
نشرت صحيفة “صاندي تايمز” تقريرا أعدته محررة شؤون الأخبار في واشنطن كاتي بولز، قالت فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد الخيارات في حربه مع إيران، وهو أمر بات يتفق عليه حتى أنصاره في قاعدته الشعبية المعروفة باسم “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (ماغا)، ويخشون الآن من نزاع طويل وفوضوي.
وذكرت الصحيفة بما قاله الرئيس ترامب في العاصمة السعودية الرياض، وهو ما فاجأ منتقديه في الداخل. فقد صرح، في منتصف جولة له في الشرق الأوسط جمعت بين السياسة والأعمال: “لم أؤمن قط بوجود أعداء دائمين، أنا مختلف عما يعتقده الكثيرون، لا أحب الأعداء الدائمين”.
وتعلق بولز بأن أولئك الذين يخضعونه لدعاوى قضائية عديدة رفعت ضده، تحت إشراف وزارة العدل، قد يختلفون معه، لكن سياق تصريحات الرئيس كان بالغ الأهمية.
وعلى عكس السياسات الخارجية الأخلاقية المتشددة التي انتهجها العديد من أسلافه، تبنى ترامب نهجا مرنا يتيح لكل دولة، من كوريا الشمالية إلى روسيا والصين، فرصة للعودة إذا رغبت في ذلك. ومع دخول الحرب مع إيران شهرها الرابع، يتساءل المقربون من الرئيس عما إذا كانت طهران قد أصبحت الاستثناء من القاعدة.
وبعد أسبوع تبادلت فيه إيران والولايات المتحدة الغارات الجوية عبر الخليج، وبلغت ذروتها بجولة أخرى من الهجمات الأمريكية ليلة السبت، يبدو أن الصراع لم يقترب من نهايته. وتتعرض مذكرة التفاهم التي وقعها ترامب مع الإيرانيين لضغوط كبيرة، وقد أعلن الرئيس انتهاء وقف إطلاق النار “بشكل قاطع”.
وتضيف أن الأمر قد اتخذ منحى شخصيا، وبات ترامب يقول إن الإيرانيين يخططون لاغتياله. وفي أشد تصريحاته حدة حتى الآن بشأن هذه القضية، وصف الشعب الإيراني الأسبوع الماضي بـ”الحثالة”. في المقابل، تعهد المرشد الأعلى الإيراني الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، بتلبية “مطلب الأمة” والثأر لوالده المغدور.
ومع كل هذه النار والغضب، فإن المقربين من ترامب منقسمون حول خطوته التالية، وما إذا كانت هناك أي خيارات جيدة متبقية. ويشار الآن إلى عملية “الغضب الملحمي” في واشنطن باسم “عملية الفشل الملحمي”.
واشتكى أحد المقربين من الإدارة قائلا: “الأمر مستمر”. فمع تزايد إحباط ترامب من الإيرانيين، بات مؤيدوه المخلصون يشككون في قدرته على العودة إلى حرب شاملة.
فعند توقيعه اتفاقية السلام الشهر الماضي، أكد أنه لا يريد مواجهة مصير مشابه لمصير الرئيس هربرت هوفر، الذي حمل، وللأبد، مسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد. ويطالب الناخبون وأفراد حزبه ترامب بخفض أسعار البنزين قبل انتخابات التجديد النصفي.
كما لا يرغب أنصار ترامب في التصعيد. ففي هذا الأسبوع، قال جو روغان، مقدم البودكاست الذي ينسب إليه الفضل في مساعدة ترامب على كسب تأييد الشباب في انتخابات 2024، إن ترامب ربما يكون قد منح الديمقراطيين فوزا بالفعل بعد أن “أفسد الأمور بالتوجه إلى إيران”. ويخشى خبراء الدفاع من صراع طويل وفوضوي تهيمن عليه الضربات الجوية، لكنه يفتقر إلى التصعيد اللازم لتغيير الوضع على الأرض في إيران.
وبدأت الجولة الجديدة من الأعمال العدائية بعد إطلاق إيران النار على سفن في مضيق هرمز كانت قد عبرت الجانب العماني من الممر الملاحي. ورد البيت الأبيض بسلسلة من الضربات بعد ساعات، ما أدى إلى رد فعل متبادل يعتقد الخبراء أن طهران تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عنه.
وقال دبلوماسي من الشرق الأوسط: “هذا الأمر يتعلق بخلل سياسي في الجانب الإيراني، كانت القيادة الإيرانية راضية عن الاتفاق عندما أُطلقت النار على السفن”.
ومنذ ذلك الحين، ألقت طهران باللوم على مجموعة “مارقة” من المتشددين في إطلاق النار على المضيق. ودعا ترامب إلى اعتذار رسمي، وتعهد بمزيد من الضغط من الولايات المتحدة إذا لم يقدم هذا الاعتذار.
وفي نهاية هذا الأسبوع، ستجتمع الأطراف المختلفة في عُمان في محادثات سيحضرها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وفي مؤشر على تغير موازين القوى، يفترض أن تتفاوض عُمان مع إيران قبل إشراك الجانب الأمريكي. ولا يزال ترامب يفوض مهمة التفاوض مع الإيرانيين إلى مبعوثه للسلام، وسيط العقارات ستيف ويتكوف. ولن يحضر هو ولا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذه المحادثات.
ومع ذلك، وفي مؤشر على احتمال تدهور الوضع، وردت أنباء يوم السبت تفيد بأن الحرس الثوري الإسلامي أطلق النار على سفينة تجارية في المضيق وأصابها. ونظرا لمطالبة الأمريكيين بالاعتذار، ينظر إلى هذا على أنه تصعيد.
وحتى لو تبين أن أحداث الأسبوع الماضي مجرد سوء فهم مؤسف، فإنها لا تزال تشير إلى أوجه القصور في المذكرة
وحتى لو تبين أن أحداث الأسبوع الماضي مجرد سوء فهم مؤسف، فإنها لا تزال تشير إلى أوجه القصور في المذكرة. فقد كانت الوثيقة، المكونة من 14 بندا، قد وجد الجمهوريون المتشددون صعوبة في قبولها، لأنها تقدم الكثير للإيرانيين، من ناحية منح طهران السيطرة على المضيق، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة، وفتح صندوق الإعمار الاقتصادي لما بعد الحرب، الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات.
وسعت المذكرة إلى ترك أصعب القضايا، وتحديدا مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، لفترة تفاوض مدتها 60 يوما. والآن، تتزايد المخاوف بشأن إمكانية حل هذه القضايا.
ويشعر المسؤولون الأمريكيون بتشاؤم بالغ حيال إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي ينهي ويتخلص من أجزاء رئيسية من البرنامج النووي الإيراني، الذي روج له كأحد الأسباب الرئيسية لبدء الصراع في المقام الأول.
وفي واشنطن، يدور الحديث حول رفض مذكرة التفاهم، مما يضع ترامب في مأزق. فبإمكانه التصعيد ومضاعفة الضغط الاقتصادي على أمل التوصل إلى اتفاق يفيد أمريكا. وبإمكانه السعي إلى مذكرة تفاهم جديدة بوسائل أخرى. أو بإمكانه التسليم بأن هذا المسعى قد فشل فشلا ذريعا، والحد من خسائره، وقبول اتفاق يخفف من حدة التوتر في الشرق الأوسط، لكنه يبقي إيران في موقف قوة.
ويرى مصدران جمهوريان وشخصيات دفاعية أن مدى تركيز ترامب على إيران والمنطقة ككل قد يتوقف على أدائه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ترامب مرشح لخسارة مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضا.
وإذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس، سيجد ترامب صعوبة أكبر في تنفيذ سياساته الداخلية، مما سيجبره على تحويل تركيزه إلى الخارج، كما يفعل العديد من الرؤساء المغادرين في سنواتهم الأخيرة. وفي سعيه لترسيخ إرثه، فإن هذا يعني المضي قدما في الملف الإيراني، أو العودة إلى مساعيه لشراء غرينلاند، أو محاولة إحلال السلام في أوكرانيا، وهو أمر وعد به بعد 24 ساعة فقط من دخوله البيت الأبيض.
وقال أحد الجمهوريين: “سيكون لديكم رجل غاضب ومحبط للغاية، لكنه لا يزال قادرا على فعل الكثير. استمتعوا!”.
أما فيما يتعلق بإيران، فيأمل الإسرائيليون والجمهوريون المتشددون أن تثبت طهران أنها شريك غير جدير بالثقة، ما يدفع ترامب في النهاية إلى تبني وجهة نظرهم بأن السبيل الوحيد للمضي قدما هو تغيير النظام بالقوة.
ويرى أحد كبار الشخصيات الجمهورية في مجال السياسة الخارجية أن شكلا أكثر قبولا للتصعيد يتمثل في تزويد الشعب الإيراني بالأسلحة التي يحتاجها لانتفاضة شعبية. إلا أن أي اقتراح من هذا القبيل سيواجه معارضة شديدة من الانعزاليين في حكومة ترامب وقاعدة ماغا الشعبية. ومع استمرار الحرب، يجد الرئيس أن خياراته تزداد تعقيدا وتثير الاستياء يوما بعد يوم.