لبنان.. بين نظام يناقش عودة الحريري وشارع يطالب بعزل النظام

2019-12-17 | منذ 1 سنة

مديرو الـ 12 فريقاً للدوري القطري لكرة القدم في لبنان أرسلوا إلى اتحاد كرة القدم، يحذرون من أن الظروف الاقتصادية الصعبة، وبالأساس القيود التي فرضتها البنوك على استخدام العملة الأجنبية، قد تمس بقدرة الفرق على توظيف لاعبين أجانب. تفسير الرسالة هو أن فرق كرة القدم لا يمكنها الحفاظ على مستواها المهني، وستفقد أفضل اللاعبين، وقد يهبط موسم كرة القدم إلى الهاوية إذا لم يتم إيجاد حل سريع.

من ناحية قانونية، يوضح المحتجون، أن كل عقد توظيف للاعب أجنبي يشمل بنداً يسمح للطرفين بإلغاء العقد “لأسباب خارجة عن السيطرة”، مثل: الحرب أو الإضراب أو العصيان المدني، وذلك من دون دفع التعويضات. ولكن هذا البند لا يعرض حلاً لأي شخص يعتمد فريقه على اللاعبين الأجانب بشكل مطلق. ومن دون مباريات جذابة، فإن المداخيل ستنخفض، ناهيك عن مستوى فرق الدوري القطري. المشكلة هي أن لا أحد يمكنه القول متى ستنتهي “الظروف غير العادية” في لبنان، التي تعتبر خارجة عن السيطرة.

الـ 128 عضواً في البرلمان اللبناني كان عليهم الاجتماع أمس في قصر الرئاسة في بعبدا لمناقشة انتخاب رئيس جديد للحكومة. كان الجميع مستعداً للخروج من أجل الالتقاء مع الرئيس ميشيل عون، لكن وبناء على طلب من رئيس الحكومة السابق، سعد الحريري، تم تأجيل اللقاء إلى الخميس المقبل. وفي الوقت نفسه، يواصل المتظاهرون التجمع في الميادين الرئيسية في بيروت والتصادم مع قوات الأمن، حيث يتصادمون على الأغلب مع مؤيدي حزب الله وحركة أمل الذين يعارضون الاحتجاج ضد الحكومة. طلبات المحتجين تتلخص في طلب رئيسي واحد وهو “عزل الحكومة وتغيير طريقة الحكم”. وهو الشعار نفسه الذي سمع في شوارع بغداد، التي لم ينجح فيها بعد رؤساء الأحزاب في الاتفاق على هوية من سيحل محل رئيس الحكومة المستقيل، عادل عبد المهدي.

طريقة هاتين الدولتين متشابهة؛ ففي العراق قام الاحتلال الأمريكي بإملاء طريقة توزيع الحقائب الوزارية والوظائف المهمة بين الطوائف الكبيرة – الشيعة والسنة والأكراد والأقليات، وفي لبنان هناك اتفاق الطائف الذي وقع في 1989، وهذا الاتفاق حدد البنية السياسية التي تعطي لكل طائفة عدداً معيناً من الأعضاء في البرلمان. وتم توزيع المناصب الكبيرة بين الرئيس المسيحي ورئيس الحكومة السني ورئيس البرلمان الشيعي وقائد الجيش الدرزي. وإضافة إلى ذلك، لكل طائفة عدد متفق عليه من الوزراء في الحكومة.

اتفاق الطائف، الذي أنهى الـ 15 سنة من الحرب الأهلية، كان إنجازاً سياسياً ومدنياً استثنائياً. وفي أعقابه تم تأسيس جيش وطني غير قائم، رسمياً، على تقسيم طائفي، يكون القادة الشيعة بموجبه مسؤولين عن وحدات شيعية، وجنود من السنة يخدمون فقط في الوحدات السنية. تقسيم المقاعد في البرلمان خلق وضعاً لا تستطيع فيه أي طائفة أن تشكل وحدها حكومة دون التحالف مع الطوائف الأخرى. ينص الاتفاق مثلاً على أنه من بين الـ 128 عضواً في البرلمان، 54 عضواً مسلمين: 27 سنة و27 شيعة، و54 يكونون مسيحيين بتقسيم مفصل حسب التيارات، أما المقاعد المتبقية فتوزع بين الدروز والطوائف الأخرى. النتيجة هي أن الشيعة الذين يعتبرون أغلبية في الدولة لا يمكنهم تشكيل حكومة دون التحالف مع السنة، والعكس صحيح. هذا التقسيم استهدف إنهاء السياسة الطائفية التي أشعلت الحرب الأهلية، وأدت إلى إقامة نظام متزن يستطيع إدارة الدولة بواسطة شراكة طائفية.

  عندما استقال الحريري في نهاية تشرين الأول أبقى لنفسه مدخلاً للعودة إلى السلطة حين قال إنه سيوافق على العودة إلى منصب رئيس الحكومة إذا شكلها خبراء واستندت إلى التقسيم الطائفي

ولكن بعد مرور 30 سنة على توقيع الاتفاق تبين أن التوازن السياسي خلق جموداً سياسياً واقتصادياً، وبنى نخباً سياسية، قوية وأثرى الزعماء السياسيين للطوائف الكبيرة، وشكل الأساس للفساد العميق الذي يجر الحكومة ومؤسسات الدولة إلى هاوية اقتصادية. كل طائفة وزعيم وقف بالمرصاد للتأكد من أن طائفة أخرى لن تحصل على مناقصات أكثر أو ميزانيات أكبر. وحرصت الشركات الحكومية على توزيع الوظائف حسب الطوائف. وبالنسبة لخريجي الجامعات فإن العلامة العالية شرط ضروري، لكنه غير كاف من أجل الحصول على وظيفة في الحكومة. إضافة إلى العلامات، يضطر الخريجون إلى الحصول على “رعاية الطائفة أو الحزب”، أو ببساطة الانتماء إلى الطائفة “الصحيحة”.

حرص الجيش على توازن طائفي بين جنوده، ولكنه أبعد من صفوفه أبناء طوائف أرادوا الخدمة فيه واصطدموا بالحاجز الديمغرافي العسكري. ثمة مناقصات فُسرت بشكل خاص لمقاولين مقربين حصلوا على ملايين الدولارات، لكنهم لم ينفذوا الأعمال المطلوبة منهم، ثم اتخذت قرارات في الحكومة. حسب الدستور، تحتاج القرارات الأساسية، مثل المصادقة على الميزانية وتقرير السياسة الخارجية والمصادقة على المشاريع الوطنية، إلى مصادقة ثلثي الـ 30 وزيراً في الحكومة. ويكفي أن تحصل كتلة واحدة على 11 وزيراً من أجل منع اتخاذ أي قرار. هنا تكمن قوة حزب الله السياسية، رغم أن لحزب الله ثلاثة وزراء فقط في الحكومة، إلا أن الكتلة التي تدعمه تشمل 18 وزيراً، من ضمنهم وزير سني من قائمة الوزراء التي يستطيع الرئيس تعيينها. بذلك، ضمن حزب الله لنفسه السيطرة على جميع قرارات الحكومة – وهو لا ينوي التنازل عن هذه القوة الكبيرة.

عندما استقال الحريري في نهاية تشرين الأول أبقى لنفسه مدخلاً للعودة إلى السلطة، حين قال إنه سيوافق على العودة إلى منصب رئيس الحكومة إذا شكلها خبراء واستندت إلى التقسيم الطائفي. وفي الأسبوع الماضي برز اسم الحريري مرة أخرى كأحد الذين يمكن أن يترأسوا الحكومة الجديدة. ولكن حسن نصر الله سارع وأعلن بأن هذه الحكومة ستكون ملزمة بأن تمثل جميع القطاعات في لبنان. أي أن حكومة خبراء تنزع منه قوته السياسية، ستأتي فقط على جثته.

شارع بيروت غير مستعد للسماع عن عودة الحريري إلى منصب رئيس الحكومة. وإن حكومة هو غائب عنها، يمكن أن تهدئ الاحتجاج. لحركات الاحتجاج متحدثون، ولا يوجد زعماء يملون على الرئيس ميشيل عون كيفية التصرف. عون نفسه له مصالح سياسية واقتصادية في الحفاظ على المبنى القائم الذي يمنحه ويمنح حزبه “التيار الوطني الحر”، شريك حزب الله، القوة السياسية الكبيرة.

الحل الذي يتناقش فيه الآن أصحاب النفوذ في لبنان هو تعيين الحريري رئيساً للحكومة وتعيين وزراء خبراء، لكن مع الحفاظ على التقسيم الطائفي، خلافاً لرغبة الحريري، أي: وزير مالية أو وزير صحة بخلفية مهنية، لكن لهما أيضاً هوية سياسية واضحة. وفي حالة البدء في تطبيق هذا الحل، إذا حدث ذلك، يتوقع أن يشمل مفاوضات طويلة ومتعبة قد تستمر لأسابيع، بل لأشهر طويلة. بعد الانتخابات الأخيرة في 2018 استغرق الأمر ثمانية أشهر إلى حين توصل الأطراف إلى اتفاق وشكلوا الحكومة الحالية. والسؤال هو: إلى أي درجة سيكون الجمهور مستعداً لانتظار نتائج المفاوضات السياسية والامتناع عن مواجهات عنيفة يمكن أن تتطور إلى حرب شوارع، إذا لم يكن أسوأ من ذلك؟

 

بقلم: تسفي برئيل

هآرتس 17/12/2019



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي