شباب أمازيغ يتزوجون جماعيا بموسم الخطوبة في جبال الأطلس

2019-09-25 | منذ 3 أسبوع

إملشيل -المغرب: في أعلى سهول جبال الأطلس الواقعة في قلب المغرب، يجتمع أزواج من الشباب الأمازيغ لإقامة مراسم زفاف جماعية في تقليد “موسم الخطوبة” السنوي على أصوات الطبول والزغاريد.

ويتوافد المئات من الأشخاص إلى قرية إملشيل لحضور هذا الحدث الذي يتضمن الغناء والرقص من الخميس إلى الأحد تحت سماء زرقاء صافية.

وجاء الأزواج من قرى مختلفة، وقد ارتدت العرائس فساتين طويلة ملونة، بعضها مطرز بالمجوهرات وبعضها الآخر بالخرز البراق.

وتنتظر الفتيات وعرسانهن بصبر داخل خيمة كبيرة نصبت على تضاريس صخرية وصول رجل الدين لإقامة مراسم الزواج. وأقيم هذا الحدث التقليدي الذي يطلق عليه “موسم الخطوبة والزواج” لدى الناطقين بالأمازيغية في المغرب، في السابق لإحلال السلام بين العشائر المتنافسة.

وقال المنظم الحسين أوخطار “إنه تقليد قديم ومهم جدا لديانتنا، لكن الأجيال الجديدة لا تهتم كثيرا بالتقاليد والعادات”.

وخارج الخيمة المخصصة للأزواج، يصطف رجال يعتمرون عمائم ويلبسون جلابيب طويلة بيضاء ويقرعون على الطبول فيما ترقص النساء بأثواب فضفاضة ملونة على إيقاعها.

لكن داخل الخيمة، يبدو بعض الأزواج متوترا في حين يتبادل أزواج آخرون نظرات تملأها الحماسة. وتمر امرأة في يدها طبق فضي لتمرير خواتم الزفاف.

جذور موسم الخطوبة 

وبمجرد الانتهاء من المراسم الدينية، يخرج الأزواج من الخيمة حيث تنتظرهم الحشود لتحييهم بالزغاريد، قبل أن يختفوا مبتسمين إلى وجهتهم الجديدة.

وفي كل سنة تكون إملشيل، وهي منطقة جبلية مغربية قابعة بين أحضان جبال الأطلس الوعرة على ارتفاع 2300 متر عن سطح البحر، على موعد مع موسم الخطوبة الشهير الذي تختلط فيه العادات بالتقاليد والأسطورة بالحقيقة.

وعلى مدار السنة يعمل سكان المنطقة لضمان قوت أسرهم عدا شهر سبتمبر، الذي يمثل الفترة التي يتركون فيها الأعمال الشاقة من أجل فسح المجال لموسم اللقاءات العاطفية. ويبحث الشباب خلال هذا الشهر، عن فتيات للارتباط بهن وتشجعهم القبيلة على ذلك باحتفالات ورقصات وأهازيج وملابس ووجبات تقليدية في جو من الألفة والفرح والتضامن.

وتعود جذور موسم الخطوبة في إملشيل إلى أسطورة تناقلتها أجيال المنطقة، تمثلت في قصة حب كان بطلاها فتى من قبيلة آيت إبراهيم وفتاة من قبيلة آيت إعزة وهما قبيلتان من قبائل آيت حديدو، وكان يرغبان في أن تتوج قصة حبهما بالزواج إلا أن العداوة بين قبيلتيهما وقفت حاجزا أمام تحقيق حلمهما، مما جعل كليهما يغادر قبيلته في اتجاه الجبال، فأغرق الفتى نفسه في بحيرة تحمل اليوم اسم إيسلي “العريس”، وأغرقت الفتاة نفسها في بحيرة تحمل اسم تسليت “العروس”.

وأكدت رواية أخرى أن هاتين البحيرتين ما هما إلا دموع الحبيبين اليائسين. وقال باحثون في التراث الثقافي إنه مهما اختلفت الروايات، فهذه هي القصة التي لا بد أن يسمعها كل قاصد لموسم الزواج أو الخطوبة في إملشيل الذي يقام سنويا قرب ضريح سيدي أحمد أولمغني.

وأشاروا إلى أن هذه الأسطورة لا تزال تؤثث الذاكرة الجماعية للقبيلتين كما يظهر ذلك في هذا الموسم المتواصل.

وتختلف التسمية عن الواقع حيث أن الاحتفال لا يتعلق بالخطوبة وإنما بالزواج، فيكون العريس والعروس قد التقيا مسبقا ولا يأتيان إلى السوق برفقة والد العروس إلا لإبرام العقد أمام السلطات.

 الاحتفال لا يتعلق بالخطوبة وإنما بالزواج

وأكد الباحثون أن الآراء تتضارب حول تاريخ ظهور موسم الزواج لأول مرة، ففي حين يقول كبار السن في المنطقة إن الزواج الجماعي في موسم سيدي أحمد أولمغني قديم ويعود إلى 150 سنة على الأقل، إلا أن بعض باحثي الأنثروبولوجيا الدوليين الذين جاؤوا إلى إملشيل لم يتوصلوا إلى تاريخ محدد لبداية موسم الزواج هذا. وتشهد احتفالات الخطوبة والزواج الجماعي خلال موسم إملشيل طقوسا مبهرة تبرز غنى العادات والسلوكيات الاجتماعية، بالإضافة إلى الرواج التجاري والاقتصادي الذي يساعد سكان القرية على تحدي الفقر.

ويقام موسم الخطوبة عادة في 23 سبتمبر لمدة 3 أيام ويفد الكثير من الشبان والفتيات المرشحين للزواج إلى موسم إملشيل لاستكمال إجراءات الزفاف يرتدون أزياء تقليدية مثل لباس الحندير الصوفي الذي تلتف به الفتيات بشكل محتشم، فلا تظهر منهن سوى وجوههن، لكنهن يغطينها حين يتقدم إليهن الأزواج لتحيتهن وتقبيل أياديهن تعبيرا عن مشاعر الحب.

ويتم إشهار الزواج بين شباب المنطقة من خلال توزيع التمور بين الحضور باعتبارها فاكهة تشتهر بها منطقة الجنوب بالبلاد، ولكونها فألا حسنا يؤشر على حلاوة الحياة الزوجية.

وأكد الباحثون أن موسم الخطوبة يشهد أجواء شعبية واحتفالية تكرم المرأة عبر الاحتفاء بها وتقديرها أمام الحاضرين في هذا الموسم.

كما يعد هذا الموسم فضاء تجاريا واقتصاديا مهمّا تزدهر فيه مهن عديدة على هامش الاحتفالات الأسرية بزواج أبنائها وبناتها على مدى ثلاثة أيام.

وترتبط هذه المهن ببيع مواد الزينة للنساء مثل الحناء والكحل والقلائد والحلي المختلفة الألوان والأشكال، وبعض أجزاء اللباس الرجالي من قبيل العمامة والقلنسوة، بالإضافة إلى عرض منتجات تقليدية تهديها الأسر المحتفلة إلى العروسين.

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي