الأنا

دخلت كلمة "سيلفي" إلى حقل التداول سنة 2002 في منتدى أسترالي، وكانت مشتقّة من الإنكليزية self التي تعني النفس، وتعني أحياناً "أنا وحدي"، وقد أُضيفت إليها لاحقة عامية وعاطفية "ie". وانطلاقاً من ذلك ستنتشر السيلفي في جميع أنحاء العالم بفضل الثورة التكنولوجية.

وقد خصّها المصمّم والمصوّر الفوتوغرافي جيم كروز سنة 2005 بكرّاس فوتوغرافي. إلّا أنّها لم تعرف انتشارها الحقيقي إلّا سنة 2012. وفي سنة 2013 اختيرت "السيلفي" كلمة السنة في قواميس أوكسفورد، وستدخل سنة 2015 إلى القاموس الفرنسي لاروس، وبعدها ستجد طريقها، سنة 2016، إلى قاموس بوتي روبير. وابتداء من هذا التاريخ لم يعد أحد يتجنّب الحديث عنها.

 

"دخلت كلمة "سيلفي" إلى حقل التداول سنة 2002 في منتدى أسترالي، وكانت مشتقّة من الإنكليزية self التي تعني النفس، وتعني أحياناً "أنا وحدي"، وقد أُضيفت إليها لاحقة عامية وعاطفية "ie""

لقد غيّر الإنترنت والعصر الرقمي جذرياً من أنماط حياتنا، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. دخلنا ما يسمّيه عالم المعلوميات والمستقبليات الأميركي رايمون كورزاوي "الإنسانية 2.0"، لأنّ طرقنا في التواصل تشهد وجود سلطة تمارسها التكنولوجيا على العلاقات الإنسانية. كما أنّ التبعات الأولى لثورة العصر الرقمي والافتراضية غيّرت علاقتنا بالزمان والفضاء، حيث "الموضوع- شاشة" هو الذي يحدّد إطار هذه العلاقة.  ذلك أنّنا صرنا مع "السمارتفون" متّصلين دائماً حيثما كنّا وفي أيّة لحظة، إلى حدّ أنّ الزمان والفضاء يبدوان وكأنّهما انكفأ أحدهما على الآخر، وقذفا بنا داخل تصوّر للوجود يمكن أن نطلق عليه "الهنا- الآن"، لأنّ كلّ شيء الآن مباشرٌ وملكَ اليد، وتقلّص، تبعاً لذلك، حقل تجاربنا الذي يشكّل وجودنا كلّه. إنّنا نتحرّك في داخل مرحلة جديدة هي "خارج المجال" و"خارج الزمان"، لأن الحدود تجنح اليوم إلى الاختفاء.

لقد حقّق التسويق الذاتي من خلال السيلفي، الّذي يوجد في قلب دائرة الأنا، نجاحاً حقيقياً. فلا يمكن تجاهل هذا الإشهار المجّاني والفعّال للذات. فمع التسويق الذاتي تصبح الأنا ماركة تجارية، منتجاً موضوعاً للتداول في السوق. ومن السهل التحدّث عن الأنا وذلك من خلال عرضها: فهذا يرفع من قيمة سلطتنا الاجتماعية، وهو ما يضمن خلقَ لحظة شعبية مباشرة. يتعلّق الأمر "بمرحلة يستطيع فيها كلّ فرد أن يصبح مُخرِجاً- مُوزّعاً لصورته الخاصّة، ويكون أيضاً ممثّلاً في فيلمه، فالرغبة المعبّر عنها تكمن في تنصيب المرء نجماً، إنّه يصبح بطلاً أيقونياً". ومن هذه الزاوية وجب النّظر إلى فعل السيلفي: إنّ الشخص الّذي يلتقط الكثير من السيلفيات يفتقر إلى الثّقة في النفس، ويحاول طمأنة نفسه من خلال الإحالة على نفسه في صورة جميلة- يمكن أن يعود إليها دائماً لأنّها مصوَّرة، الوقت الذي يستعيد فيه شيئاً من احترام الذات. وهكذا، فإنّ السيلفي يمكن أن يكون تعبيراً عن هشاشة نرجسية.

الأنا الافتراضية والأنا الواقعية

إنّ وجودنا مع السيلفي لا يحيل على الجوهر، بل يحيل أساساً على الصورة. وبكثرة ما نقدّم أنفسنا فقط باعتبارنا صوراً، فإنّنا ننتهي بأن نكون فقط ذاتاً لتمثُّلاتنا. لقد بدأ وجودنا المَزيدُ

بالافتراضي يتقلّص شيئاً فشيئاً في الواقع، لكي يختصر في سطحية مرئية بدون خلفية العالم، أي بدون خلفية فيها عمق. إنّ السيلفي يُنفي وهو يُظهر، لأنّه ثابت في الافتراضي، إنّه يحدُّ من وجود الذات، ولهذا، تكشف الصيغة "أنا أوسيلفي، إذن أنا موجود" عن التحوّلات الجذرية التي لحقت الأنا.  أنا تبحث عن تحديدٍ جديد- تحديد يتأرجح بين الواقعي والافتراضي. إنّها أنا تضع نفسها موضع تساؤلٍ باستمرار، لأنّها تبحث عن هويّة لا تتوقّف. إنّ مرحلة السيلفي هي شكلٌ جديد من الذاتية الهجينة، لأنّ الأمر يتعلق بذاتية افتراضية.

من جهة أخرى، يدفعنا التمعّن عميقاً في قضية العلاقة بين الأنا الواقعية والأنا المتداولة في الافتراضي إلى التساؤل حول قضية "الحقيقيّ": ما هو نصيب الحقيقي في الأنا الافتراضية أو في بدائلها؟ تصبح قضية نزاهة الذات الافتراضية أكثر إثارة عندما نضعها أمام النظرة الباحثة عن الأصالة والشفافية التي تدعونا إليه الشبكات الاجتماعية، لأنّها نقيض النزاهة الواقعية ما دامت تقوم على أنا مصطَنعة (أنا افتراضية، نُسخة)، هي ذاتها ليست تساؤلاً (مَن أنا) بل تأكيد لها (أنا ما ترون).

واختصاراً، يمكن القول أنّ تعريف الأنا، ومعها وعي الذات، قد عرف تغييرات كبيرة يحتلّ اللّاشعور داخلها موقعاً مركزياً. ويمكن القول إنّ التقدّم التكنولوجي العلمي غيَّر علاقتنا مع الأنا. فبينما كانت الأنا، في تقليدٍ فلسفي طويل، قادرة على الإفلات من التحديد الثقافي، يمكننا الآن أن نلمسها بأيدينا - بالمعنى الحرفي: إنّ الأنا الافتراضية هي أنا رقمية، أساسها لغة مركّبة من أرقام وسنن، يمكن الإمساك بها بشكل يبدو نكوصياً: إنّنا نصل إلى الذات من خلال اللّمس، وليس من خلال الفكر، أو التماهي أو الإسقاط.

نحو تجاوز أزمة الذاتية

إنّ مرحلة السيلفي الّتي نعيشها اليوم تشير عند الذات إلى طريقة جديدة تخصّ وجودها في العالم في زمن الواقع المَزيد بإضافاته الافتراضية، لأنّ الثورات التكنولوجية والإنسانية والثقافية

والجمالية والاجتماعية التي عرفها العالم أحدثت تحوّلات جذرية في الأنا، بحيث صارت الذّات التي شُّكك فيها سابقاً مع اكتشاف اللّاشعور من جديد موضع تساؤل: علينا ابتداءً من الآن أن نأخذ في الاعتبار لبدائلها، يُضاف إليها ذاك الجزء المزيد للأنا الّذي أطلق عليه "الأنا الرقمية". وتقتضي هذه الخلخلة، التي قد لا تكون سوى في بداياتها، التفكير العميق في تبعات ممكنة على نمط كينونتنا وسلوكنا. لهذا سيظلّ السيلفي في الغالب فعلاً معبِّراً عن العزلة حيث نكون وحدنا في مواجهة المرآة نتأمّل فراغ ذاتيتنا، لأنّ الصورة التي نتلقاها هي صورة غياب الغيرية، وحيث الحرمان من أن نكون لا يتوقّف عن التمدّد في مرآوية لا يمكن تحمّلها.

لقد نجحت إلزا غودار في هذا الكتاب، انطلاقاً من التكنولوجيات الجديدة، في أن تلقي ضوءاً على ما أحدثه التطوّر الراديكالي الّذي جاءت به الثورة الرقمية على نمط رؤيتنا للعالم، خصوصاً في الجانب المتعلّق بتطوّر محيّر يمثله "السيلفي"، تلك الأنا/ البورتريه التي توضّح أزمة الذاتية التي نتجت عنه، ووجود أنا افتراضية، دون أن تنسى تذكيرنا، نحن الذين نستوعب كلّياً الافتراضي ضمن معيشنا اليوميّ، بأنّه علينا أن نربط هذه الأنا الافتراضية بالأنا الواقعية عوض أن نخاف منها، وبذلك نستطيع أن نضع أسسَ نهضةٍ جديدة.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي