حزب الله يضع إسرائيل أمام جبهة تحد أكبر من الماضي

2019-12-06 | منذ 11 شهر

التغيير الأساسي الذي بدأ السنة الماضية على الحدود بين إسرائيل ولبنان مرتبط بالاستعداد العسكري الجديد لحزب الله. بعد نحو خمس سنوات كانت فيها جهود المنظمة ومعظم رجال وحدات النخبة لديه منشغلين بالحرب الأهلية في سوريا، فإن المقاتلين عادوا إلى الوطن، إلى جنوب لبنان. “رجال الرضوان”، قوة الكوماندو المدربة في حزب الله أخذوا إعفاء من حرب البقاء لنظام الأسد وعادوا إلى مواقعهم الأصلية في لبنان، قرب خط المواجهة. عدد من الوحدات تنتشر قرب الحدود مع إسرائيل ولها أيضاً حضور في جنوب نهر الليطاني خلافًا لقواعد وقف إطلاق النار التي نص عليها قرار مجلس الأمن رقم 1701 الصادر نهاية حرب لبنان الثانية في 2006.

بالنظر إلى الأراضي اللبنانية من الجانب الإسرائيلي على الحدود يمكن مشاهدة مواقع مراقبة نشرها حزب الله تحت غطاء منظمة للدفاع عن البيئة “خضرة بدون حدود” قبل سنتين تقريباً. نشاطات حزب الله على الحدود تتم بملابس مدنية ودون سلاح مكشوف، بتنسيق مع الجيش اللبناني. ولكن الاستخبارات الإسرائيلية تجمع إثباتات موثقة لهذه النشاطات في إطار الخلافات المستمرة مع لبنان حول خرق قرار الأمم المتحدة.

لا يجد الجيش صعوبة في تشخيص النشطاء الذين هم من “الرضوان” ومن هم من الدفاع الجوي لحزب الله، التي نشرت في الجنوب على مدى سنوات. نشطاء الكوماندو يتحركون بصورة مختلفة وهم مسلحون ويختلفون في الشكل عن النشطاء المحليين.

سنوات قتال حزب الله في سوريا مع مقاتلي حرس الثورة الإيراني وضباط في الجيش السوري منحت المنظمة وقادتها تجربة حاسمة ومعرفة مهنية في مجالات لم تكن لديها خبرة في السابق فيها. رغم أن هذا الأمر كان مقروناً بخسائر كبيرة جداً (تقدرها إسرائيل بنحو 2000 قتيل و8 آلاف مصاب). ولكن العودة إلى الجنوب توفر لحزب الله أفضلية أخرى، وهي أن تقريب وحدات النخبة فيه من الحدود يقصر الوقت المطلوب له إذا قرر تنفيذ هجوم مفاجئ لإسرائيل، بروح الضربة الخاطفة التي تم الحديث عنها في السنوات الأخيرة، وسيطرة مفاجئة على المستوطنات أو مواقع للجيش الإسرائيلي على طول الحدود. وتدرك قيادة الاأكان وقيادة المنطقة الشمالية هذا الخطر، وقد أجريت عدة تغييرات في الاستعداد الدفاعي والاستخباري في الجيش من أجل استباق الأمور.

 

بين الخطاب والنية

وصل التوتر على الحدود إلى الذروة في سلسلة الأحداث نهاية آب: ثلاث هجمات نسبت إلى إسرائيل التي تحملت المسؤولية عن واحدة منها، ضد مقاتلين إيرانيين ومنظمات شيعية متماهية معهم في العراق وسوريا قرب الحدود في هضبة الجولان وبيروت. حزب الله رد بكمين المضاد للدبابات قرب مستوطنة افيفيم في الأول من أيلول، الذي أطلق فيه ثلاثة صواريخ أخطأت سيارة الإسعاف العسكرية.

بعد هذه الهجمات هدد رئيس حزب الله حسن نصر الله بتغيير ميزان الردع في لبنان بواسطة حرب ضد الطائرات الإسرائيلية بدون طيار التي كانت حسب التقارير مشاركة في كل الهجمات. وفي نهاية تشرين الأول أطلق حزب الله للمرة الأولى منذ سنوات صاروخاً مضاداً للطائرات على طائرة إسرائيلية دون طيار كانت تحلق في سماء لبنان. الصاروخ أخطأ الهدف.

إطلاق الصاروخ هو جزء من حوار متنوع لتبادل الرسائل التي يتبادلها الطرفان المتخاصمان. رغم خطاب نصر الله الهجومي فإن الاستخبارات الإسرائيلية تقدر بأنه لا مصلحه له الآن في حرب، وأن تجربة حرب العام 2006 ما زالت تردعه عن القيام بمبادرات كهذه طالما تعلق الأمر به، ولكن ليس كل شيء مرتبط به؛ فثمة توتر مستمر على الحدود مندمج مع عدم الاستقرار الإقليمي، وثمة قيادة إيرانية تحت ضغط شديد يستخدم عليها وعلى حلفائها، وثمة اضطرابات دموية في العراق واحتجاج جماهيري يرفض الخبو في لبنان واحتجاج الوقود في إيران نفسها الذي تم قمعه بصورة وحشية قبل أسبوعين، لكن ما زال هناك احتمال بأن يندلع من جديد. في هذه الظروف، ومع الأخذ بالحسبان الوتيرة المتزايدة للتغييرات، فليس من الغريب أن تكون الاستخبارات العسكرية في إسرائيل قد حدثت التقديرات الاستخبارية وأصبحت تعتقد بأن احتمال اندلاع حرب زاد في السنة الأخيرة.

يلاحظ الجيش الإسرائيلي وجود رغبة لدى حزب الله وإيران في وضع تحد أمام إسرائيل على شكل حادثة معينة ليس من شأنها أن تنتهي بحرب. ولكن إسرائيل تعتبر ذلك مثل اللعب بالنار، لأن أي حادثة كهذه تزيد إمكانية الخطأ. الخوف من خطأ في الحسابات يتعلق هنا بقراءة غير صحيحة لـ “شفا الحرب” لدى العدو: حزب الله قد يبادر إلى استفزاز هو بالنسبة له لا يبرر بدء معركة. ولكن إسرائيل ستفكر بشكل مختلف وسترد بشدة، بصورة ستقرب الطرفين من الحرب.

في الخلفية يواصل مصدر آخر للخطر التأثير: “مشروع زيادة دقة الصواريخ” لحزب الله، وجهاز الأمن الإسرائيلي يزعم أنه نجح حتى الآن في إحباط معظم خطوات إيران من أجل تحسين قدرة الدقة للصواريخ والقذائف التي لدى حزب الله. هذا الأمر تم بواسطة مهاجمة قوافل تهريب السلاح في سوريا، إضافة إلى استخدام ضغط علني أدى إلى إخلاء مواقع إنتاج وتحويل للصواريخ بواسطة “أجهزة زيادة الدقة”، بعد فترة قصيرة من إقامتها في لبنان. ولكن إيران لم تتنازل عن جهودها في هذا المجال، وهكذا آجلاً أم عاجلا ًيتوقع حدوث مواجهة مع إسرائيل بشأن إقامة خطوط إنتاج في لبنان.

في الوقت نفسه، تثور أسئلة بشأن درجة فعالية المعركة بين حربين التي أدارها الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

في الساحة الشمالية خصص جزء بارز منها لمحاربة تهريب السلاح. ولكن حرية نشاطات إسرائيل في الشمال تقلصت بدرجة ما لأنه بالتوازي مع خمود نار الحرب الأهلية في سوريا ثمة احتكاك متزايد يتطور مع مصالح الدول الأخرى: روسيا قلقة من الخطر الذي تسببه هجمات إسرائيل على جنودها في سوريا، وإيران تحاول تأسيس “معادلة رد” جديدة، التي سترد فيها على أي هجوم، ونظام الدفاع الجوي السوري يصمم على الرد على أي قصف في أراضيه. وكما نشر في “هآرتس”، فإن وزير الدفاع نفتالي بينيت يعتقد العكس. فحسب رأيه، ثمة فرصة لإسرائيل كي تزيد الهجمات وتسعى بقوة لطرد أي وجود عسكري إيراني من سوريا.

 

صراع هويات

في جهاز الأمن الإسرائيلي يجري نقاش طويل حول مسألة أي من هويات حزب الله ستنتصر في نهاية الأمر: الوطنية – اللبنانية، أم الطائفية – الشيعية. إيران التي تمول حزب الله وتصدر له التعليمات تدرك التوتر بين هذين الجانبين للتنظيم، وربما لن تسارع إلى الضغط على حزب الله للتصادم مع إسرائيل إلا إذا كانت هناك حاجة ملحة لذلك.

مقارنة مع الوضع الذي ساد في لبنان عشية الحرب في 2006 فإن حزب الله يتولى جزءاً أكثر نشاطاً في الحكم وتأثيره على الحكومة في لبنان وعلى الجيش أكبر مما كان في السابق. لبنان يمتنع بصورة مستمرة عن إجراء إحصاء سكاني (الذي يتم –بحسبه- توزيع القوة السياسية في الدولة)، لكن تقديرات مختلفة تتحدث عن ارتفاع نسبة السكان الشيعية إلى 40 في المئة، وعن أن أكثر من نصف الضباط في الجيش اللبناني هم من الشيعة.

يلاحظ الجيش الإسرائيلي وجود تعاون متزايد بين حزب الله والجيش اللبناني، لا سيما في نشاطات جنوب الدولة. مثلاً، بحماية دوريات الجيش يصل رجال حزب الله قرب الحدود مع إسرائيل. ولكن كما هو معروف فإن حزب الله لا يشرك الجيش اللبناني في خططه العملية في المواجهة مع الجيش الإسرائيلي. في حالة اندلاع حرب فإن التقدير في إسرائيل هو أن الجيش اللبناني سيترك جزءاً من مقراته القيادية في الجنوب ويخليها لحزب الله. في هذا الوقت، تستمر الولايات المتحدة وفرنسا في تزويد الجيش اللبناني بالسلاح المتقدم والأنظمة الاستخبارية، حسب اتفاقات تم عقدها في السابق. إسرائيل عبرت في عدة مناسبات عن التحفظ من نقل وسائل قتالية متقدمة من إنتاج الغرب لهذا الجيش بسبب علاقته مع حزب الله.

إضافة إلى التوتر توجد محاولة، بمساعدة الأمم المتحدة، لحل بعض الخلافات على طول الحدود. وهناك بين إسرائيل ولبنان خلاف على مواقع الحدود في 13 نقطة. بالنسبة لنقطتين من هذه النقاط تم التوصل إلى اتفاق في السنة الماضية. وعدد من نقاط الخلاف يغطي مناطق على طول الحدود تريد إسرائيل فيها تحسين العائق الطبيعي، ومن اللحظة التي سيتوصلون فيها إلى اتفاق، سيكون بالإمكان التقدم في البناء هناك.

ثمة عامل كابح آخر للمواجهة مرتبط بخوف حزب الله من ضرر كبير للقرى الشيعية في جنوب لبنان. في الحدث الصعب الأخير على طول الحدود، وإطلاق الصواريخ المضادة للدبابات على افيفيم في أيلول، كان يمكن التمييز من الجانب الإسرائيلي قوافل مدنية وهي تهرب بالسيارات من بنت جبيل فور الإطلاق خوفاً من الرد الإسرائيلي.

تعد بنت جبيل رمزاً بالنسبة لحزب الله: في أيار 2000، بعد يومين على انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، ألقى نصر الله هناك خطاب “خيوط العنكبوت”، الذي شبه فيه الانسحاب بالانتصار على إسرائيل. بعد ست سنوات، أرادت إسرائيل بالحرب إصلاح الانطباع التاريخي هذا بواسطة احتلال بنت جبيل، في المعركة الثانية في البلدة بواسطة الفكرة المدحوضة لرفع علم فوق قيادة جيش لبنان الجنوبي السابق التي ألقى فيها نصر الله خطابه. المعركتان كلفتا الجيش الإسرائيلي خسائر وتركتا خلفهما صدمة غير بسيطة. والهرب المذكور للمدنيين اللبنانيين، معظمهم من الشيعة، يدل على أن الندب ما زالت ظاهرة ولم يتم نسيانها أيضاً لدى الطرف الثاني.

 

بقلم: عاموس هرئيل وينيف كوفوفيتش

هآرتس 6/12/2019



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي