بالأمس مظاهرات للمثقفين، واليوم احتجاجات الفقراء..

لماذا يجب أن تقلق السلطات الإيرانية مما سيحدث المرة القادمة؟

2019-11-25

المظاهرات اندلعت في إيران بسبب رفع أسعار الوقود/رويترزبعد مرور خمسة أيام من الاحتجاجات العنيفة في 100 مدينة إيرانية، وفى ظل التعتيم الإخباري، وحجب خدمة الإنترنت في إيران بالكامل، أعلن مرشد النظام الإيراني الانتصار على مظاهرات الشعب الإيراني.

فقد خرج المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، ليعلن ما سماه «النصر» على الاحتجاجات التي خرجت تلقائياً بعد أن أعلنت الحكومة الإيرانية، في منتصف ليلة 15 نوفمبر/تشرين الثاني، الخطة الجديدة لتقليل الدعم عن الوقود، وزيادة أسعار البنزين إلى ثلاثة أضعاف.

«انتصرنا على الفتنة»

حتى يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني، كانت خدمة الإنترنت ما زالت محجوبة عن إيران، ولا نعلم ما مدى تدفق أو انحسار المظاهرات.

لكن في اليوم نفسه، أعلن آية الله علي خامنئي أنه تم القضاء على المظاهرات بالكامل، قائلاً: «دع جميع الأصدقاء والأعداء يعرفون أننا قمنا بالقضاء على العدو، في الحرب الأمنية الأخيرة». في إشارة منه إلى الاحتجاجات الأخيرة.

في اليوم التالي (20 نوفمبر/تشرين الثاني)، أكد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، «انتصار خامنئي»، واصفاً المتظاهرين بأنهم «جنود العدو»، ويعملون ضد الأمن القومي الإيراني.


هل عاد الإنترنت بالكامل؟

في يوم الخميس 21 نوفمبر/تشرين الثاني، ووفقاً لوكالات أنباء محلية، بدأت إيران الاتصال مرة أخرى بشبكة الإنترنت ولكن تدريجياً، وفقاً لشهود عيان داخل إيران تحدثوا مع «عربى بوست»، قالوا إن الإنترنت الثابت بدأ العودة إلى العمل في مدن كرمانشاه، ومشهد، وقم، وتبريز، وأجزاء من العاصمة الإيرانية طهران.

لكن بحسب شهود عيان، فإن خدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة ما زالت محجوبة.

يقول صحفي إيراني -رفض الكشف عن هويته؛ خوفاً من الملاحقة الأمنية- لـ»عربي بوست»: «هناك مئات من القتلى، وآلاف من المعتقلين، واقتحمت قوات الأمن حرم جامعة طهران واعتقلت مئات من الطلاب».

حرق المؤسسات أعطى ذريعة للحكومة لقمع المظاهرات

في الأيام الأولى من الاحتجاجات، تداول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي عديداً من المقاطع المصورة التي تفيد بإشعال المتظاهرين النيران في عدد من البنوك والمدارس الدينية، ومقرات حكومية.

وهو ما أعطى ذريعة للحكومة وقوات الأمن بوصف المتظاهرين بأنهم بلطجية ومثيري شغب، وقال المتحدث باسم إدارة روحاني، علي ربيعي، إن قوات الأمن عثرت على قنابل محلية الصنع بحوزة عدد من المتظاهرين.

خسائر مالية ضخمة

في الوقت نفسه، نشرت عديد من الصحف المحلية بإيران عديداً من التقارير حول الخسائر المالية التي تعرضت لها البلاد من جراء انقطاع خدمة الإنترنت.

فنشرت جريدة «اعتماد» اليومية المؤيدة للإصلاح تقريراً يفيد بأن تلك الخسائر تقدَّر بنحو 800 مليون دولار أمريكي.

تحدث علي كولاهي، عضو الغرفة التجارية بطهران،  شارحاً ما مدى تأثير حجب الإنترنت على الاقتصاد الإيراني.

يقول كولاهي: «هناك نحو 200 ألف شركة تجارية في إيران قد تضررت من حجب خدمة الإنترنت، فتلك الشركات التي تعمل في مجال الاستيراد والتصدير، أصبحت عاجزة عن متابعة الشحنات، ودفع الأموال اللازمة للبنوك الأوروبية».

وأضاف كولاهي أنه بجانب خسائر الشركات التجارية، هناك خسائر فادحة لكل الشركات الناشئة التي تعتمد على الإنترنت، فجميع شركات سيارات الأجرة، التي تستخدم تطبيقات وخرائط جوجل، توقفت عن العمل بالكامل.

واعترفت السلطات الإيرانية بحجم الخسائر المادية المتسبب فيه قطع الإنترنت، إذ قال أبو الحسن فيروزآبادي، أمين المجلس الأعلى للقضاء اﻹلكتروني: «إن الوصول المحدود إلى شبكة الإنترنت عطَّل عديداً من الأعمال التجارية الدولية، والأعمال المصرفية والنقل وتسليم الشحنات».

الباسيج: إنهاء المظاهرات كان معجزة

بعد ساعات قليلة من إعلان الزيادة الجديدة في أسعار البنزين، خرج مئات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع للاحتجاج، وسرعان ما امتدت المظاهرات لتشمل نحو 100 مدينة إيرانية، في المقابل قوبلت تلك المظاهرات بعنف شديد من قِبل جميع طبقات القوات الأمنية في إيران.

تدخلت قوات الباسيج (قوات مدنية شبه عسكرية، مهمتها الأساسية قمع المظاهرات)، لقمع المظاهرات، وهو ما جعل المتظاهرين يلجأون إلى إشعال النار فى عدد قليل من مقرات الباسيج.


وبعد أيام من التظاهر والقمع، خرج أحد قادة قوات الباسيج، الجنرال سالار أبنوش، يوم الخميس 22 نوفمبر/تشرين الثاني، ليعلن أن الاحتجاجات الأخيرة كانت تمثل حرباً شاملة، ضد الجمهورية الإسلامية.

وصف الجنرال سالار أبنوش المتظاهرين، خاصة من أشعلوا النار في المقرات الحكومية، بأنهم مجموعة من العملاء التابعين للولايات المتحدة، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية.

وأضاف قائلاً: «إنهم مجموعة من المجرمين، كانوا ينتظرون شرارة واحدة لتدمير البلاد، وكان القضاء عليهم معجزة»، حسب تعبيره.

نوع جديد من الاحتجاجات هذه المرة!

شهدت إيران، منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، عديداً من الموجات الاحتجاجية، لكن بدءاً من عام 1999 إلى عام 2018، كانت المظاهرات تتسم بالفجوة الزمنية الكبيرة بين كل موجة والأخرى.

وكانت الاحتجاجات في تلك الفترات تسيطر عليها الطبقة الوسطى والأشخاص

الأكثر تعليماً، وكانت ترفع شعارات بمظالم سياسية أكثر من المظالم الاقتصادية، باستثناء الاحتجاجات في نهاية عام 2017، وبداية عام 2018، والتي رفعت شعارات اقتصادية صريحة، بجانب المطالبة بالقضاء على الفساد المالي والإداري في البلاد.

في الأعوام السابقة كانت الاحتجاجات أكثر تنظيماً من الأخيرة، وتتمتع بقيادة سياسية محسوبة على التيار الإصلاحي، لكن في أحداث 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، خرجت الطبقات الأكثر فقراً للاحتجاج.

كانت المظاهرات عفوية وبلا قيادة محددة، وانتشرت في البداية بالمدن الأكثر فقراً، ناقمين على التيارات السياسية كافة في إيران، مطالبين الحكومة بانتشالهم من تلك الأزمة الاقتصادية الطاحنة.

هل تشهد ايران ثورة جياع؟

عقب إعلان الحكومة الإيرانية زيادة أسعار البنزين، بررت الحكومة الأمر بأنه سيعود بالنفع على الطبقات الأكثر فقراً، وأنه سيمكِّن الحكومة من دفع الإعانات المادية لنحو 60 مليون إيراني.

لكن خرجت الاحتجاجات من المدن الفقيرة، ورفع المحتجون شعارات تقول إن زيادة أسعار البنزين ستزيدهم فقراً، لأنها ستؤثر في أسعار بقية السلع الغذائية والأساسية.


وصرح بعض المسؤولين الإيرانيين بأنه خلال تلك الاحتجاجات، نهب المتظاهرون نحو 100 من سلاسل المتاجر الكبرى، وتمت سرقة عديد من متاجر بيع الأجهزة المنزلية والإلكترونية في عديد من المدن.

يعيش أكثر من 3 ملايين عائلة إيرانية على الإعانات الحكومية، وثلثا السكان البالغ عددهم نحو 83 مليون نسمة، تحت خط الفقر، وهذا يفسر أن بداية الاحتجاجات جاءت من المدن الفقيرة مثل مشهد، وشيراز، وحتى الأحياء الفقيرة على أطراف العاصمة طهران، والتي يعيش سكانها داخل منازل مصنوعة من الصفيح.

يقول الصحفي الايراني : «في مظاهرات عامي 2009 و2017، لم نشهد البلاد مثل تلك الأعمال التخريبية، وهذا مفهوم لأنها احتجاجات خرجت بالأساس لمطالب سياسية، لكن في الاحتجاجات الأخيرة، طفح الكيل بفقراء إيران فأحرقوا كل ما يمثل السلطة، التي لا تشعر بمعاناتهم».

في الجمعة الماضية، أجمع أئمة صلاة الجمعة كافة على شيء واحد؛ ألا وهو انتقاد قرار زيادة أسعار البنزين ولكن على استحياء، فقال رجل الدين البارز والمتشدد أحمد خاتمي: «إن إدارة روحاني كان يجب عليها أن تمهد للشعب مثل هذا القرار، وإنها المسؤولة عن وصول الأمر إلى تلك الدرجة».

واعترف آية الله أحمد علم الله، وهو من كبار رجال الدين، بأن قرار الحكومة زيادة أسعار البنزين أدى إلى زيادة أسعار السلع الأخرى.

لكن في الوقت نفسه، طالب كبار رجال الدين بإيران الحكومة باستمرار حجب خدمة الإنترنت؛ ﻷنها تساعد المخربين والعملاء على إثارة الفتن في إيران، فوصف آية الله أحمد علم الله بعض المتظاهرين بأنهم عملاء للعدو.

وبسرعةٍ أدى رفع الوقود إلى زيادة أسعار الخبز والخضراوات
يقول رضا (35 عاماً)، المقيم بالعاصمة طهران، : «هناك نقص شديد في الخضراوات والفاكهة بطهران، وذلك نتيجة رفض التجار نقل البضائع من المَزارع بعد الزيادة الكبيرة في أسعار البنزين».

يروى رضا ، أن بعض المخابز باعت الخبز بحجم أصغر من المعتاد وبسعر أعلى، نتيجة الزيادة الأخيرة في أسعار البنزين.

ويتساءل رضا: «بلادنا تعد من أكبر البلدان التي تمتلك احتياطيات للنفط الخام في العالم، فلماذا نشتري الوقود بأسعار باهظة؟!».

يقول المراقبون داخل إيران، إن الحكومة استخدمت العنف الشديد في قمع تلك المظاهرات، التي تعتبر الأخطر على مستقبل النظام حالياً، لأنها تأتي في وقت عصيب بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وتراجعاً كبيراً في صادرات النفط، التي تعتبر الشريان الأساسي للاقتصاد الإيراني.

كما أن توقيت الاحتجاجات يأتى بالتزامن مع الاحتجاجات المنتشرة في لبنان، والعراق.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي