هل سيفشل الفلسطينيون أحلام ترامب واليمين الإسرائيلي؟

2020-01-29 | منذ 9 شهر

كان هذا يوماً تاريخياً في الجبهتين: في البيت الأبيض، حيث عرض الرئيس الأمريكي ترامب خطته للسلام التي حاصرت البرنامج الانتخابي لليكود من اليمين. وفي القدس، حيث قدمت النيابة العامة لائحة الاتهام ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أثناء غيابه، وضمته إلى إيهود أولمرت في النادي الصغير وغير الحصري لرؤساء الحكومة الذين تم تقديمهم لمحاكمات جنائية.

ظهر في هذان الحدثان أن تداعيات العملية الاستراتيجية في واشنطن ما زالت غامضة. في الساحة القانونية، ليس بمقدور نتنياهو أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. ويصعب نجاحه في التملص من الإجراءات القانونية التي ضده على طول الطريق.

في الصباح، تأثرت وسائل الإعلام الإسرائيلية من اللقاء النادر بين الرئيس الأمريكي ورئيس “أزرق أبيض”، عضو الكنيست بني غانتس. ولكن في احتفال المساء أظهر مكان التعاطف الحقيقي لترامب، فطرح “صفقة القرن” تأجل أكثر من سنتين. وأمس لم يكن واضحاً سبب تبني الإدارة الأمريكية معظم مواقف نتنياهو، وقيام الرئيس الأمريكي بتعديل مواقفه كي تتساوق معه. أما رئيس الحكومة نتنياهو فرد عليه بالثناء المبالغ فيه، الذي سيُسمع مرة تلو الأخرى عندما سيريد ترامب الاستعانة بأصوات المسيحيين الإفنغلستيين في الانتخابات الرئاسية القريبة في تشرين الثاني.

في عرض الخطة، ظهر الاقتراح الأمريكي أيضاً كجهد أخير لترامب من أجل إنقاذ نتنياهو من الشرك السياسي الذي سقط فيه. في الحملة الانتخابية الأولى في نيسان الماضي، اعترف ترامب بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان. والآن، كما بينت أقواله أمس، هو مستعد للاعتراف بسيادة إسرائيل على المستوطنات في الضفة الغربية. وهي الخطوة التي يمكن لنتنياهو القيام بها – ربما حتى قبل إجراء الانتخابات الثالثة في بداية آذار المقبل. وإذا حدث ذلك، فهذا سيكون ثورة حقيقية، ومهمة أكثر من خطة السلام التي لن يتم تطبيقها في أي يوم، ويجب القول بأنه يكتنفها قدر كبير من الأخطار.

ترامب كان هو ترامب نفسه: وجنباً إلى جنب مع تصريحاته حول رؤيته للسلام الإقليمي، فإن الخطاب كان بسيطاً، وعكس معرفة ضئيلة بالتفاصيل. وفي المقابل، ثمة ظواهر من الإعجاب الذاتي والتفاخر بإنجازاته. الجمهور رد بالهتافات الحماسية. وفي اليمين عرض عدد من الضفادع التي يجب عليه ابتلاعها (الاعتراف بدولة فلسطينية، وعاصمة فلسطينية في أحد الأحياء العربية في شرقي القدس)، ولكن ضفادع نظرية، ولن يقلقه هضمها. ومجلس “يوشع” عبر عن تحفظه، لكن بالنسبة لكثيرين في اليمين، فإن الخطة تعكس الأمل لتحقيق الحلم، ليس حلم الدولتين اللتين يسود بينهما سلام، بل حلم الضم وفرض السيادة الإسرائيلية من خلال المنع الفعلي لإمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. والأمريكيون يعرضون على الفلسطينيين عدداً من البنتوستانات المقسمة التي لا يمكن ربطها في تواصل جغرافي حقيقي.

بذل نتنياهو جهداً كبيراً لتسويق الإعلان الأمريكي كحدث له أبعاد تاريخية وحتى أسطورية. فقد قارن خطة ترامب بالاعتراف الأمريكي بدولة إسرائيل في العام 1948، ليس أقل من ذلك. رئيس الحكومة ومضيفه يمكن أن يسجلا لأنفسهما إعلان بريطانيا الذي بارك مبادرة الإدارة الأمريكية ووجود ثلاثة سفراء لدول من الخليج في واشنطن في المؤتمر الصحافي. والسؤال الرئيسي بالنسبة لنتنياهو على المستوى الشخصي هو: هل سيساعده عرض ذلك التأييد الذي نظمه ترامب من أجله في أوساط الناخبين الإسرائيليين، بعد شهر؟ في البيت الأبيض، كتفاً إلى كتف مع الرئيس، ظهر رئيس الحكومة كسياسي منتصر. لم تقل أي كلمة هناك عن لائحة الاتهام.

حتى قبل الانتخابات، ربما في هذا الأسبوع، سيتم اتخاذ قرار هل يجب استغلال الدعم الأمريكي البارز من أجل عمليات ضم المناطق؟ هل أعطى ترامب الضوء الأخضر لنتنياهو من أجل ذلك؟ خرج أزرق أبيض” من لقاء ترامب – غانتس ولديه انطباع واضح بأن هذا الأمر لن يحدث. وقد أعلن مكتب نتنياهو أمس عكس ذلك تماماً: الحكومة ستصادق في الأحد على اقتراح ضم غور الأردن، بل وضم جميع المستوطنات التي في الضفة الغربية.

السفير الأمريكي في القدس، دافيد فريدمان، قدم في توجيه للمراسلين الإسرائيليين نسخة مؤقتة: يمكن لإسرائيل أن تفرض السيادة على مناطق مقلصة في الضفة. وهذه العملية إذا تم تقديمها من أجل الحصول على مصادقة الكنيست قبل الانتخابات، فستضع المعارضة في وضع معقد. “إسرائيل بيتنا” سيجد صعوبة في عدم تأييدها. أما في “أزرق أبيض” فقد يحدث فيه انقسام في التصويت.

كل هذا النقاش -يجب أن نعود ونذكر- بأنه يجري بوجود جانب واحد فقط. فالفلسطينيون لم يشاركوا في الاحتفال فحسب، بل إن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يرفض منذ سنتين الالتقاء مع طاقم السلام الأمريكي. في المقابل، تحدث محمود عباس أمس هاتفياً مع رئيس حماس، إسماعيل هنية، بعد فترة انقطاع طويلة. ورغم الدعم الظاهر لدول الخليج لمبادرة ترامب، إلا أن الأردن ببساطة خائف منها. ضم غور الأردن سيؤدي إلى أزمة في العلاقات بين عمان والقدس وسيعرض اتفاق السلام بين الدولتين للخطر، هذا إذا لم يتم إلغاؤه كخطوة أولى.

هذا اليوم أعلن عنه كيوم غضب في المناطق. وتصريحات في البيت الأبيض لا تترجم على الفور عن موجة عنف على الأرض. معظم الفلسطينيين في الضفة الغربية، مثلما تبين أكثر من مرة في السنوات الأخيرة، ينشغلون في احتياجاتهم الاقتصادية ولا يسارعون إلى تعريض أنفسهم للخطر باسم النضال الوطني. وإن اتخاذ خطوة على الأرض مثل ضم أجزاء من الضفة قد يكون قصة مختلفة تماماً. وهذه وصفة مريحة لاندلاع اضطرابات عنيفة قد تتوسع وتستمر لفترة طويلة. في واشنطن شوهدت أمس وجوه سعيدة، لكن جهاز الأمن الإسرائيلي هو الآن عدد من الأشخاص القلقين جداً، حتى أكثر من العادة.

 

بقلم: عاموس هرئيل

هآرتس 29/1/2020



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي