كتاب "الحداثة والهولوكوست" لزيغمونت باومان… الهولوكوست.. شذوذ أم نتاج حداثي!

2020-01-16 | منذ 8 شهر

رامي أبو شهاب*

تتصل الحداثة بفلسفة التنوير الساعية لتجاوز الأنماط القديمة في شتى الميادين والمجالات، وبناء عليه، فهي تعدّ حركة فكرية تنهض على الإفادة من العلوم، وما أحدثته التكنولوجيا على حياة الإنسان، ومنتجاته الثقافية والفنية، في ظل تسارع وتيرة الإنتاج الصناعي، والتحولات المجتمعية والأيديولوجيّة، وما صحب ذلك من منظورات فلسفية تجاه الحياة والإنسان والموروث، ولا سيما في ظل النظريات العلمية، التي بدأت تتوالى مع نهاية القرن التاسع عشر، لتنتهي الحداثة في تكوينها وصيغتها إلى نظام ينهض على التأمل، وتمجيد الانضباط المعرفي، بوصفه أداة حداثية للوجود الإنساني.

وهكذا نخلص إلى أن قيم التجربة والاختبار انطلاقا من أثر فرانسيس بيكون وديكارت، قد أحدثت نقلة نوعية في تفعيل المبدأ الكمي والنوعي للنتاجات البشرية التي أتت مصحوبة بنزعة فردية تتصل بتقديم العقلانية التي تعلي من شأن الإنسان وحريته، غير أن «الهولوكوست» أحدثت صدمة في مسار هذا الوعي المتصل بهذه الحداثة، ما يتطلب نموذجاً تأملياً لاكتناه الهولوكوست انطلاقا من السؤال الآتي: هل تعد الهولوكوست شذوذاً في تاريخ الحداثة أم نتاجاً لها؟

في كتاب المفكر والفيلسوف زيغمونت باومان «الهولوكوست والحداثة» – الصادر عن دار مدارات للنشر عام 2014 – ثمة فرضية قوامها، أن الهولوكوست ليست شذوذاً أو خروجاً عن مسار الحداثة الغربية، إنما هي نتيجة لفلسفتها وأنماطها، بمعنى آخر تأتي الهولوكوست بوصفها ممارسة أنتجها الإنسان، غير أنها جاءت بالتوازي مع نشوء قيم العقلانية الغربية، ما يعني نوعاً من التشوه الذي يحتاج إلى دراسات معمّقة من أجل محاولة فكفكة شيفرة هذا الفعل ونظامه الخطابي.

لعل ترجمة حجاج أبو جبر ودينا رمضان، تعكس حسن اختيار لقضايا تبدو على قدر كبير من الأهمية، بالتضافر مع تقديم مداخل لفهم بعض النماذج ذات الحساسية التاريخية، المتصلة بزمننا الحاضر. ينطلق باومان في كتابه من أن الهولوكوست لا تعدّ مشكلة يهودية أو ألمانية، إنما هي تقع في سياق الحداثة الغربية برمتها – كما يشير مترجم الكتاب حجاج أبو جبر في مقدمته – وهنا يذكرنا كاتب المقدمة – بمواقف باومان الناقدة للحركة الصهيونية، التي جعلت من الهولوكوست (صناعة) من أجل تبرير جرائمها بحق الفلسطينيين، ضمن مبدأ «الضحية التي تنتقم»، وبناء عليه، فثمة إشارات واضحة لأوجه التلاقي بين النازية والصهيونية، في حين أن فعل الإبادة لم يكن مقصوراً على اليهود فقط، إنما طال الكثير من الشعوب والفئات التي تعرضت للتطهير. تبين الهولوكوست عن نموذج معقد لقدرة الإنسان على التجرد من إنسانيته، ليرتكب أكبر الفظائع طبقاً لتصورات يوضحها باومان، من خلال سرده لتحليلات معمقة لبعض التجارب التي قام بها العلماء، من حيث قدرة البشر على تحييد الفعل الأخلاقي، عند ارتكاب الجريمة، أو فعل الإبادة، حيث يأتي هذا الفعل بوصفه جزءاً من نموذج بيروقراطي منظم، أسهمت الحداثة في تخفيف أبعاد المواجهة بين الضحية والجلاد، فضلاً عن تمكين نموذج من النظام قائم على تبادل أو تنظيم العمل.

يسعى أبو جبر في مقدمة الكتاب إلى وضع مسارات واضحة لمقاربة باومان في ما يتعلق بموقف الأخير من الهولوكوست، خاصة جدلية اتصاله بالمبدأ الأخلاقي، الذي يتساءل عنه باومان في سياق الحداثة الغربية. غير أن باومان في مستهل تعرضه للحداثة يتخذ موقفا أخلاقياً من هذه الحداثة، التي تعيد تواطؤها مع ممارسات إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني، الذي اقتلع من أرضه، وارتكبت بحقه الكثير من الجرائم. ولعل من الأدوات أو العوامل التي ساعدت على تحقيق ذلك ما قامت به الصهيونية من توظيف للهولوكوست في نظامها الخطابي الموجّه للعالم الغربي والعالم، ضمن مبدأ تنظيمي واضح يهدف إلى تكريس هذا الحدث لتبرير ممارسات ضد الفلسطينيين تبدو أقرب إلى الهولوكوست التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين.

ينطلق باومان من عدة أسس تسعى لأن تربط بين الحداثة الغربية، على الرغم من نزوعها العقلاني الذي استجلب أكبر مأساة شهدها العصر الحديث، وهنا يرى بأن الهولوكوست قد أفادت من كافة الأسس التي نهضت عليها، وبناء عليه، فهي تنظيم خطابي مغرق بشيفرته الخاصة، التي تحتاج إلى تحليل بغية تلمس مفاصل امتداد هذا الحدث في الوعي الغربي، وتجلياته بهدف تحليل هذا الشذوذ، ولاسيما أن الإبادة كانت تجري في عمق أوروبا، لا في آسيا أو افريقيا، كما يوضح المترجم في هامش من الهوامش نقلا عن المفكر عبد الوهاب المسيري.

  تبين الهولوكوست عن نموذج معقد لقدرة الإنسان على التجرد من إنسانيته، ليرتكب أكبر الفظائع طبقاً لتصورات يوضحها باومان، من خلال سرده لتحليلات معمقة لبعض التجارب التي قام بها العلماء، من حيث قدرة البشر على تحييد الفعل الأخلاقي، عند ارتكاب الجريمة، أو فعل الإبادة

لقد تحول الهولوكوست إلى نوع من الصناعة العلمية، ومن هنا يؤخذ على الدراسات أنها لم تتمكن من فهم تموضع الهولوكوست في الثقافة الغربية، فلا غرو أن ينطلق باومان من هذه الجزئية بغية مقاربة الهولوكوست عبر منظور مختلف، لا ينهض على الاستيهامات والنماذج الوعظية، بل إن السؤال الذي يشغل ذهن باومان، ويعد جوهر الكتاب «كيف كان لمثل هذه الفاجعة أن تحدث؟ كيف كان بالإمكان أن تحدث في قلب أعظم بقعة حضارية في العالم؟ فقلما يعكر ذلك صفوهم». إن معظم الدراسات تتجه إلى مناقشة الأسباب، أو التداعيات، غير أن باومان يذهب إلى تقدير أبعد من ذلك، وبناء عليه؛ فهو يرغب في تفسير هذا الاختلال الكوني، من حيث قدرة البشر على فهم ما يمكن أن يقوموا به من جرائم بلا أي تبعات أخلاقية. وهذا يتبعه بحث في الإجراءات، والوسائل والخلفيات الفلسفية، التي قادت إلى أن يتحقق هذا الفعل على مرأى من العالم، ما يعني أن الثقافة الغربية تختبر نوعا من أنواع الوعاء القيمي، أو أن الحداثة تمكنت من توفير كافة الأسباب التي تسهم في تمرير هذا الفعل وتمكينه.

في الفصل الأول «علم الاجتماع بعد الهولوكوست» يختبر باومان موقع الهولوكوست في الدراسات الغربية، التي يتجه جزء منها لبحث النظام الاجتماعي المنشئ للهولوكوست، أو على النقيض من ذلك الجوانب المضيئة لبعض الجماعات التي لم تشارك بهذه الجريمة، وغير ذلك من القضايا، غير أن الهولوكوست (المحرقة) بوصفها سلوكاً حداثياً، قد أماطت اللثام عن وجه الحضارة الغربية، وهنا يرى باومان أن الهولوكوست كان جزءا من هذه الحضارة حيث يقول: «إن الهولوكوست ليس نقيضاً للحضارة الغربية الحديثة، وكل شيء يرمز إليها، أو نعتقد نحن أنه يرمز إليها. إننا نخشى ـ حتى لو رفضنا الإقرار بذلك – أن تكون الهولوكوست قد استطاعت أن تكشف وجها جديداً للمجتمع الحديث، الذي يروقنا وجهه المألوف. ونخشى أن يكون الوجهان ملتصقين على أكمل وجه بالجسد نفسه. ولعل أشد ما نخشاه هو أن أحد الوجهين لا يستطيع أن يوجه بدون الآخر، تماما مثل وجهي العملية».

الهولوكوست لم تكن مضادة للعقلانية الغربية، إنما كانت نتاجا لتلك العقلانية، بشكل أو بآخر، حيث حيّد الفعل الأخلاقي، بل إن من كانوا يقومون به غالبا ما كانوا يخضعون لفعل وظيفي من وراء مكاتبهم، حيث كانت الأدوار محددة بعناية، في حين وزعت المسؤولية للتخلص من المواجهة المباشرة مع الضحية، فالأوشفيتيز لم يكن سوى نموذج من نماذج آلية إدارة المصانع، التي تخضع لنموذج متكامل من الإدارة التي تتيح العمل بأكبر قدر من الدقة، وحسب نموذج محدد بيروقراطي. هذا النهج يعدّ تتويجاً أو توظيفاً للروح العلمية الغربية، وقيمها الصناعية المتطورة، بمعزل عن الرؤية الأخلاقية التي أصبحت في مجال العمى، وبذلك أمست الهولوكوست حالة طبيعية في المجتمع. في الفصلين الثاني والثالث يبحث باومان ثلاثية الحداثة والعنصرية والإبادة، فيشير إلى ملحوظة مهمة تتعلق بأن هذا الفعل لم يكن نتاج وعي جمعي غوغائي أو شعبي، كما أنه لم ينطلق من عداء شعبي عام، وبذلك فهو يحاول أن يدحض هذه الأسطورة، فالهولوكوست نتجت عن آليات مختلفة لدى من قام بالتخطيط، وهي تنهض على ابتكار هذا العداء عبر آليات اجتماعية وسياسية يبحثها الكاتب في إطار تاريخي، وتتصل بجدلية انعزال اليهود، أو علاقة اليهودية مع المسيحية، بالإضافة إلى الجوانب الاقتصادية التي تميز بها اليهود، الذين يوصفون بأنهم أقرب إلى حشائش ضارة ينبغي اقتلاعها.

اصطدمت الحداثة باليهود من عتبة العزلة، وآلية التعامل معها (العزلة) بوصفها مشكلاً حداثياً، حيث لم تتمكن الحداثة من استيعاب هذه العزلة، وجدليتها. فالحداثة أفرزت مقولات الاندماج وتذويب الاختلافات، وبناء عليه لم يعد هذا اليهودي مرئيا أو منعزلا، مما هدد التمكين العرقي في زمن اشتداد القوميات؛ ولهذا تم بعث مفهوم العرقية اليهودية مقابل الديانة اليهودية، وبذلك فقد نتج منتج العنصرية واستحالة دمج جماعة معينة مع النظام العقلاني الجديد، الذي بشرت به الحداثة، وجسدته محاولة تحييد أي عنصر ضعيف عن الاندماج بالشعب العضوي أو العرق الآري. في الفصل الرابع يبحث باومان موضوع الهولوكوست بين الأيقنة والأنسنة، ولكن قياسا على نماذج أخرى شهدت نوعا من التطهير والإبادة، ولكنها لم تحظ بالقدر نفسه من الاهتمام لفقدانها الصناعة الخطابية. في الفصل الخامس يقرأ باومان تعاون الجماعات اليهودية مع النازيين، وبين عن هذا الفعل بعبارة «حفر قبورهم بأنفسهم»، ولهذا فهو يبحث عميقاً في آلية سلوك بعض الجماعات اليهودية، التي أمست خاضعة لتنفيذ أوامر النازيين، بل تذلل الكثير من الصعوبات يأتي بعضها من منطلق محاولة تجنب أو تأخير المصير، وهنا نرى أن ثمة نموذجاً بيروقراطياً أسهمت بعض الجامعات اليهودية في تنفيذه بغية تحقيق أكبر قدر من التأثير، ويتحدد بظهور العقلانية الفردية إزاء خدمة التدمير الجماعي.

في الفصل السادس نقرأ أخلاقيات الطاعة من خلال تجارب عدد من العلماء، التي تكشف عن آلية نفسية تتصل بمن يقومون بتنفيذ عمليات التطهير، بالإضافة إلى البحث في الجوانب العميقة للنفس البشرية، التي يمكن لها أن ترتكب أكبر الفظائع، في ظل سياقات محددة اختبرها العلماء. تأتي الدراسات بنتائج صادمة للوعي الإنساني الذي ربما لا يدرك ما يمكن أن تنطوي عليه النفـــــس من نزعات للتدمير والتعذيب، حيث إن توزيع المسؤولية سوف يؤدي إلى تقليل الضرر عند تنفيذ المهمة، ومن هنا ننتقل إلى الفصل السابع الذي يحاول أن يؤطر نظرية خاصة بسيسيولوجيا الأخلاق، وفيه اختبار للوضع الأخلاقي حيث يتم توظيف التباعد الاجتماعي والجسدي والروحي بين الجلاد والضحية، في حين أن أي سلوك أخلاقي فإنه ينتج من قبل المجتمع، وأي خلل في القيم، فلا بد أن يعود إلى هذا العامل، لهذا فقد سعى القائمون على التخطيط للمحرقة للاستعانة ببعض الأدوات، ومنها عزل الضحية مما يسهم بتخفيف وطأة الإحساس بالضمير.

وختاما فإن الفصل الثامن ينطلق من ثنائية العقلانية وتعالقها مع الخزي الأخلاقي، بالتجاور مع قيم التذكر للحدث، وعقدة الناجين، في حين أن الضحية يمكن أن تضطهد ضحية أخرى كما تفعل الصهيونية مع الفلسطينيين، وهنا يشير باومان إلى أن دولة إسرائيل قد حولت إبادة اليهود إلى مليكة قومية ورمزية ما زالت تسعى لاستغلالها.

 

  • كاتب فلسطيني أردني


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي