
واشنطن- في زمن لم تعد فيه الحروب تُقرأ بعدد الدبابات والطائرات فحسب، بل بما تملكه الجيوش من مسيّرات وبيانات وذكاء اصطناعي، كان اسم الجنرال كريستوفر دوناهو حاضرا داخل الجيش الأمريكي بوصفه أحد الوجوه القادرة على فهم هذا التحول وقيادته.
وصعد الضابط دوناهو من عالم العمليات الخاصة، ومر بأفغانستان وأوكرانيا وأوروبا، حتى صار في تغطيات أمريكية "نجما صاعدا" و"مقاتلا من الطراز الأول".
لكن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ربما رأى خلاف ذلك، إذ أفادت صحف أمريكية بأن الوزير دفع دوناهو، قائد الجيش الأمريكي في أوروبا وأفريقيا إلى التقاعد، في خطوة بدت لكثيرين داخل المؤسسة العسكرية إطاحة بضابط كان مرشحا لأدوار أكبر في لحظة يعاد فيها تعريف الحروب المقبلة.
إطاحة ملتبسة
وقالت نيويورك تايمز إن دوناهو سيترك قيادة الجيش الأمريكي في أوروبا وأفريقيا في 2 يوليو/تموز، على أن يتقاعد في أغسطس/آب، بعدما أجبره هيغسيث على التنحي.
ووصفت الصحيفة الخطوة بأنها ضربة لمن كانوا يرونه قائدا محوريا في دفع الجيش إلى التكيف مع ساحات قتال تهيمن عليها المسيّرات والذكاء الاصطناعي.
وأضافت الصحيفة أن دوافع هيغسيث لا تزال غير واضحة، خصوصا أن وزير الحرب أقال أو همّش، خلال 18 شهرا الماضية، عددا من أكثر قادة الجيش خبرة في القتال.
وذكرت الصحيفة أن الرجلين لم يلتقيا إلا مرة واحدة، خلال زيارة قصيرة قام بها هيغسيث لبولندا في فبراير/شباط 2025، وأن اللقاء وُصف بأنه ودي.
أما واشنطن بوست فقالت إن هيغسيث عطل جهودا غير معلنة داخل الجيش والكونغرس لتمديد مسيرة دوناهو أو نقله إلى منصب آخر، مما انتهى بالجنرال إلى تقديم أوراق تقاعده.
ونقلت الصحيفة عن ضابط كبير متقاعد وصفه لدوناهو بأنه "أفضل مقاتل لدينا على كل المستويات".
تخفيض أم تصفية؟
وحسب وول ستريت جورنال ، يعرض البنتاغون خروج دوناهو في إطار خطة أوسع يقودها هيغسيث لتقليص عدد الجنرالات والأدميرالات بنسبة 10%، وخفض المناصب ذات الأربع نجوم بنسبة 20%.
لكن الصحيفة نقلت عن مشرعين ومسؤولين عسكريين سابقين رأيا آخر، مفاده أن القرار يعكس أجندة مختلفة، تقوم على إبعاد ضباط ذوي سجل قتالي وخبرة قيادة، لصالح شخصيات أقل إنجازا لكنها تتسم بالولاء السياسي.
وذهبت واشنطن بوست في الاتجاه نفسه، إذ قالت إن دوناهو يبدو أحدث ضحية في حملة هيغسيث ضد قادة عسكريين يراهم غير مخلصين بما يكفي لإدارة ترمب، أو يضعهم المحافظون في خانة "الجنرالات الووك" (نسبة إلى ثقافة الووك حيال التمييز والتنوع)، وذلك ضمن جهود إزالة معايير التنوع والإنصاف والشمول التي يقول هيغسيث إنها أضعفت فعالية المؤسسة العسكرية.
ظل أفغانستان
ومع أن البنتاغون لم يقدم تفسيرا مباشرا لإبعاد دوناهو، فقد أعادت صحف أمريكية قراءة القرار في ضوء ملف أفغانستان، ولا سيما الانسحاب الأمريكي الفوضوي من كابل عام 2021، وهو الملف الذي انتقده هيغسيث مرارا وتعهد بمراجعة المسؤوليات عنه.
وتقول واشنطن بوست إن دوناهو تحول إلى هدف سياسي بعد تلك العملية، رغم أنه لم يكن صاحب قرار الانسحاب نفسه، بل أُرسل إلى أفغانستان قائدا للفرقة 82 المحمولة جوا بعد انهيار الحكومة المدعومة من واشنطن ودخول طالبان العاصمة.
وبحسب الصحيفة، كانت مهمة دوناهو هي استعادة قدر من النظام داخل مطار كابل وتأمين استمرار رحلات الإجلاء، بعدما تحولت بوابات المطار إلى نقطة ضغط هائلة لآلاف الأفغان الساعين إلى المغادرة.
لكن اللحظة التي بقيت تطارد ملف كابل جاءت عند بوابة آبي، حيث قتل 13 جنديا أمريكيا ونحو 170 أفغانيا في تفجير انتحاري تبناه تنظيم الدولة في 26 أغسطس/آب 2021.
ونقلت واشنطن بوست عن مطلعين أن دوناهو وقواته لم يكونوا مسؤولين عن تأمين تلك البوابة وقت الهجوم، إذ كانت المسؤولية هناك -حسب وول ستريت جورنال- لدى مشاة البحرية.
في المقابل، تقول نيويورك تايمز إن قوات دوناهو ساعدت في إجلاء ما يصل إلى 124 ألفا من الحلفاء الأفغان، في واحدة من أكبر عمليات النقل الجوي في التاريخ العسكري الأمريكي.
وبعد أيام، أصبح دوناهو وجه النهاية الرمزية للحرب، حين نشر البنتاغون صورته وهو يصعد إلى طائرة عسكرية بوصفه آخر جندي أمريكي يغادر أفغانستان.
غير أن هذه الصورة نفسها أصبحت -لدى منتقديه- جزءا من القضية لا من المجد. وقد نقلت واشنطن بوست عن أنتوني تاتا، الجنرال المتقاعد الذي يشغل الآن منصبا في البنتاغون، انتقاده السابق لدوناهو، متسائلا "ألا يحاسب القادة؟".
وكتب تاتا أن مقتل 13 عسكريا أمريكيا وإصابة العشرات، فضلا عن مئات المدنيين، يطرح سؤال المسؤولية، مهاجما ما وصفه بالصورة "المفبركة" لآخر جندي أمريكي على الأرض.
أما أنصار دوناهو -كما تنقل واشنطن بوست- فيجادلون بأنه لم يكن مسؤولا عن القرار السياسي بالانسحاب، ولا عن تأمين بوابة آبي، بل نفذ مهمة شديدة التعقيد في لحظة انهيار كامل، ونجح في إدخال قدر من النظام والأمن إلى عملية إجلاء كادت تخرج عن السيطرة.
من كابل إلى أوكرانيا
تقول نيويورك تايمز إن تلك الصورة الليلية الشهيرة رفعت حضوره العام داخل الجيش وخارجه، لكنه لم يبق أسير تلك اللحظة.
فبحسب الصحيفة، رُقي دوناهو لاحقا إلى قيادة الفيلق الـ18 المحمول جوا، وأشرف في هذا المنصب على شراكة قدمت لأوكرانيا السلاح والاستخبارات والمشورة الميدانية، وساعدت قواتها في صد الهجوم الروسي الواسع واستعادة مناطق في خاركيف وخيرسون خلال هجوم مضاد مدعوم أمريكيا.
وتقول وول ستريت جورنال إن دوناهو، بعد توليه قيادة الجيش الأمريكي في أوروبا، ساعد في إعادة صياغة جهد حلف الناتو للدفاع ضد روسيا ودعم أوكرانيا.
كما قالت نيويورك تايمز إنه أسس، خلال 18 شهرا الماضية، مبادرة "ردع الجناح الشرقي"، وهي تصور قتالي يجمع الحواجز الميدانية والأنظمة المأهولة وغير المأهولة والمستشعرات المتقدمة والمسيّرات الهجومية واعتراض المسيّرات منخفضة الكلفة، مستندا إلى دروس حرب أوكرانيا.
ونقلت الصحيفة عن المتحدث باسم القيادة العليا لقوات الحلفاء في أوروبا قوله إن دوناهو كان محركا لإعادة تصور كيفية تكيف الناتو، بما في ذلك الولايات المتحدة، مع الذكاء الاصطناعي والبيانات، للهيمنة على ساحات القتال المقبلة.
قلق أوروبي
من جانب آخر، أشارت نيوزويك إلى أن خروج دوناهو يثير قلقا بين حلفاء واشنطن في أوروبا، لا سيما أنه يقود أيضا القوات البرية للناتو في القارة.
وبحسب المجلة، جاء ذلك بعد أيام من انتقاد هيغسيث الحاد للحلفاء الأوروبيين بسبب انخفاض إنفاقهم الدفاعي واعتمادهم على الولايات المتحدة، وإعلانه مراجعة تمتد ستة أشهر للقوات الأمريكية في أوروبا.
ونقلت المجلة عن مسؤول عسكري بريطاني أن دوناهو "يحظى بتقدير عالٍ جدا في الجيش البريطاني"، كما نقلت عن إد أرنولد، الباحث في معهد الخدمات الملكية المتحدة في لندن، قوله إن القادة الأوروبيين سيشعرون على الأرجح بالإحباط من خسارته، وإن ما يحدث "ليس حادثا معزولا"، مضيفا أن مغادرة بعض كبار الضباط أمر مألوف مع كل إدارة جديدة، "لكن ما يجري الآن من طبيعة مختلفة".