أفتتحت في عهد الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي

"برنيس".. تفاصيل عن القاعدة التي رفضت مصر تسليمها لأميركا

2020-01-18 | منذ 8 شهر

من مراسم افتتاح قاعدة برنيسالقاهرة - أشرف عبدالحميد - كانت تسمى "ميناء أهل الكهوف" وفق تعبير اليونانيين، وأطلق عليها في العصر البطلمي "برنيس الذهبية"، وكان بها أكبر ميناء تجاري عام 275 قبل الميلاد.

إنها منطقة "برنيس" جنوب مصر، التي أقيمت بها القاعدة العسكرية وافتتحها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الأربعاء الماضي، لتصبح ثاني قاعدة عسكرية كبيرة في مصر بعد "قاعدة محمد نجيب" بالمنطقة الشمالية، وأكبر قاعدة في البحر الأحمر.

كيف كانت بداية تلك المنطقة؟ وما سر أهميتها؟

الدكتور عبدالرحيم ريحان، مدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي بمناطق آثار جنوب سيناء، يقول لـ"العربية.نت " إنها كانت ميناءً مصريًا قديما، وأطلق عليها اسم "برنيس" نسبة إلى الملكة برنيقيه أم بطليموس الثاني حاكم البلاد في عصور ما قبل الميلاد، ثم تم تغييرها وتحريفها إلى "برنيس"، مضيفا أنها قريبة من مناجم الذهب المنتشرة في محيط جبل العلاقي، وكان يعمل في مناجمها رهائن الحرب.

ويكشف الدكتور أحمد عزالدين، الخبير في الشؤون الاستراتيجية، أهمية "برنيس" استراتيجيا وعسكريا، ويقول لـ"العربية.نت" إن المنطقة نقطة استراتيجية مهمة تتوافر بها مقومات واحتياجات الجيوش للقيام بأعباء ومهام التفوق العسكري والاستراتيجي.

ويضيف أن المنطقة متلازمة مع أهمية مضيق هرمز، ومع أهمية الخليج العربي على خريطة الاستراتيجيات العالمية، لأنها تعد سهلا ساحليا ضيقا وسط سلاسل جبال البحر الأحمر تمنح تفوقا استراتيجيا لمن يتحصن ويتركز بها، وظلت قرونا عديدة ميناء مصر الأول على البحر الأحمر، ومركز تجارة الهند والجزيرة العربية.

أهمية "برنيس" استراتيجيا أيضا تأتي - كما يقول الخبير المصري - أن عندها تتوافر أقل مساحة بحرية على شاطئ البحر الأحمر بين مصر والسعودية، وأقل مساحة طيران بين مصر والخليج العربي كله، وتعد نقطة عبور استراتيجية إلى منطقة القرن الإفريقي، ونقطة التقاء بحرية وجوية بين قارتين وثلاث بحار استراتيجية ومحيطين كبيرين.

أهمية "برنيس" أتت أيضا من مفارقة غريبة، وهي أن الرئيس السوفييتي الأسبق خروشوف كان أول زعيم أجنبي يطأ أرضها في القرن الماضي، ولذلك قصة يرويها الخبير المصري ويقول إن خروشوف جاء إلى مصر ليشارك في احتفال السد العالي وتحويل مجرى النهر بأسوان، وقرر أن يأتي بحرا، واختار أن يعبر من البحر الأسود إلى المحيط الهندي، ثم إلى البحر الأحمر، ولم يكن من المناسب بعد كل هذه المسافة البحرية أن يصل خروشوف بحرا حتى السويس في أقصى الشمال، ثم ينتقل بعد ذلك إلى أسوان في أقصى الجنوب لحضور الاحتفال.

الرئيسان جمال عبدالناصر وخروشوف

فقرر الاتحاد السوفيتي، وقتها، البحث عن أقرب نقطة بحرية تنقل خروشوف من البحر الأحمر إلى أسوان، ولهذا السبب أرسلت مصر بعثة عسكرية على شاطئ البحر الأحمر للبحث عن مكان يصلح لرسو سفينة خروشوف، ويصلح أيضا لهبوط طائرة صغيرة، تقلع به مع أسرته إلى أسوان.

واختارت البعثة العسكرية المصرية منطقة "برنيس"، وأنشأت بها مرسى للسفينة، ثم مهدت طريقا يمكن أن تتحرك منه الطائرة إلى أسوان.

من مراسم افتتاح قاعدة برنيس

ويوضح الخبير المصري المفارقة الثانية لبرنيس وهي اهتمام الإدارة الأميركية بها لعدة معطيات حسابية وعسكرية، خاصة بعد استخدامها من جانب الجيش المصري كميناء لنقل وحدات كبيرة من القوات المسلحة المصرية كانت متواجدة في اليمن إلى مصر قبل اندلاع حرب العام 1967.

قواعد جرجوب غربا وشرق بورسعيد شمال شرق وقاعدة برنيس المطلة على البحر الأحمر

بالحسابات رأت واشنطن أهمية المنطقة استراتيجيا، لذلك تفاوضت مع مصر في عهد الرئيس الراحل أنور السادات لبناء قاعدة عسكرية أميركية بها، وكانت الحسابات التي أجراها البنتاغون تؤكد أنه بالنسبة لحساب المسافات فالمنطقة تعد الأقرب من القواعد الأميركية في العالم، بالقياس إلى مسرح العمليات. فمثلًا قاعدة خليج "سوبيك" بالفلبين تبعد عن مسرح عمليات الجيش الأميركي في منطقة الشرق الأوسط لنحو 10 آلاف كيلومتر، وقاعدة "غوام" في المحيط الهادي تبعد مسافة 12 ألفا و500 كيلومتر، وقاعدة "نوفوك" بفرجينيا تبعد مسافة 18 ألف كيلومتر، وحتى جزيرة دييغو غارسيا رغم قربها النسبي 3800 كيلومتر من مضيق هرمز، لا يمكن أن تلعب دورا مؤثرا لصغر رقعتها بالنسبة للجزر المحيطة بها.

الرئيسان ريغان والسادات
وبالنسبة للتكلفة، رأت الإدارة الأميركية، كما يقول الخبير المصري، أن تكلفة إقامة قاعدة في "برنيس" تعادل نصف التكلفة التي ستقام فيها قاعدة في تركيا، وثلث تكلفة إنشاء قواعد أخرى، وسيتكلف نقل المعدات والأفراد والجنود إليها سدس تكلفة النقل لأي قاعدة أخرى في العالم، لذا قال وزير الدفاع الأميركي وقتها، كاسبر واينبرغر، في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان إن "برنيس" هي الحل المسيطر.

وزاد من أهمية المنطقة وتمسك الإدارة الأميركية بإقامة قاعدة عسكرية فيها ما أكدته دراسة حول تكاليف ووقت النقل من أميركا إليها، فقد كشفت الدراسة أنه باستخدام نصف جسر استراتيجي يمكن أن يستغرق الوقت من أميركا إلى مسرح العمليات في الشرق الأوسط 77 يوما، ومن قاعدة موباسا في كينيا سيستغرق الوقت 22 يوما، ومن أزمير في تركيا سيستغرق الوقت 17 يوما، أما من قاعدة "برنيس" في مصر فلن يستغرق الوقت سوى 10 أيام فقط.

الرئيس السيسي يفتتح قاعدة برنيس العسكرية

ويتابع الخبير المصري أن الولايات المتحدة ظلت تفاوض مصر حول القاعدة، وكان الرئيس الراحل أنور السادات يرفض، وبعد رحيل السادات، طلب الرئيس الأميركي ريغان بشكل مباشر من الرئيس الأسبق حسني مبارك أن يوقع بنفسه على خطاب تعهد يتيح للولايات المتحدة استخدام القاعدة بنفس الطريقة التي قدم بها السادات تعهدا سابقا يسمح فقط باستخدام القاعدة في حالة تعرض مصر وأميركا لخطر مشترك، مضيفا أن مبارك رفض وبإصرار شديد وجود أي قواعد أجنبية في مصر.

ويضيف الخبير المصري أن أميركا لم تتوقف عن طرح عروضها لإقامة القاعدة وقدمت وعودًا كبيرة سواء اقتصادية أو تسليحية، وتنوعت اقتراحاتها ما بين استخدام دوري مؤقت لإدارة مشتركة للقاعدة، أو استخدام دوري مؤقت، أو تأجير تحت سقف زمني محدد، وكان كل ذلك يواجه بالرفض من جانب مصر حتى الوقت الحالي.

ويضيف أن الرئيس عبدالفتاح السيسي اتخذ قرارا جريئا ببناء القاعدة بتمويل مصري وسواعد مصرية لتكون نقطة انطلاق استراتيجية لمصر، ولتتمكن القوات المسلحة المصرية من خلالها في تنفيذ كافة المهام التي توكل إليها على الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي، وتكون مرتكزاً لانطلاق الجيش المصري لتنفيذ أي مهام توكل إليه بنجاح، وبما يعزز التصنيف العالمي له بين مختلف الجيوش العالمية.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي