معارف السكان الأصليين.. الثروة المهدرة بسبب تقاليد كولومبوس

2019-11-20 | منذ 3 أسبوع

يقول باحثون إن معارف السكان الأصليين تتضمن حلولا غير تقليدية لمشكلات المناخ والبيئة (بيكسلس)عمران عبد الله

يزداد الوعي بقضايا السكان الأصليين حول العالم، لكن، لا يزال قليلون فقط ينظرون باحترام وتقدير للثروة المعرفية لدى السكان الأصليين الذين تعرضت كثير من ثقافتهم للمحو أو دمرت بأكملها بما في ذلك لغاتهم وعلومهم منذ عصر الاستكشافات الجغرافية واستعمار "العالم الجديد" في الأميركتين وأستراليا.

وبينما يتناول المؤرخون بمزيج من الإعجاب والتقدير رحلات الإيطالي كريستوفر كولومبوس الأربع عبر المحيط الأطلنطي كعمل استكشافي فتح العالم الجديد وأدى لاستعمار الأوروبيين للأميركيتين منذ نهاية القرن 15، لا يتم تسليط الضوء على البشاعات التي رافقت هذا الاستكشاف مثل استعباده للسكان الأصليين في سعيه للحصول على الذهب، وإخضاعه الوحشي لشعب التاينو مما أدى إلى انقراضهم، وبما في ذلك فقدان تراث ثقافي هائل من معارف السكان الأصليين.

وغادر كولومبوس قشتالة الإسبانية في أغسطس/آب 1492 بثلاث سفن، وبعد توقف في جزر الكناري، وصل الأميركيتين في 12 أكتوبر/تشرين الأول (الذي يجري الاحتفال به باسم يوم كولومبوس الذي تسمت باسمه أيضا دولة كولومبيا) وهبط في واحدة من جزر البهاما -المعروفة من قبل سكانها الأصليين باسم جواناهاني- قبل أن يعود مجددا إلى قشتالة أوائل عام 1493 محضرا معه عددا من الأسرى، وسرعان ما انتشر خبر اكتشافاته في جميع أنحاء أوروبا.


تقاليد كولومبوس

وبحسب تقرير للباحثة اللغوية تشي لو المساهمة في مجلة ديلي غستور الأكاديمية، ساعد سكان "الأراواك" كولومبوس وطاقمه عندما التقوا في مناطقهم الأصلية إذ عاشوا في جزر الهند الغربية ومنطقة الكاريبي، وجلبوا لكولومبوس وطاقمه الطعام والماء والهدايا، ولكنه رد على كرمهم بالسخرية من "جهلهم" بالأشياء التي لم يروها من قبل، ثم قام باستعبادهم وطالبهم بأن يقودوه إلى مصادر الذهب، وشرع ورجاله في ارتكاب أعمال وحشية ضدهم.

وسخّر المستعمرون الإسبان الأراواك في البحث عن الذهب مما أفسد طريقتهم التقليدية في الحياة، قبل أن ينقرضوا من منطقة الكاريبي بحلول منتصف القرن 16.

وشملت أساطير سكان المستعمرات الأوروبيين في العالم الجديد وصف السكان الأصليين والهنود الحمر بأنهم جهلة ومتخلفون ثقافيا واجتماعيا، وكان السكان الأصليون يوصمون بالغباء والبدائية وعدم مسايرة العصر، في حين جرى الاحتفاء بإسهامات كولومبوس المفترضة في العلوم والتجارة والاستكشاف.


وترى لو في تقريرها أنه لا يزال هناك عدم احترام للغة الأصلية والمعارف التقليدية استنادا إلى الاعتقاد السائد بأنها لا تسهم بشيء حقيقي في تطوير المعرفة الإنسانية والفنون والعلوم والتكنولوجيا، لكن هذه النظرة تخفي وراءها تحيز وتجاهل القيمة الكبيرة التي تقدمها المعارف التقليدية.

وتتجاهل هذه النظرة أهمية الفولكلور وتعتبره محتوى قصصيا وغير علمي متجاهلة المعلومات التي يتم نقلها خلاله، ويرى التقرير أن ثمة علما ومعارف ثرية ومهمة خاصة بالسكان الأصليين جرى تداولها طويلا بلغتهم متضمنة طريقتهم لفهم العالم.

معارف السكان الأصليين

ومع مشكلات البيئة وتزايد معدلات الاحتباس الحراري وتناقص التنوع البيولوجي والانخفاض في الحياة النباتية والحيوانية النادرة في شتى أنحاء العالم، تكتسي معرفة السكان الأصليين أهمية متزايدة نظرا لحساسية مجتمعات السكان الفائقة للطبيعة، ومع ذلك تبدو هذه المعرفة المهمة والمكاسب مهددة بالاندثار مع فقدان تراثهم وتحول لغات السكان الأصليين للغات مهددة بالانقراض بشكل متزايد.


وتتساءل لو في تقريرها: لماذا نحترم ونثق في عمل الباحثين والعلماء في حين لا نفعل ذلك بالنسبة للمعارف التقليدية عندما تصل لنفس النتائج، وتشير إلى توجه جديد لدمج معارف السكان الأصليين بالمؤسسة العلمية والأكاديمية نظرا لأن عددا متزايدا من الباحثين صاروا مدركين لقيمة الطرق المختلفة لممارسة العلم والمعرفة.

وتقدم المعارف التقليدية للسكان الأصليين نظرة أكثر شمولية وسياقية عبر طرق مختلفة من الملاحظة والتفكير وليس فقط التجريب والتخصص، ومن أمثلة هذه المعارف تقنيات تستخدم حاليا في الزراعة والصحة ومنها الطب التقليدي الذي نشأ في شبه القارة الهندية المعروف باسم "الأيورفيدا" والوخز بالإبر الصينية الذي صار معروفا جدا في الوقت الحالي.

اللغة والثقافات الأصلية

ويرى الأكاديمي الأميركي تيوا كاجيتي في كتابه "العلوم المحلية للسكان الأصليين" أن "العلوم الأصلية" تتولد من المشاركة الحية مع الطبيعة، وتشكل تراثا من التجربة الإنسانية مع العالم الطبيعي من خلال استعارة مجموعة عمليات الإدراك والتفكير والتمثيل والتعرف التي تطورت مع تجربة الإنسان، ويشير لأهمية القصص الشفهية لتدريس العلوم رغم اعتبارها غير جادة وغير علمية بدرجة كافية من قبل كثيرين.


وبحسب تقرير ديلي غستور هناك أكثر من طريقة لتسجيل المعرفة وأكثر من طريقة للمشاركة في الاستكشافات والملاحظات العلمية، تماما كما يوجد أكثر من طريقة لتأطير واقعنا وخبراتنا باللغات المختلفة.

وفي السياق يضيف التقرير أن فهم الظواهر الطبيعية يتداخل مع اللغة، ومن السهل إساءة تفسير اللغة المجازية لثقافات السكان الأصليين إذا كان الباحثون ينظرون للسكان الأصليين بطريقة نمطية باعتبارهم "مختلفين تماما" أو "غير علميين" أو "بدائيين".

وباختصار، هناك العديد من الطرق لرؤية العالم بما في ذلك إسهام الثقافات الأصلية التي طورت لغاتها ومفاهيمها الخاصة لإخبار البشر بمعارفهم، لكن إهمال هذه اللغات والثقافات الأصلية والتعامل معها على أنها بلا قيمة يجعلنا نفقد معارف مهمة تطورت عبر آلاف السنين.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي