متى تفهم إسرائيل أنها نبتة غريبة في الشرق الأوسط؟

الامة برس
2019-10-28 | منذ 1 سنة

الرد الرسمي الوحيد على موجة المظاهرات الكبيرة في لبنان جاء من فم رئيس الأركان افيف كوخافي، الذي حذر من خطر مواجهة في الشمال والجنوب. هكذا بدت الصورة من بعيد: مئات آلاف المتظاهرين في لبنان يهددون النظام السياسي الفاسد هناك، وفي إسرائيل يسارعون إلى وضع أنفسهم في الجانب المضاد مع الفاسدين. عندما اندلعت الموجة الإنسانية الكبيرة في مصر ضد ديكتاتورية حسني مبارك، الأمر الذي بث الأمل في أرجاء العالم، فقد تم الإعلان عن عزاء وطني في المؤسسة الإسرائيلية، خشية من تولي الإخوان المسلمين للسلطة، واندلاع حرب يأجوج ومأجوج تهدد إسرائيل. بعد ذلك تولى الإخوان المسلمون الحكم، وبعد ذلك هزموا، والمؤسسة الإسرائيلية بقيت على حالها: أي بصيص أمل في أوساط الشعوب العربية يجعل الدنيا مظلمة في عيونهم. وإذا بالصدفة فقدت رقم هاتف المؤسسة الإسرائيلية، لا تقلق، فستجدها في النادي الفاخر لأعداء شعوبهم.

هذه متلازمة قديمة. عندما تجرأ الرئيس المصري جمال عبد الناصر في حينه على تأميم قناة السويس من أيدي البريطانيين، انضمت إسرائيل بحماسة مرضية إلى دول عظمى إمبريالية محتضرة، بريطانيا وفرنسا، إلى الحرب ضد مصر. نحن هنا لن نتوسع حول “الصفقة النتنة” التي كان هدفها توريط الثوريين المصريين الشباب مع الأمريكيين، لكننا سنتحدث عن صفقة أخرى وهي صفقة الفخار. هذه قصة الغرام المرضية مع ديكتاتور طهران، محمد رضا شاه، الذي حكم شعبه وتحكم بكنوزه بمساعدة البريطانيين والأمريكيين والإسرائيليين. وبعد ذلك يستغربون لماذا يكره الإيرانيون والعرب إسرائيل، وبالإجمال.. لنترك الشأن الفلسطيني جانباً، نسجت قصة غرام متواصلة مع قامعيهم الداخليين والخارجيين. في هذه الأثناء.. الجزار من الرياض، ولي العهد السعودي الذي يذبح أطفال اليمن ويقطع جثث معارضيه، هو الأمير على الحصان الأبيض الذي سبى قلوب كبار رجال المؤسسة الإسرائيلية.

أكتب هذه الأقوال في أعقاب قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من سوريا وتوديع منطقتنا الملعونة، وقبله غادرنا الأتراك والإنجليز والفرنسيون، وبقيت الشعوب فقط. من يرد البقاء فعليه التصالح مع المكان، لا أن يتصادم معه. هكذا، حان الوقت لأن تدرك إسرائيل بأن عنوانها هو في الشرق الأوسط وليس في مكان ما وراء البحار. حتى العرب لم تعد إسرائيل تهمهم ولا يهتمون بها. ها هي مظاهرات لبنان لم تذكر إسرائيل تقريباً، ولم يتم ذكرها في مظاهرات الربيع العربي في 2011. إسرائيل ببساطة غير ذات صلة بالشرق الأوسط، وبدلاً من أن تتعلم الدرس تقوم بالتحديد: مرة تقصف في العراق وأخرى في سوريا وثالثة في لبنان، والآن حسب تقارير مختلفة، شاركت في مهاجمة السفينة الإيرانية في الخليج الفارسي. في المقابل، فإن الذين هوجموا يتعاملون مع إسرائيل على أنها طفل عنيف ومشاكس، يريد أن يلعب بلعبة ليست له.

من الأمور التي تبعث على اليأس أن جيشاً قائده كوخافي الذي أعده للقتل في الحروب والانتصار، هو الآن بلا عمل، ولا يجد من ينتصر عليه. في المقابل إليكم بشرى أخرى، حتى التيار العسكري في إسرائيل لا يملك خططاً لاحتلالات أخرى (لهذا يمكن التخمين بأن المؤسسة الأمنية هنا تشعر بهجوم عصبي فظيع. كل الأعداء تبخروا: مصر والعراق وسوريا والأردن ولبنان، جميعهم ينشغلون في حروبهم الحقيقية، الحروب الداخلية.

الجنرال كوخافي يثير الشفقة بتحذيراته، والمراسلون الذين يصدقون هذه البشائر الجهنمية يثيرون الشفقة أكثر منه. بهذا، تلك هي حروب الماضي، في حين أن التحدي الحقيقي هو التصالح مع شعوب المنطقة. وإذا لم يتم تغيير القرص، فإن إسرائيل ستواصل كونها نبتة غريبة. وحتى تعاطفها مع شعوب الشرق يستقبل بتشكك ومشاعر غضب طالما أنها تحبس ملايين الفلسطينيين خلف القضبان.

بقلم: عودة بشارات

هآرتس 28/10/2019



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي