من العقار إلى العقيدة.. كيف يعيد اليمين المسيحي بناء نفسه في أمريكا؟

الامة برس-متابعات:
2026-06-15 | منذ 2 ساعة

تأتي هذه التجربة المحلية في لحظة أوسع تتحرك فيها القومية المسيحية داخل اليمين الأمريكي من موقع الاحتجاج على الليبرالية إلى محاولة بناء بدائل عنها (ا ف ب)واشنطن- في ولاية تينيسي، يرصد تحقيق لمجلة بوليتيكو مشروعا عقاريا جديدا يحمل اسم "هايلاند ريم"، تقوم عليه شركة "ريدج رنر" في ريف الولاية.

للوهلة الأولى، يبدو المشروع جزءا من موجة مألوفة في أمريكا ما بعد الجائحة: عائلات تغادر المدن، وأثرياء يعملون عن بعد يبحثون عن مساحة أوسع، وبلدات ريفية تحاول استعادة الحياة عبر الاستثمار والسكن الجديد.

لكن التحقيق يذهب إلى ما وراء الواجهة العقارية. فالمشروع، كما تعرضه المجلة، لا يبيع الأرض وحدها، بل يقدّم تصورا كاملا للحياة: أحياء ذات طابع مسيحي محافظ، وكنائس ومدارس ومساحات مشتركة، وسكان يُفترض أن تجمعهم رؤية ثقافية وسياسية متقاربة.

هنا لا تبدو "العودة إلى الريف" مجرد خيار معيشة، بل تجربة في بناء مجتمع على مقاس اليمين الأمريكي الجديد.

تأتي هذه التجربة المحلية في لحظة أوسع تتحرك فيها القومية المسيحية داخل اليمين الأمريكي من موقع الاحتجاج على الليبرالية إلى محاولة بناء بدائل عنها.

وفي حين يلاحق تحقيق بوليتيكو صورتها العملية في تينيسي، يقرأ ديفيد فرنش في نيويورك تايمز جذورها الفكرية والتاريخية، ضمن نقاش أمريكي أوسع حول يمين جديد لا يكتفي بخوض المعركة من واشنطن، بل يسعى إلى خوضها في معالم الحياة اليومية.

أفكار قديمة بثوب جديد

ينطلق فرنش من نقد تسمية "اليمين الجديد" نفسها. فالجديد هنا، في رأيه، ليس الأفكار بل اللحظة التي عادت فيها إلى مركز النقاش الأمريكي.

ويرى فرنش أن الجناح القومي المسيحي داخل حركة ماغا يعيد إنتاج نزعات قديمة في العداء لليبرالية، والارتياب من الحقوق الفردية، وتمجيد الأسرة الهرمية والجماعة المتجانسة، والنظر إلى التعددية بوصفها علامة انحلال لا علامة حيوية سياسية.

في قراءة فرنش، يقوم هذا اليمين على اتهام الليبرالية بأنها أضعفت المجتمع أخلاقيا، وحررت الفرد من روابط الأسرة والكنيسة والجماعة المحلية، وفتحت الباب أمام النسوية والهجرة والعلمنة وتفكك الهوية.

ومن هذا التشخيص يولد الوعد المضاد: استعادة الأمة عبر الأسرة التقليدية، والانضباط الأخلاقي، والتراتبية الاجتماعية، والهوية الدينية.

لهذا يستحضر فرنش تجربة نظام فيشي في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. لا يقدمها بوصفها مطابقة جاهزة للحالة الأمريكية، بل مثالا على بنية فكرية تبدأ من إعلان فشل الديمقراطية الليبرالية، ثم تعرض الخلاص في صورة عودة إلى الأمة والأسرة والطاعة و"الجماعات الأصيلة".

في تلك التجربة، كما يقرأها فرنش من خلال كتابات المؤرخ جوليان جاكسون، أصبحت الأسرة نواة النظام الاجتماعي، ووضعت المرأة داخل البيت، وتحول الانتماء الوطني إلى أداة لفرز المواطنين بين من يُعدون جزءا أصيلا من الأمة ومن يُدفعون إلى هامشها.

ما يهم فرنش ليس الماضي الفرنسي وحده، بل اللغة التي تتكرر اليوم في بعض أوساط اليمين الأمريكي. فالهجرة تُصوَّر غزوا، وحقوق المرأة تُقدَّم تهديدا للأسرة، والفردانية تُوصف انحلالا، والديمقراطية تُدان كلما عجزت عن إنتاج المجتمع المحافظ الذي يريده هؤلاء.

هكذا يصبح الخوف من الانهيار وقودا سياسيا لا غنى عنه. فكلما بدا البلد على حافة كارثة، سهل تبرير تقليص الحريات باسم الإنقاذ، وإعادة السلطة الأبوية باسم حماية المجتمع.

تجربة في تينيسي

في قلب تجربة تينيسي يقف جوش أبوتوي، مؤسس شركة "ريدج رنر" وأحد الوجوه المرتبطة بشبكة اليمين الجديد. تتابعه بوليتيكو وهو يعاين أرضا ريفية لا يراها مشروعا عقاريا فحسب، بل مساحة قابلة لصياغة نمط حياة كامل: من البيت والمدرسة إلى الكنيسة والسوق المحلي.

وتقول المجلة إن "ريدج رنر"، المرتبطة بصندوق الاستثمار المحافظ "نيو فاوندنغ"، اشترت أو تعاقدت على شراء آلاف الأفدنة في منطقة أبالاتشيا، وقسمتها إلى مئات القطع المخصصة لعائلات تبحث عن حياة ريفية محافظة.

غير أن المشروع لا يقوم على السكن وحده؛ فتصميمه يشمل أحياء ذات طابع معماري محدد، ومزارع مشتركة، ومساحات عامة، وكنائس ومدارس، إضافة إلى شركات "منسجمة" مع روح المكان.

هنا يتضح البعد السياسي للتجربة. فالعامل الديني، كما ينقل التحقيق عن أبوتوي، ليس عنصرا مضافا إلى الحي بل جزء من تصميمه. والهدف ليس الانسحاب من السياسة، بل خوضها من طريق آخر: بناء مجتمعات صغيرة تجسد النموذج المحافظ في الحياة اليومية، بدل انتظار حسم المعركة في واشنطن وحدها.

نخبة تبني ريفها الخاص

تكمن إحدى مفارقات المشروع في أنه يهاجم عالم النخب، لكنه يتحرك بأدوات نخبوية واضحة. فأبوتوي نفسه درس في هارفارد وعمل في مؤسسات مالية كبرى.

وخلف المشروع مال استثماري، وشبكات محافظة، وعاملون عن بعد، وأصحاب دخول عالية يستطيعون نقل حياتهم من المدن والضواحي إلى ريف أقل تكلفة وأوسع مساحة وأقل قيودا تنظيمية.

لغة العودة إلى الأرض والجذور لا تلغي هذه الحقيقة. فالمشروع لا يجذب عائلات محلية فقيرة تبحث عن بيت وحسب، بل يستقطب طبقة قادرة على شراء الأرض وبناء نمط حياة جديد. هنا يبرز سؤال بوليتيكو الأكثر حساسية: هل ينعش المشروع البلدة التي يستقر على أطرافها، أم يبني فوق ريفها مجتمعا خاصا لأثرياء اليمين الجديد؟

يرى أبوتوي أن المشروع سيجلب أعمال البناء، والضرائب، والإنفاق المحلي، وسيعيد الحياة إلى مناطق عانت من التراجع الصناعي ونزيف السكان والفرص.

غير أن بعض السكان المحليين لا يطمئنون إلى هذا الوعد. فالحفاظ على المكان، بالنسبة إليهم، لا يعني أن تأتي نخبة جديدة لتعيد تعريفه. وما يبدو لأصحاب المشروع "إحياءً محافظا" قد يبدو لآخرين نوعا من الإحلال الطبقي الناعم، أو تحديثا ريفيا بلباس يميني.

انتقادات محافظة

لا يأتي الرفض من الليبراليين وحدهم. في غينزبورو، كما يوضح تحقيق بوليتيكو، يختلف بعض المحافظين المحليين مع روح المشروع، لا لأنهم يساريون أو علمانيون، بل لأنهم ينتمون إلى مزاج ريفي قديم يكره الوصاية.

هذا الخلاف يكشف مسافة مهمة بين اليمين الجمهوري القديم واليمين الجديد. فاليمين القديم، في صورته المحلية، كان يرفع الشك في السلطة شعارا أساسيا، حتى إن تناقض أحيانا مع ممارساته.

أما اليمين الجديد فلا يخشى السلطة بحد ذاتها، بل يخشى أن تبقى في يد خصومه. إذ يريد سلطة محافظة، قادرة على صياغة السلوك العام عبر السياسة حين تستطيع، وعبر السوق والعقار والمدرسة والكنيسة حين تتعذر السياسة.

لذلك لا تبدو تجربة تينيسي مجرد مشروع سكني محافظ، بل اختبارا مبكرا لنوع السلطة الذي يتخيله اليمين الجديد. فإذا نجحت، فستمنحه حجة عملية تقول إن بوسعه بناء مجتمع بديل، لا مجرد الشكوى من هيمنة الليبراليين.

وما يجمع نص فرنش وتحقيق وارد أن القومية المسيحية لم تعد خطابا اعتراضيا فحسب. هي تتحول إلى هندسة اجتماعية هادئة، تبدأ من اختيار الأرض، ثم تصميم البيوت، وتحديد شكل المدرسة، وطبيعة السوق، ومكان الكنيسة، ونوع السكان الذين سيجدون أنفسهم منسجمين مع كل ذلك.












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي