لماذا لا تستطيع إخراج شخص من تفكيرك؟.. خبير نفسي يجيب

الأمة برس
2026-07-24 | منذ 1 ساعة

يواجه كثير من الشباب هذا السؤال المؤلم في وقت ما، عندما يتعلقون بشخص رغم رحيله أو وقوع ضرر عليهم. وفي هذه الحالة يتساءل الشباب: لماذا يظل شخص رحل من حياتنا حاضراً في أفكارنا؟ نستيقظ فنجده أول فكرة تراودنا، وتمر أغنية فتعيده إلى الذاكرة، أو نمر بمكان فنشعر وكأن الزمن عاد بنا إلى لقاء أو ذكرى سابقة، بحسب سيدتي.
ولفهم هذا التكنيك الذي يتبعه الدماغ، التقت "سيدتي" مع الدكتور هشام واصف، الباحث في الصحة النفسية وخبير علم النفس، ورئيس مجلس إدارة أكاديمية "Passion" للتدريب والكوتشينج، والذي كشف في حديثه ما يحدث فعلاً داخل عقولنا حين يتعلق الأمر بشخص لا يغادر تفكيرنا.

لماذا يصاب الشباب بحالة تعلق بشخص ما؟

أوضح د. واصف عدة أسباب وراء حالة عدم القدرة على نسيان شخص ما، وربط الأمر بعدة عوامل، وكذلك كيفية التخلص من هذه الحالة.

التعلق بالحالة وليس بالشخص

يرى د. واصف"أن الاعتقاد الشائع بأن "استمرار التفكير في شخص دليل على الحب أو وجود رابط خفي بينكما، ليس دقيقاً بالضرورة". ويوضح أن "علم النفس الإيجابي يدفعنا للنظر للأمر من زاوية أعمق؛ إذ إن ما يشغل العقل غالباً ليس الشخص ذاته، بل الأثر النفسي الذي تركه، والمعنى الذي ارتبط بوجوده في حياتنا".

الشعور يؤثر أكثر من الإنسان

يشرح الخبير أن كل علاقة تترك بصمة مختلفة بداخلنا، فقد يمنحنا أحدهم إحساساً بالأمان، أو التقدير، أو الانتماء، أو يجعلنا نرى أنفسنا في صورة أكثر إشراقاً. وحين يرحل هذا الشخص، لا يغيب حضوره فقط، بل يختفي معه ذلك الشعور الذي عشناه في وجوده. ويشير د. واصف هنا إلى نموذج "بيرما" (PERMA) الشهير في علم النفس الإيجابي، الذي يربط جودة الحياة بخمسة عناصر وهي:

  • المشاعر الإيجابية.
  • العلاقات.
  • المعنى.
  • الاندماج.
  • الإنجاز.

ويقول إن العقل قد يستمر في استحضار شخص معين لأنه يحاول استعادة أحد هذه العناصر التي ارتبطت به، وليس لأنه عاجز عن تقبل غيابه.

نصائح للتعافي من التعلق

وفي هذا الصدد يقدم الخبير مجموعة من النصائح للتخلص من حالة التعلق التي تجعل الشباب عالقين فيها.

تغيير الحديث الشخصي

من أبرز النصائح التي يقدمها د. واصف للشباب، هي تغيير صيغة السؤال الذي نطرحه على أنفسنا. ويقول: "فبدلاً من "كيف أنساه؟"، يجب أن يكون السؤال: "بماذا جاءت هذه التجربة لتعلّمني عن نفسي؟".
وهنا يؤكد أن هذا التحول البسيط في الصياغة يغير مسار التعافي بالكامل، لأن العقل، كما يوضح، لا يتعلق بالأشخاص بقدر تعلقه بالمعاني التي يمثلونها.

اكتشاف الاحتياجات

ويضيف د.واصف أن اكتشاف الاحتياجات التي كشفتها العلاقة، والقيم التي أيقظتها بداخلنا، يحول الألم إلى باب للفهم بدلاً من أن يظل سجناً للذكريات.

عش التجربة

ينصح الخبير بضرورة أن تعيش التجربة دون هروب، ويستشهد د.واصف بأبحاث في علم النفس الإيجابي التي تؤكد أن الإنسان يتعافى بشكل أفضل حين يمنح تجاربه المؤلمة معنى، لا حين يحاول محوها من ذاكرته، موضحاً أن "المعنى لا يغير ما حدث، لكنه يغير الطريقة التي نحمله بها داخلنا".

تعلم الدرس

يشير د. واصف إلى أن الألم لا ينتهي دائماً بانكسار، مستعيناً بمفهوم "النمو بعد الصدمات"، الذي يوضح أن كثيرين يخرجون من تجاربهم المؤلمة أكثر وعياً بذواتهم، وأكثر قدرة على اختيار علاقاتهم، وأكثر وضوحاً في أولوياتهم.
وهنا يقول د.واصف إن "الشفاء الحقيقي لا يعني التوقف عن التذكر، بل التوقف عن فقدان أنفسنا كلما تذكرنا". ويلفت إلى أن بعض العلاقات تبقى حاضرة في الذاكرة لأنها انتهت دون إغلاق نفسي كامل، أو لأن العقل بطبيعته يبحث عن تفسير لما لم يكتمل. لكنه يشدد على أن الإغلاق الحقيقي لا يأتي دائماً من إجابة يقدمها الطرف الآخر، وإنما من سلام نصنعه بأنفسنا حين نفهم التجربة ونتقبلها.

العودة إلى الذات هي التعافي الحقيقي

يختم د. واصف حديثه بتوجيه رسالة مباشرة للشباب قائلاً: "إذا كان هناك شخص ما زال يسكن تفكيرك، فهذا ليس علامة على الضعف أو العجز عن المضي قدماً"، بل ربما يكون عقلك يدعوك لرحلة أعمق نحو استعادة ذاتك، وبناء مصادر جديدة للأمان والمعنى لا تعتمد على وجود أحد.
ويؤكد د.واصف أن الأشخاص قد يرحلون، لكن ما نتعلمه منهم يبقى معنا. وعندها لا تصبح الذكرى عبئاً يثقل كاهلنا، بل حكمة تنير الطريق، ليتحول الماضي إلى فصل مكتمل في قصة إنسان تعلّم كيف يحوّل الألم إلى معنى، والمعنى إلى ازدهار، والرحيل إلى بداية جديدة أكثر نضجاً واتزاناً.











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي