لماذا لم يكن رد إيران على اغتيال سليماني بحجم تعرضها للإهانة؟

2020-01-21 | منذ 9 شهر

نقطة انطلاق فحص المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن تأخذ في الحسبان بأن رد إيران الأول على تصفية سليماني ليس نهائياً بالضرورة. بالعكس، يمكن الافتراض أن نظام إيران يريد كسب الوقت لفحص بدائل لتطبيق وعوده بمعاقبة شديدة للولايات المتحدة. قيادة إيران ملزمة بذلك، فتصفية شخصية كبيرة جداً ومعروفة في إيران والمعسكر الشيعي بوجه عام؛ ثم المس بأسس الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، التي كان سليماني من راسميها الرئيسيين، والحاجة إلى أن تعزز قدرة ردع إيران من جديد، ومنع إصابات أخرى بقادتها ومواقعها الاستراتيجية والإظهار بأنه يمكنها ضرب أعدائها بقوة، كل ذلك يجبر النظام الإيراني على فحص إمكانية إيقاع ضربة شديدة بالولايات المتحدة أو حلفائها.

قد يصل هذا الفحص أيضاً إلى استنتاج بأن خيار الضربة مرتبط بأخطار بارزة من الأفضل التنازل عنها، وهناك عدد من الدلائل التي تشير إلى أن هذه هي المقاربة الإيرانية. إلا أن هذا الاستنتاج سيؤدي إلى الإضرار الشديد بقدرة ردع إيران، ويمكن أن يستدعي في المستقبل ضربات أخرى من جانب الولايات المتحدة. إطلاق الصواريخ الإيرانية على القواعد الأمريكية في العراق بعد تصفية سليماني، دون إحداث أي خسائر، ينظر إليه أعداء إيران كعلامة ضعف وليس علامة قوة.

في هذا الفحص سيكون أمام النظام الإيراني عقبات قد تؤثر على طبيعة ردها. أولاً، تحظى الولايات المتحدة بتفوق استراتيجي – عسكري واضح وكبير على إيران، وهذا التفوق يمكن أن يردع طهران عن اتخاذ خطوات انتقامية بعيدة المدى من أجل إحباط أي محاولة للإضرار والمس بإيران بضربة مضادة شديدة إذا لم ترتدع. ورغم أن إيران طورت نظرية قتالية غير متماثلة، وتسمح لها بمحاولة المواجهة مع دول أقوى منها، إلا أن هذه النظرية لم يتم فحصها في مواجهة كبيرة مع الولايات المتحدة. وفي هذه الأثناء تؤكد طهران أنها لا تريد مواجهة واسعة مع واشنطن، لكنها أيضاً تحذر من أن إطلاق الصواريخ ليس نهاية المطاف. وأنها ستستمر في السعي لإخراج القوات الأمريكية من الشرق الأوسط.

إضافة إلى ذلك، حتى زمن تصفية سليماني، يبدو أن إدارة ترامب قد خشيت من القيام بخطوات عسكرية ضد إيران واكتفت باستخدام الضغط الاقتصادي. تصفية سليماني والهجوم الأمريكي على خمسة أهداف للمليشيات الشيعية المؤيدة لإيران في العراق وسوريا قبل عملية التصفية وتهديد ترامب بضرب 52 هدفاً في إيران واستمرار الضغط الاقتصادي الشديد، كل ذلك يخلق بُعداً جديداً وقوي للردع الأمريكي تجاه إيران.

ثانياً، قد تكون إسرائيل هدفاً آخر لعملية انتقام إيرانية. ولكن على الإيرانيين التذكر بأن إسرائيل ضربت عشرات الأهداف الإيرانية والشيعية في سوريا والعراق دون أن تجرؤ طهران على الرد، باستثناء حالات معدودة وفاشلة، من خلال الإدراك بتفوق سلاح الجو الإسرائيلي. صحيح أن لطهران قدرة ردع بارزة تجاه إسرائيل على أساس أنظمة الصواريخ الكبيرة لإيران وحزب الله والمليشيات الشيعية، ولكن استخدام هذه الأنظمة ضد إسرائيل يعني اندلاع الحرب. على إيران في هذه الحالة أن تأخذ في الحسبان مخاطرات شديدة، منها أن الولايات المتحدة ستساعد إسرائيل، وأن إسرائيل ستستغل المواجهة لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية.

ثالثاً، الاتفاق النووي مع إيران لم يعد قائماً بالفعل. واحتمال إجراء مفاوضات بين طهران وواشنطن حول تجديد الاتفاق وتعديله كان ضعيفاً من البداية، وتقلص أكثر بعد تصفية سليماني. رفعت إيران فعلياً كل القيود التي فرضها الاتفاق على مشروعها النووي. وإذا قررت طهران استغلال هذا الوضع للانطلاق نحو القنبلة النووية بهدف تعزيز قدرتها على الردع أمام الولايات المتحدة وإسرائيل فيجب أن تأخذ في الحسبان ضربة إسرائيلية و/ أو أمريكية ضد منشآتها النووية. تدرك إيران بأن إسرائيل تبحث عن مبرر مناسب وفرصة مناسبة للقيام بضربة كهذه.

رابعاً، لا يوجد لإيران حلفاء حقيقيون، فالحليف الوحيد الذي وقف إلى جانبها هو سوريا تحت نظام بشار الأسد، ولكن سوريا غير قادرة في العقد الأخير على مساعدة إيران بعد فقدان قوتها العسكرية، وهي نفسها بحاجة إلى المساعدة الشاملة. وروسيا تقيم علاقات وثيقة مع إيران، بالأساس في المجال الاقتصادي والعسكري والنووي، ولكن روسيا وإيران ليستا حليفتين، فهما تتنافسان بشدة على قيادة إعمار سوريا، وروسيا أيضاً لم تساعد إيران إزاء الضربة التي أوقعتها إسرائيل بالأهداف الإيرانية والشيعية بسوريا في السنوات الأخيرة.

خامساً، إيران الآن وضع صعب على الصعيدين الداخلي والإقليمي. منذ منتصف تشرين الثاني تجتاح إيران موجة مظاهرات هي من أشد الموجات التي عرفتها منذ الثورة الإسلامية، بسبب وضعها الاقتصادي السيئ، الذي ساء أكثر بسبب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة. والذريعة المباشرة للمظاهرات هي رفع أسعار الوقود، ولكن ظهرت في المظاهرات نغمة سياسية عندما دعا المتظاهرون في الشوارع إلى “الموت للخائن”، والخائن هو الزعيم الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل، تجري مظاهرات عنيفة في العراق ولبنان أيضاً، هاتان الدولتان اللتان لإيران فيهما مصالح مهمة في أعقاب السيطرة الشيعية هناك، حيث يطرح فيهما طلب تصفية الوجود والنفوذ الإيراني. موجات هذه المظاهرات تقلق النظام في إيران، وستصعب عليها التورط في الوقت نفسه في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

في هذه التطورات لا يوجد ما يقلص أهمية التهديد الإيراني لإسرائيل، الذي بقي التهديد الرئيسي لها. ويجب عدم الاستخفاف به. إن أنظمة الصواريخ التي في حوزة إيران وحزب الله ستواصل كونها أساس هذا التهديد. وإذا انطلقت إيران في المستقبل نحو السلاح النووي -وإيران في نية القيام بذلك إذا أتيحت الفرصة- سيزيد وزن التهديد إلى مستوى لم نعرفه حتى الآن. ولكن عند فحص سلوك إيران الحالي يجب الإشارة إلى نقاط الضعف هذه في مكونات التهديد الإيراني، التي يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة استغلالها في مواجهة هذا التهديد. وفي الوقت نفسه، وحسب رأي إيران، فإن نقاط الضعف تجبرها على أن تكون حذرة جداً من أجل ألا يؤدي ردها، إذا جاء، إلى مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة.

 

بقلم: افرايم كام

 هآرتس 21/1/2020

 

                  



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي