"كيشوت"..رواية غارقة في مستنقع من التراكمات المُرهِقة

الامة برس
2019-09-10 | منذ 1 أسبوع

رواية سلمان رشدي الجديدة - التي تم إدراجها للتو على القائمة الطويلة لجائزة بوكر - تعد حِملاً مترامي الأطراف، وتثير شعوراً في النهاية بأنها ستأخذ بُعداً بالضخامة نفسها التي حظيت به رواية "أطفال منتصف الليل" التي فازت مرتين بجائزة أحسن كتاب في الدورتين الخامسة والعشرين والأربعين لمسابقة بوكر الأدبية.  إذا كانت الأخيرة ترمز إلى استقلال الهند وتقسيمها فيما بعد، فإن "كيشوت" تذهب إلى حد الموازاة بين وفاة المؤلف مع نهاية العالم بأسره.

 

"كيشوت" هو رجل هندي متقدم في السن، يعيش في أميركا ويعمل كبائع متنقل للمنتجات الصيدلانية: بعد إصابته بسكتة دماغية، لم يعد قادراً على السيطرة على الواقع وأصبح مدمناً على مشاهدة برامج تلفزيون الواقع. ونتيجة لذلك، يعتقد أنه من المقرر أن يحل ضيفاً في برنامج حواري شبيه ببرنامج أوبرا وينفري تقدمه سيدة جميلة اسمها سلمى راء (نعم، هذا اسمها حقاً)، وهي هندية أيضاً لكنها تعيش في نيويورك. رواية رشدي هي معالجة حديثة لعمل سيرفانتيس الشهير "دون كيخوته"، ولذا فإن بطلنا كيشوت ينطلق في محاولة لإثبات أنه جدير بحب سلمى. ولمرافقته في رحلته، يخترع كيشوت الذي ليس لديه أبناء، ابناً وهمياً يسميه سانشو. لكن سرعان ما ينطلق سانشو في مهمة خاصة به شبيهة بتلك التي قام بها بينوكيو في تصميمه على أن يصبح فتىً حقيقياً - بمساعدة صرصار متكلم اسمه جيميني (صدقاً، إنه يحمل اسم صديق بينوكيو نفسه!).

 

ولكن إلى جانب حكاية المغامرة هذه، الذي تأخذ الأبطال عبر أرجاء أميركا، وتكشف - على نحو ليس شديد التهذيب - ما تعانيه البلاد حالياً من موجات العنصرية، والشعبوية وأزمة الأفيون، يميط رشدي اللثام أيضاً عن حكاية أخرى داخل تلك الحكاية. إذ إن "كيشوت" في الواقع هي رواية كتبها شخص يدعى براذر (الأخ) وهو مؤلف يكتب عادة قصص الإثارة. نتابع أيضاً حكاية ’الأخ’، عندما يتواصل مع شخصيتين مغتربتين هما صن (الابن) و سيستر (الأخت)، ويحاول إتمام الكتاب. تعكس القصتان إحداهما الأخرى وتتشابكان بأسلوب متحوّل بشكل متزايد. وكلها مرتّبة بطريقة ممتعة وحاذقة.

 

رواية رشدي هي أكثر بكثير من مجرد إعادة سرد لـ "دون كيخوته".  إنها هجاء للحظة التي تعيشها ثقافتنا المعاصرة المتمثلة بالأخبار الكاذبة، وما بعد الحقيقة، والصبغة الترَمْبيّة، حيث ينهار مفهوم الواقع نفسه. إنها رواية خيال علمي، رواية تجسس، رواية رحلة طريق، إنها عمل من الواقعية السحرية. إنها حكاية عن التغير المناخي، وقصة مهاجر في عصر يسوده شعور مناهض للهجرة. إنها قصة حب تتحول إلى دراما عائلية. إنها عجلة ألعاب نارية مزدوجة ما بعد حداثوية، تدور بسرعة فائقة - من المستحيل ألا تبهرك شرارتها، ولكنها تسبب أيضاً الكثير من الدخان الخانق.

 

هل أنتم متعبون من قائمة الأوصاف الطويلة هذه؟ صدقوني، إنها لا شيء بالمقارنة مع القائمة الطويلة التي تسردها رواية رشدي الحقيقية المدرجة على القائمة الطويلة لجائزة بوكر، الغارقة في مستنقع من التراكمات المُتعِبة من الأمثلة والتفسيرات.

 

إنه يشير إلى فرقة البيتلز و المغني الأميركيبول سايمون و الشاعرين الإنكليزيين أندرو مارفيل و ويليام وردزورث، إلى شكسبير  والمؤلف المسرحي الأميركي آرثر ميلر، حتى أنه يتحدث عن فيلمي "توصيل الآنسة ديزي" و"رجال البزات السوداء  (مين إن بلاك). هناك ذكر لعدد لا يحصى من برامج تلفزيون الواقع، والثنائيات الفنية، وروايات الخيال العلمي، والأعمال الناجحة اليتيمة. ونادراً ما يقدم وصفاً واحداً عندما تفي خمسة أوصاف بالغرض. خمسة؟ ياله من تبسيط عظيم للحقيقة.  في إحدى المراحل، يسرد  رشدي 41 نوعاً من الأوصاف التي تزداد عَتَهاً للشخير: "عرض الألعاب النارية، نفق العبور خلال ساعة الذروة، الازدحام المروري، الملحنين النمساويين ألبان بريغ و أرنولد شوينبيرغ، وانتون ويبرن والمؤلف الموسيقي الأميركي فيليب غلاس ..." تصبح جميعها مُرهِقة خاصة في النصف الأول ذي اللغة المتحذلقة.  وبينما يمضي الكتاب فإن هذا الإفراط بالدقة يخف لحسن الحظ.

 

وفيما يقوم رشدي ربما بحشد المجموعة الأكثر إثارة للصور المثيرة للغضب للثقافة المعاصرة، لا يفوت فرصة ليتأكد من وصول الفكرة حقاً إلى القارئ. في الصفحة 356، على سبيل المثال، يشرح الأخ ما يريد القيام به في الكتاب الذي يكتبه: "إن تدهور الأرض في الرواية سيكون موازياً لتدهور الكوكب البيئي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي". نعم ، هذا عظيم - ولكن هذه الموازاة كانت بالطبع واضحة في العديد من الصفحات التي أتت قبل الصفحة 356. لا داعي لأن يقوم الأخ أو رشدي بتوضيح ذلك.

 

تبلغ رواية "كيشوت" أوجها عندما تتعامل مع مسائل تخص القلب الإنساني، مع أمور  جوهرية مثل الحب والموت، بدلاً من هجاء مغرور للأمراض المجتمعية. وإضافة إلى ذلك، وبينما يندفع الكتاب نحو نهايته، فإنه يحشد زخماً هائلاً. فالجزء الأخير عبارة عن رحلة برية: تصطدم الشخصيات والروايات والعوالم وتتفكك بطريقة مذهلة، بينما يحتفظ رشدي بسيطرته البهيجة على كل الأمور. لكنها رحلة طويلة حتى تبلغ تلك النقطة.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

مجلة العربي الأمريكي

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي

البوم الصور