ما الحل السحري لخروج العراق ولبنان من معضلتيهما؟

2020-01-20 | منذ 9 شهر

“لدينا أربع طائرات اف 14 وأربع طائرات سوخوي 25، وهذا كاف للدفاع عن سمائنا”، قال المتحدث بلسان رئيس الأركان في الجيش العراقي، عبد الكريم خلف. الدفاع ممن؟ ذلك الأمر لم يتطرق إليه. ثمة شك إذا ما كان المتحدث يعبر عن موقف الحكومة العراقية التي تستمر في إجراء المفاوضات مع ممثلي الإدارة الأمريكية حول سحب القوات الأمريكية من الدولة. ولن يكون الانسحاب في الوقت القريب كما يبدو. لقد أوضحت الإدارة الأمريكية بأن ليس لها خطط لسحب قواتها، وعلى الأكثر سيتم نقل عدد من الجنود إلى مواقع جديدة.

إذا اعتقدت الحكومة الانتقالية في العراق بأن تصفية قاسم سليماني ستحدث ثورة وستخرج القوات الأمريكية من العراق، فقد خاب أملها في الوقت الحالي، فمشكلتها الأساسية ليس الوجود الأمريكي، بل في المظاهرات التي تجددت بكامل القوة في بغداد ومدن الجنوب مثل البصرة والناصرية. في نهاية الأسبوع الماضي خرج آلاف الناس إلى الشوارع في هذه المدن ينادون بالشعارات المعروفة التي تطالب بإنهاء الوجود الإيراني في العراق وإخراج القوات الأمريكية من الدولة. وقد قتل متظاهران بنار قوات الأمن وأصيب المئات واعتقل كثيرون. الاشتعال الذي خفت على الفور لبضعة أيام بعد تصفية سليماني عاد بكامل القوة، وتجددت معه المطالبة الملحة بإجراء انتخابات جديدة وعدم السماح لرئيس الحكومة الانتقالية، عادل عبد المهدي، بالعودة إلى الحكم. وبعد شهرين على استقالة رئيس الحكومة، لم ينجح رؤساء الأحزاب الكبيرة بعد في الاتفاق على رئيس حكومة جديد أو على الخطوة السياسية القادمة.

وفي لبنان يتواصل الاشتعال أيضاً. مئات المتظاهرين في بيروت وطرابلس في الشمال خرجوا للتظاهر ضد الحكومة وتسببوا بإغلاق فرع البنك المركزي في طرابلس وأحرقوا إطارات السيارات ورشقوا الحجارة، منادين بتشكيل حكومة جديدة. وحذر حسن نصر الله من أنه إذا لم يتم تشكيل حكومة جديدة فإن لبنان سيدمر. وفي المقابل، يشير خصومه في الشارع إليه باعتباره المتهم الرئيسي وربما الوحيد في تدمير الدولة وإحباط أي حل سياسي.

في هاتين الدولتين يكتشف الشعب مرة أخرى قدرته على إسقاط حكومات، لا الأنظمة. وقبل ثلاثة أشهر تقريباً حظيت هذه المظاهرات بصفة “الربيع العربي الجديد”. وقد اعتبر القتلى شهداء الديمقراطية، وأطلق على قوات الأمن اسم “قتلة”، ولكن حركات الاحتجاج لم تنجح في أي من هاتين الدولتين ولا في إيران أيضاً التي تستمر فيها المظاهرات، في تقديم قيادة بديلة. نشطاء الشبكات الاجتماعية وأصحاب مكبرات الصوت في الميادين وراشقو الحجارة ومشعلو الإطارات هم مجهولون بالنسبة للجمهور الواسع. وعندما يتم إجراء الانتخابات لن يجلسوا في الحكومات التي ستشكل بعد ذلك، طالما تواصل هذه الطريقة إدارة أجهزة الحكم.

الفرق بين هاتين الدولتين هو أن العراق ذو بنية اقتصادية تستند إلى احتياطي النفط الخامس في العالم، في الوقت الذي يفتقد فيه لبنان لأي مورد يضمن سداد ديونه التي تبلغ 90 مليار دولار وتشكل نحو 155 في المئة من الناتج الخام الإجمالي. ولكن العراق مع مواردها الضخمة، غارق بديون كبيرة، ومثل لبنان هو غارق في الفساد العميق الذي يعزز الطبقة الحاكمة. الدول المانحة وعدت لبنان بـ 11 مليار دولار تقريباً. ونظرياً يمكن لهذا المبلغ أن يساعدها في سداد جزء من ديونه. ولكن لن يتدفق إليها ولا حتى دولار واحد في غياب حكومة موثوقة تضمن إيصال تلك الأموال إلى الأهداف الصحيحة.

من أجل تغيير “الطريقة” لا يكفي إبعاد حزب الله عن مركز القوة السياسية التي هو فيها. ومثلما في العراق، فإن التركيبة الطائفية للنظام وتوزيع الغنائم بين الطوائف الكبيرة والاعتقاد بأن الدولة تعود للأوليغارشيين، تُملي التشريع وتوزيع الموارد بين المجموعات القوية. الكلمة السحرية في هاتين الدولتين هي “حكومة تكنوقراط”، أي حكومة لا تعمل كمندوبة للطوائف، بل تضع المصالح الوطنية نصب عينيها. هذا في الحقيقة شعار جميل، لكن مشكوك فيه إذا أمكن لحكومة كهذه أن تقوم حقاً. ومن أجل النجاح في هذه المهمة عليها أن تضرب بقوة مصالح أرباب المال. ومشكوك فيه أيضاً أن تجد شخص تكنوقراط مستقلاً ليس مقيداً بإحدى الطوائف أو لا يتم الشك به فوراً بالتحيز لطائفته.

الدليل على ذلك يمكن إيجاده في المفهوم الذي اخترعه الرئيس اللبناني ميشيل عون بمعارضته حكومة تكنوقراط، واقترح بدلاً منها حكومة “تكنوسياسية” يكون الوزراء فيها سياسيين مع القليل من الخبرة المهنية. أما “حزب الله” فيرفض هذا الاقتراح تماماً، ويطالب بحكومة تمثل جميع الشرائح، وعملياً، لن تكون مختلفة عن الحكومة السابقة. رئيس الحكومة المعين، حسن ذياب، يصمم على تعيين حكومة خبراء، لكنه أدرك بأنه لن ينجح في إقناع ذوي المصالح الذين وافقوا على تعيينه في هذا المنصب.

في لبنان والعراق تجد الطائفية والقبلية تعبيرها بواسطة الأحزاب التي تدير صراعاتها في ساحات مثل البرلمان والحكومة. وخلافاً لدول أكثر تمأسساً مثل مصر والأردن، فإن البرلمان في لبنان والعراق هو مجلس تشريع حقيقي، للحكومة فيه معارضة فعالة. والأهم من ذلك هو أن الجمهور في الدولتين يدرك قوته ويستخدمها. وتوجد فيهما معارضة جماهيرية تستند بالأساس إلى الجيل الشاب الذي يشكل على الأقل نصف عدد السكان. والسؤال هو ماذا إذا نجح هذا الجيل في ترجمة طموحاته إلى انتصار سياسي؟

 

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 20/1/2020



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي