مذابح “روجبة”.. بين صمت العالم والصراعات الإقليمية

2019-11-24 | منذ 11 شهر

“إذا كان علينا الاختيار بين المصالحة وقتل شعبنا، فمن المؤكد أننا سنختار الحياة لشعبنا”، كتب قبل شهرين تقريباً مظلوم العابدي، قائد الـ أي.دي.اف (القوات السورية الديمقراطية). العابدي الذي هو قائد لعشرات آلاف المقاتلين والمقاتلات الذين نجحوا في هزيمة داعش، يعرف عما يتحدث. في هذه الأثناء “إدارة الحكم الذاتي في شمال وشرق سوريا” (روجبة) توجد على شفا الهاوية. التنازل الأمريكي وهجوم تركيا وحلفائها الجهاديين وتدخل نظام الأسد وأسياده الروس، كل ذلك أجبر سكان المنطقة، ولا سيما الأكراد، على المناورة والمصالحة من أجل الحفاظ على الحياة ووقف إطلاق النار.

ولكن الاتفاقات التي تم التوصل إليها تخدم بشكل أكبر احتياجات تركيا، التي تشمل إنجازاتها ضرب القوات الكردية المسلحة وهروب المدنيين من “قطاع أمني” آخر وحرف أنظار المجتمع الدولي إلى أماكن أخرى. بعد أن أظهر العالم خلال بضعة أيام دلائل قلق إزاء مئات القتلى والمصابين ومئات آلاف اللاجئين، فإن وقف إطلاق النار الوهمي يهدئ الرأي العام العالمي ويمكن تركيا من الاستمرار في خططها للهيمنة الإقليمية. في الحقيقة، النار لم تتوقف والهدوء لم يعد. كل ما يجب على العالم فعله هو التوقف عن صم الآذان.

في الأسابيع الأخيرة تحدثت مع أكراد كانوا في روجبة أثناء عملية تركيا. عندما نسمع قصصهم ونضيف إليها التقارير من مصادر أخرى، لا يمكننا تصديق ادعاءات تركيا بأنها تحارب إرهابيين وتعيد النظام إلى ما كان عليه. بيان رشيد مثلاً، هو سوري وجد ملجأ في أوروبا قبل تسع سنوات، وبعد حصوله على جواز سفر أوروبي عاد لزيارة مسقط رأسه القامشلي، “لقد كنت في سركينيا (رأس العين) عندما بدأت المعارك، وبعد الظهر بدأت طائرات اف16 بقصف أهداف مختلفة بما في ذلك المدارس والمباني السكنية والمستشفيات”، وأضاف بأنه ذهب للمساعدة في نقل المصابين إلى المستشفيات. “لقد شاهدت قتلى ومصابين كثيرين، كان معظمهم مبتوري اليدين أو الساقين. حاولت المساعدة، تحديداً الأطفال والشيوخ. والأمر الذي يصعب عليّ نسيانه هو طفلة تبلغ ثمانية أعوام وهي تجلس قرب شقيقها الميت وتحاول إيقاظه”.

بعد بضعة أيام على بدء هجوم تركيا نشرت “أمنستي” تقريراً كشف الصورة الكبيرة. وحسب هذا التقرير تم قصف المدنيين دون تمييز. إحدى الشهادات التي في التقرير تتعلق بقصف منطقة قريبة من مدرسة كانت بعيدة عن أي هدف عسكري. “كان هناك ستة مصابين وأربعة قتلى منهم ولدان”، قال عامل في الهلال الأحمر الكردي، “لا يمكنني القول بأن هؤلاء كانوا أولاداً أو بنات؛ لأن الجثث كانت متفحمة”. وفي شهادة أخرى تم وصف قصف قافلة مدنية فيها مئات المدنيين، والتي وصفها صحافي كان شاهداً عليها بأنها “مذبحة تماماً”. وأضاف التقرير بأن شركاء الأكراد الجهاديين نفذوا إعدامات بدم بارد، من بينها إعدام الزعيمة الكردية المدنية هابرين خلف. هذه الأقوال وجدت تأكيداً لها في “وول ستريت جورنال” التي اقتبست من مصادر أمريكية قولها إن جرائم حرب فظيعة كهذه تم توثيقها من قبل طائرات بدون طيار للجيش الأمريكي.

والذين نجوا من الهجوم وهربوا إلى مناطق آمنة، يعيشون في ظروف صعبة. هيلين كريم سومانز، فتاة سويدية من أصل كردي، سافرت للتطوع في روجبة بعد غزو تركيا، ومكثت نحو أسبوع في مدينة الحسكة، وقد حدثتني عن آلاف اللاجئين الذين يعيشون في المدارس في ظروف صحية متدنية دون علاج ومياه، وفي عدد من المدارس دون فراش أو أغطية. “عندما انتقلنا بين المدارس في المنطقة بين الحسكة وتل طامر شاهدنا مباني في القرى كانت مهدمة تماماً، وشوارع ومدارس مدمرة كلياً.

فتاة سويدية أخرى من أصل كردي هي لورين إبراهيم برزنسي، كانت في القامشلي في زيارة عائلية عند اندلاع المعارك، وكانت شاهدة على قصف بالمدفعية في المدينة وعلى الذعر الذي سببه القصف. “في الليل قصفوا المدينة القديمة، وفي اليوم التالي صباحاً أطلقوا النار في وسط المدينة. وقد أصابوا مخبزاً وملعباً لكرة القدم، وقذيفة أصابت الشارع الرئيسي، لكن لحسن الحظ لم تنفجر”. لورين التي وجدت في المدينة مع عائلتها نجحت في الخروج منها قبل تدهور الوضع. ولكن قبل عودتها إلى السويد التقت بجانب آخر من القصف التركي. في مستشفى محلي شاهدت الطفل محمد حامد (13عاماً) من سركينيا، كان يعاني من حروق كبيرة بسبب قذيفة فوسفورية. “أكثر من نصف جسده محروق”، قالت، “الطبيب الذي عالجه قال إنه لم يشاهد في حياته مثل هذه الإصابة”.

وحسب أقوال سكان روجبة، هذه الجرائم جزء من سياسة متعمدة. اليزابيث كوري من الزعماء المسيحيين في روجبة قالت في خطاب موثق بأن الأتراك يريدون تطهير شمال سوريا من المسيحيين بالذبح والطرد. هذه الأقوال تضاف إلى الادعاء الذي يقول بأن هدف الأتراك هو توطين لاجئين سوريين في المنطقة سيتم طردهم من تركيا بدلاً من المسيحيين والأكراد. تقرير لـ”أمنستي” في تشرين الأول يؤكد هذه الادعاءات ويأتي بشهادات على أن لاجئين سوريين يتم طردهم من تركيا إلى مناطق المعارك في سوريا، عن طريق تهديد اردوغان بأن يغرق أوروبا بـ 3.6 مليون لاجئ إذا عارض الزعماء الأوروبيون نشاطاته.

رغم أن روجبة تبتعد عن العناوين، فالكارثة ما زالت على الباب. معارك متواصلة في المناطق الرئيسية وعمليات انتحارية تصيب المدنيين، ورجال دين يقتلون، ولاجئون لا يسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم. هذه كارثة من صنع الإنسان تجري أمام ناظرينا، لكن خلافاً للكوارث السابقة والأبعد، فهذه ترافقها صور وأفلام قصيرة ونداءات للمساعدة في الشبكات الاجتماعية. في خطابه في البرلمان الألماني في 1998 اقترح المؤرخ اليهودي باور إضافة ثلاث وصايا أخرى إلى الوصايا العشر: يجب ألا نسمح لأنفسنا بأن نكون ضحايا، وألا نقوم بالشنق في أي يوم. ولكن يجب أيضاً ألا نسمح لأنفسنا في أي يوم بالنظر إلى إبادة شعب كمشاهدين سلبيين.

 

بقلم: دافيد ستبارو

هآرتس 24/11/2019



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي