بسبب "المعضلة الإيرانية".. كيف تستعد إسرائيل لانسحاب أمريكي من العراق؟

2020-01-04 | منذ 10 شهر

أحداث الأسبوع الماضي في العراق انتهت كما يبدو بعرض للهدف الذي يتمثل بالقوة الأمريكية. طائرات الأباتشي حلقت في السماء لحماية السفارة الأمريكية في بغداد، وواشنطن أعلنت بأنها سترسل 750 جندياً آخر من البحرية، أما المليشيات الشيعية الذين انقض رجالها على مبنى السفارة على مدى يومين متتاليين، أمرت المتظاهرين بالانسحاب ومغادرة المكان. وثمة شك بأن تكون هذه هي نهاية القصة أو أنها القصة الحقيقية. الأكثر احتمالاً هو أن الولايات المتحدة سقطت هذا الأسبوع في شرك إيراني محكم، يمكنه أن يضع علامات استفهام على استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

هذه الأحداث هي نتيجة متأخرة لعدد من الأحداث التي بدأت بقرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي. فالعقوبات الشديدة المفروضة على إيران شلت الاقتصاد فيها، وحثت القيادة على المصادقة لحرس الثورة باتخاذ خطوات واسعة من الاستفزازات العسكرية ضد الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج الفارسي.

هدف إيران الرئيسي، حسب تقديرات أجهزة الاستخبارات الغربية، هو دفع واشنطن لرفع العقوبات والعودة إلى المفاوضات حول الموضوع النووي.

ولكن هذا لم يساعد، ففي هذه الأثناء تفاقمت مشاكل إيران نفسها إزاء موجة مظاهرات واسعة تحدت حكومتين تقعان تحت نفوذها في لبنان والعراق. ففي العراق قتل أكثر من 400 متظاهر بنار الأجهزة الأمنية والمليشيات الشيعية. وفي لبنان لم تسجل أحداث عنيفة، لكن سمعت هتافات صريحة ضد تآمر إيران والنفوذ الكبير لحزب الله. في تشرين الثاني انزلقت الاضطرابات إلى إيران نفسها وقتل أكثر من 300 متظاهر. أما تقرير “رويترز” عن قتل نحو 500 متظاهر في إيران فمشكوك فيه كما يبدو.

ومجال مناورة ترامب تقلص، فالرئيس لا يريد التورط بحرب إقليمية في الشرق الأوسط، وبالتأكيد ليس في سنة انتخابات، لكن في الوقت نفسه لن يسمح بأن يظهر ضعيفاً إزاء استفزازات إيران. وطالما تتركز الهجمات على السعودية والإمارات، فإن ترامب ضبط نفسه واحتفى بتهديدات عامة. ولكن في الأشهر الأخيرة سجلت عشرة أحداث قصف لصواريخ كاتيوشا وقذائف على قواعد عراقية فيها جنود ومتعهدون مدنيون أمريكيون في أرجاء العراق. وقفت خلف هذه الهجمات مليشيات شيعية تمولها إيران، وعلى رأسها تنظيم حزب الله العراقي. وفي القصف الـ 11 في الجمعة الماضي في مدينة كركوك قتل مواطن أمريكي. لا يستطيع ترامب هذه المرة الادعاء بأن البصق على وجهه هو مطر. في هجوم عقابي أمريكي على القواعد الخمسة للمليشيات الشيعية في العراق وسوريا قتل 25 شخصاً.

ما حدث بعد ذلك في محيط السفارة الأمريكية في بغداد لم يكن أمراً عفوياً، ولا صدفة. وحسب تقارير موثوقة، فقد كان هذا عرضاً متعمداً أداره الإيرانيون من خلف الكواليس. لم يكن المتظاهرون مواطنين غاضبين (أو أشخاصاً جاءوا للتعزية، كما ادعى نبأ غريب إلى درجة ما نشر في “نيويورك تايمز” أمس)، بل هم أعضاء في المليشيات الشيعية. قوات الأمن العراقية التي كان عليها حماية السفارة كجزء من شبكة حماية خارجية، مكنت المتظاهرين، الثلاثاء من اقتحام المنشأة، وإن انفضاض المتظاهرين أول أمس كان نتيجة توجيه من أعلى.

الأمر توقف، ولكنه لم ينته تماماً. القصف الأمريكي والمواجهة العنيفة على سور السفارة يذكر بما حدث في مرة سابقة. وهو يخدم هدفاً إيرانياً. لقد عادوا وأشعلوا الخلافات الداخلية في العراق حول استمرار وجود 5 آلاف جندي أمريكي في الدولة (قبل التعزيزات). يمكن للأحداث الأخيرة أن تعيد للنقاش من جديد في البرلمان طلب طرد الجنود الأمريكيين. وهي مبادرة طُرحت الصيف الماضي على خلفية الادعاء بأن الولايات المتحدة كانت متورطة بالهجمات التي نسبت إلى إسرائيل ضد المليشيات في العراق. هذا هدف إيراني مهم، حتى لو كان هدفاً ثانوياً لتخفيف ضغط العقوبات. اعتادت طهران في السنوات الأخيرة على رؤية ساحة العراق الخلفية. ومغادرة الأمريكيين ستسهل عليها، وإن لم يمنع ذلك استمرار المتظاهرات ضد الحكومة العراقية.

في هذه الأثناء لا توجد أي دلائل على أن المواجهة في السفارة، التي سارع ترامب إلى تتويجها كانتصار حاسم لسياسته، ستجعل الأمريكيين يفحصون مجدداً اتباع سياسة عدائية أكثر تجاه إيران. الإيرانيون بواسطة المليشيات يمكنهم الآن توسيع هجماتهم ضد القوات الأمريكية في العراق. والولايات المتحدة تقوم الآن برسم حدود ساحة اللعب في العراق وهي تفضل التركيز على المبعوثين وليس على من أرسلهم: هجمات هذا الأسبوع أصابت المليشيات الشيعية وليس حرس الثورة. وحسب تقارير لوسائل الإعلام الأمريكية، فإن قائد قوة القدس في حرس الثورة، قاسم سليماني، كان موجوداً في مرمى التصويب لإسرائيل والولايات المتحدة منذ أكثر من عقد. وحسب هذه التقارير، في عملية اغتيال أحد قادة حزب الله، عماد مغنية، الذي قتل في دمشق في شباط 2008، أرادت إسرائيل تصفية سليماني أيضاً الذي كان في الجوار. الأمريكيون فرضوا الفيتو. ولكن إزاء الأضرار التي تسبب بها سليماني في الـ 12 سنة الماضية، ربما كان هذا القرار خاطئاً.

في محاضرة بالمركز متعدد المجالات في هرتسليا، الأسبوع الماضي، أشار رئيس الأركان افيف كوخافي إلى نشاطات لإسرائيل قائمة ومستقبلية ضد الإيرانيين ومبعوثيهم في العراق. ولكن التصعيد الذي حدث في العراق منذ ذلك الحين يلزم إسرائيل باتباع سياسة الحذر. ورغم إغراء استغلال الفرصة وضرب مصالح إيران، يبدو أن هذا هو السيناريو الذي يفضل فيه بالنسبة لها أن لا تضع نفسها في مركز لوحة الأهداف.

العوائق أُزيلت

لقد خصص الكابنت جلستين للساحة الفلسطينية، مع التركيز على سبل التسوية في قطاع غزة وعلى التداعيات المحتملة لفتح تحقيق ضد إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. ولم يتم نشر أي قرارات، لكن التوجه في القطاع بقي واضحاً، كما رسمه كوخافي أيضاً في الخطاب الذي ألقاه في ذكرى رئيس الأركان امنون لبكين شاحك. إسرائيل ذاهبة إلى تسوية طويلة المدى مع حماس، حتى لو قرر شخص ما بأن مفهوم “التهدئة” سيقرأه الجمهور بأنه انهزامياً بدرجة ما. التسهيلات أمام غزة في مجال الحركة والاقتصاد ستنفذ بالتدريج وبضجة أقل في الإعلام بقدر المستطاع بسبب تخوفات رئيس الحكومة نتنياهو من الضرر السياسي.

للاعتبار نفسه، سارع وزير الدفاع نفتالي بينيت إلى أن يرفق نقاش الكابنت هذا الأسبوع بإعلان عن خطوة أخرى ضد السلطة الفلسطينية، خصم نحو 150 مليون شيكل من أموال الضرائب كعقاب على استمرار دعم السلطة للسجناء الفلسطينيين الأمنيين المسجونين في إسرائيل. السلطة ستنجح كما يبدو في تجاوز هذه الخطوة التي ستستمر في السنة المقبلة. ولكن إسرائيل على المدى الأبعد ستخلّد مشكلة هنا؛ إذ تشير إلى الفلسطينيين بأن طريق حماس التي صممت على محاربتها عسكرياً مجدية أكثر، وستستمر مقابل ذلك بضرب السلطة، التي ما زالت على الأقل رسمياً تعلن عن تأييدها للتسوية بطرق سلمية. الصورة الموضوعة فيها الرواية الإسرائيلية هي أمر مخطط وبعيدة عن أن تكون صدفة. ربما هذا أيضاً هو خلفية القرار المعروف، سواء للجيش الإسرائيلي أو المستوى السياسي، بتعظيم دور وأهمية بهاء أبو العطا، رجل الجهاد الإسلامي الذي اغتالته إسرائيل في تشرين الماضي. في نهاية الجولة، بدأ الجيش الإسرائيلي بالضغط على المستوى السياسي للتقدم نحو التسوية بذريعة أن موت رجل الجهاد أزال العائق الرئيسي من الطريق.

فعلياً ما تزال هناك عقبات أخرى، بدءاً من خوف إسرائيل من الالتزام ومروراً بامتناع حماس عن تطبيق متشدد لوقف إطلاق النار، وانتهاء بإطلاق صواريخ أخرى من قبل الجهاد. فإذا كان الأمر هكذا، لماذا حرصت جهات إسرائيلية رفيعة على وصف أبو العطا على أنه دمْج محلي بين “تشي جيفارا” و”هو شي منه”؟ وإذا كانوا يظهرون الإنجاز العسكري للمس بإرهابي فمن السهل أن يبرروا خيار التسوية التي تكتنفها التنازلات من موقف قوة.

من بين التطورات الكثيرة التي تطرق لها كوخافي في خطابه، تم شطب نقطة مهمة من التغطية الإعلامية: حتى منتصف 2020، قال رئيس الأركان، سيتم استكمال بناء الجدار ضد الأنفاق في القطاع. هذا بالفعل سيحدث بتأخير بضعة أشهر مقارنة مع الجدول الزمني المخطط. ولكن إسرائيل تستكمل بذلك، كما نأمل، صد أحد الاحتمالات العملياتية الخطيرة التي كانت لدى التنظيمات الفلسطينية في القطاع. في نهاية عملية الجرف الصامد في 2014، تم تشخيص تهديد الأنفاق بصورة متأخرة كتهديد رئيسي يقتضي معالجة جذرية. الجدار العائق حول القطاع بني بتكلفة إجمالية تبلغ 3 مليارات شيكل. وفي كانون الأول 2018 بدأت الجيش الإسرائيلي بعملية متسرعة لهدم 6 أنفاق حفرها حزب الله تحت الحدود اللبنانية. ولكن تهديد الأنفاق هذا لن يختفي تماماً من حياتنا، لكن في هاتين الحالتين قلص فرص العدو.

هل اختفى “داعش”؟

في كل سنة يصدر معهد بحوث الأمن القومي تقريراً يلخص عدد العمليات الانتحارية التي حدثت في العالم في السنة الماضية. في تقرير العام 2019 الذي وصلت نتائجه للصحيفة هذا الأسبوع، فإن العمليات الانتحارية تراجعة بصورة واضحة في أعقاب هزيمة “داعش” العسكرية.

كاتبو التقرير يورام شفايتسر وافيعاد مندلباوم ودانا ايالون، قالوا إن العمليات الانتحارية بقيت أحد أنماط العمل الأكثر فعالية حتى في العام 2019، رغم الانخفاض الحاد الذي سجل في عددها – بنسبة 49 في المئة – فإن استمراراً لمنحى انخفاض معتدل أكثر تم تشخيصه في السنوات السابقة. في السنة الماضية نفذت 149 عملية انتحارية في 49 دولة في أرجاء العالم. في هذه العمليات شارك 234 انتحارياً، من بينهم 22 امرأة. في هذه العمليات قتل حوالي 1855 شخصاً وأصيب حوالي 3660. في العام 2018 في المقابل، تم تنفيذ 293 عملية انتحارية قتل فيها 2840.

الساحة الأكثر فعالية، للمرة الثانية على التوالي، هي وسط وشرق آسيا التي نفذ فيها في السنة الماضية 68 عملية انتحارية (45.5 في المئة من العمليات الانتحارية في العالم)، معظم هذه العمليات كان في أفغانستان. وعمليات أخرى نفذت في الباكستان وسريلانكا وأندونيسيا والفلبين. في الشرق الأوسط نفذ في السنة الماضية 47 عملية (31.5 في المئة)، أكثر من نصفها في سوريا. وفي العراق حدث انخفاض كبير مقارنة مع العام 2018. وفي إفريقيا نفذ في السنة الماضية حوالي 33 عملية (22 في المئة)، وعلى رأس هذه الدول الصومال ونيجيريا ومالي. عملية منعزلة ونادرة نفذتها في أمريكا اللاتينية وكولومبيا منظمة “جيش التحرير الوطني” وقتل فيها 21 شخصاً. كاتبو التقرير قالوا إن “هزيمة داعش العسكرية والتدريجية تسارعت في السنتين الأخيرتين وأنهت سيطرته على مناطق واسعة في العراق وسوريا إلى أن فقد حتى آذار 2019 معقله الأخير في شرق سوريا رغم الانخفاض الحاد الذي سجل في عدد العمليات الانتحارية التي نفذها داعش، 60 في المئة، أيضاً في هذه السنة بقي الجهة الرائدة. “داعش” وشركاؤه كانوا مسؤولين عن 69 عملية انتحارية، قتل فيها 850 شخصاً”. والتنظيم السني الجهادي المنافس، القاعدة وفروعها، نسبت إليه في السنة الأخيرة 52 عملية انتحارية. هوية المنفذين لـ 17 عملية أخرى في العالم غير معروفة، لكن معظمها نفذ على أيدي “داعش” و”القاعدة” أو على أيدي تنظيمات متأثرة بهما. هكذا حوالي 97 في المئة من العمليات الانتحارية في 2019 نفذت على أيدي هذه التنظيمات.

شفايتسر ومندلباوم وأيالون كتبوا بأنه “رغم الانخفاض الحاد في العدد، إلا أن العمليات الانتحارية لا تزال تشكل نموذج عمل فعالاً تستخدمه التنظيمات الإرهابية. في العام 2019 استخدمته 21 منظمة مختلفة. في السنة الماضية قتل في العمليات الانتحارية بالمتوسط حوالي 12 في كل عملية. ولكن في 12 عملية تقريباً، كان عدد القتلى أعلى بكثير. ومثال على ذلك العمليات الانتحارية التي تزامنت في سريلانكا في 21 نيسان التي قتل فيها حوالي 253.

وحسب قول كاتبي التقرير، “من بين العوامل الرئيسية لانخفاض عدد العمليات الانتحارية في 2019 الانسحاب المستمر لداعش وهزيمته العسكرية في السنتين الأخيرتين. هذا التراجع تسبب بفقدان مطلق للسيطرة الجغرافية، وكذلك تآكل كبير في المداخيل والقوة البشرية، في ظل غياب مجندين جدد”. وهم يقدرون بأن تصفية زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي على يد الأمريكيين، أجبرت داعش على اجتياز فترة من إعادة التنظيم في الشرق الأوسط من خلال بذل الجهود لتعزيز علاقاته مع شركاء في أرجاء العالم.

الثلاثة كتبوا بأن “داعش وحلفاءه، والقاعدة وحلفاءها، يرون في العمليات الانتحارية رمزاً دينياً وقيمياً وأخلاقياً مشتركاً، يثبت تمسكهم بطريق الله. لذلك، لا يتوقع أن يتوقفوا عن استخدام العمليات الانتحارية كوسيلة رئيسية في حربهم ضد أعدائهم. سيتأثر حجم نشاطاتهم في المستقبل بشكل كبير بوتيرة نهوضهم، وبالظروف التنظيمية الداخلية والوضع في الدول التي يعملون فيها. “داعش” الذي بقي يعمل في سوريا والعراق يثبت الآن قدرة على الصمود وعلى تنفيذ العمليات الإرهابية والعصابية، رغم أن هذا يتم بأعداد أقل مما كان في السابق”.

كتاب التقرير يتوقعون أن العام 2020 سيسجل ارتفاعاً جديداً في عدد العمليات الانتحارية، لا سيما التي سينفذها “داعش” وفروعه. وحسب أقوالهم: “الانخفاض الذي سجل في عدد العمليات الانتحارية في 2019 كاستمرار للتوجه العام الذي كان في سنوات سابقة، لا يدل بالضرورة على انخفاض جاذبية هذه الوسيلة بالنسبة للتنظيمات. وإعادة تنظيم المعسكر الجهادي العالمي يمكن أن تظهر في المستقبل بتعاظم استخدام العمليات الانتحارية”.

 

بقلم: عاموس هرئيل

هآرتس 3/1/2020



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي