
باريس- "مارين لوبان مجرّمة وخارجة عن القانون، هذا هو الاستنتاج الوحيد الممكن.. وعليها أن تسأل نفسها إن كان من اللائق لشخص مجرم أن يترشح للناخبين"، "في اللغة الدارجة، هذا يسمى سرقة.. ومن ذا الذي يريد سارقاً في الإليزيه؟" و"مرحباً بكم في جمهورية الأساور الإلكترونية!".
تلكم هي بعض تعليقات أحزاب اليسار الفرنسية على الحكم الذي صدر بحق زعيمة الحزب الوطني الفرنسي مارين لوبان، فيما تناولت قضيتها الصحف الفرنسية والعالمية فاستعرضت جميعها كيف نجحت لوبان في المناورة بين صفتي "المُدانة قضائياً" و"المرشحة الرئاسية"، محوّلة بذلك أزمتها القضائية إلى وقود لحملتها الانتخابية لعام 2027.
واتفقت كافة الصحف على اختلاف توجهاتها السياسية، من أقصى اليسار إلى اليمين، على 4 حقائق رئيسية:
أولا، تثبيت الإدانة وجدية الجريمة، حيث أجمعت على أن التهمة لم تعد محل شك، فمارين لوبان مدانة رسمياً بـ"اختلاس أموال عامة" بطريقة ممنهجة لحساب حزبها، وهو ما عكسه منطوق الحكم الذي صدر بحقها، إذ أثبت خطورة جريمة اختلاس لوبان مبلغ 2.8 مليون يورو (نحو 3 ملايين دولار) من أموال البرلمان الأوروبي لصالح وظائف وهمية لحزبها، وحكم عليها بالسجن 3 سنوات، منها سنة مع معاقبتها بارتداء سوار إلكتروني.
ثانيا، مرونة الحكم وقرار تبرئة الساحة السياسية، إذ رأت التحليلات أن قضاة محكمة الاستئناف تعمدوا تخفيف عقوبة "المنع من الترشح" (Inéligibilité) لرمي الكرة في ملعب الناخبين وتجنب اتهامهم بـ"إقصاء سياسي".
ثالثا، براعة المناورة والهروب الذكي عبر "النقض"، في هذه النقطة كذلك هناك إجماع على أن لجوء لوبان الفوري للطعن أمام محكمة النقض في الحكم الذي صدر بحقها هو تكتيك سياسي وقانوني بارع أتاح لها تعليق تنفيذ العقوبة (خاصة السوار الإلكتروني) لخوض المعركة الرئاسية بحرية كاملة.
رابعا، الدخول في نفق ديمقراطي مظلم، فقد اتفقت القراءات على أن هذا الحكم لم ينهِ الجدل بل افتتح حملة رئاسية لعام 2027 مليئة بالغموض، حيث بات المستقبل السياسي لفرنسا معلقاً بجدول زمني قضائي.
وانفردت صحيفة لوموند بتقديم تفكيك دقيق لمنطوق الحكم، مسلطة الضوء على الحيثية الفلسفية التي اعتمدها القضاة، حيث ركزت على مفهوم "تناسب العقوبة مع حرية اختيار الناخب" كشرط أساسي للتعبير الديمقراطي الأصيل، مفسرةً بذلك سر "الرأفة" القضائية المفاجئة.
وتميزت لوفيغارو بافتتاحية أدبية لاذعة صاغت فيها تعبيرات مجازية قوية، حيث كانت السباقة إلى وصف السوار الإلكتروني بأنه "الوشم المعاصر للمحكوم عليهم بالأعمال الشاقة"، وإلى القول إن لوبان تدخل المعركة وهي ترفع شعاراً ضمنياً لمحكمة النقض: "أوقفوني إن كنتم قادرين!"
وبدوره انتقد موقع ميديا بارت هذا الحكم، واتهم في تحليل للكاتب الاستقصائي فابريس آرفي القضاء نفسه بـ"الاستسلام والاضطرار للتراجع" تحت وطأة الضغوط السياسية والإعلامية العنيفة ضد القضاة منذ عام 2025.
وحاول تفكيك ما أسماه "تأثير النفق"، حيث يرى أن الإعلام انشغل بـ"السوار الإلكتروني" وتجاهل حقيقة أن لوبان أُدينت مرتين في عام واحد باختلاس الملايين.
كما طالب بتصحيح الأكاذيب التاريخية الرائجة في اليمين بأن قضايا الفساد كانت تعتبر "هفوات بسيطة" في عهد الزعيم الفرنسي الراحل ديغول.
ونظرت لوتان السويسرية إلى المشهد بعين "خارجية" محايدة، وانفردت بتحليل لوجستي يخص خصوم لوبان، حيث أشارت إلى أن ترشح لوبان قد يكون خدمة غير مقصودة لأعدائها، نظراً لأن منافسة الشاب جوردان بارديلا، الذي يتمتع بـ"نجومية" واسعة على وسائل التواصل وفكرة التجديد، كانت ستكون أصعب بكثير على القوى السياسية التقليدية مقارنة بلوبان التي سئم الجمهور خطاباتها المكررة لعقود.
وركزت صحيفة لاكروا، بشكل حصري على "خطر زعزعة الاستقرار الديمقراطي"، محذرة من السيناريو الكارثي الذي تفرضه لوبان، حيث ستخوض حملة انتخابية وهي مهددة بالانسحاب في أي لحظة قبل أسابيع من التصويت إذا صدر بحقها حكم النقض النهائي، مما يضع القضاء في مواجهة شديدة مباشرة مع ملايين الناخبين ويعزز الشعبوية المدمّرة.
وانفردت لونوفيل أوبس بنقل الهجوم اللفظي القاسي لتيار اليسار، حيث ركز تماماً على تعريتها أخلاقياً أمام الرأي العام عبر تكرار مصطلحات مثل اللصة أو المجرمة، وسخرت بشكل لاذع من تناقض حزبها مجبرةً إياه على الاختيار بين "إدارة حملة انتخابية بكأس في اليد أو بسوار إلكتروني في الكاحل"، كما يقول بعض ناشطي "فرنسا الأبية".
أما صحيفتا نيويورك تايمز وبوليتيكو الأمريكيتان فاهتمتا بوضع الحالة الفرنسية في سياق عالمي، إذ قارنت الأولى بين هذه الحالة مباشرة و"نموذج الرئيس الأميركي دونالد ترمب" في الصراع المتصاعد بين القادة الشعبويين والمؤسسات القضائية والرقابية عالمياً، فيما لفتت بوليتيكو إلى جينات لوبان السياسية، واصفة إياها بـ"الناجية المطلقة" (The ultimate survivor) التي تقتات سياسياً على الأزمات والمظلومية.
وبينما يراها خصومها "مجرمة هربت من العقاب الفوري"، نجحت مارين لوبان في إعادة تقديم نفسها كـ"مرشحة فوق العادة"، حيث امتصت الصدمة القضائية ببراعة، وحولتها إلى حملة إعلامية مستمرة تفرض فيها توقيتها القضائي الشخصي كأجندة سياسية أولى لفرنسا، لتصدق توقعات صحيفة لوتان بأن "هذا الحكم يفتح باب الحملة الرئاسية الفرنسية أكثر بكثير مما يغلقه".