
تقرير وتوثيق أعده للنشر: هايل علي المذابي- يواجه اليمن، مهد الحضارات القديمة، كارثة وطنية لا تقل فداحة عن آثار الحرب المباشرة، وهي "تجريف الهوية" المتمثل في النهب الممنهج والتهريب المنظم لآثاره التاريخية. هذا التقرير يسلط الضوء على آليات هذا النزيف المستمر، بحسب سيدتي.
* ثمة شواهد كثيرة على النهب، من الميدان إلى المزادات، حيث كشفت التحريات والمتابعات، وعلى رأسها جهود الباحث المتخصص عبدالله محسن، عن حقائق صادمة حول مصير الآثار اليمنية:
تقديرات مفزعة: تشير تقديرات غير معلنة إلى خروج نحو 23 ألف قطعة أثرية خلال سنوات الحرب، تشمل تماثيل، نقوشاً مسندية، شواهد قبور، وقطعاً ذهبية وعملات.
مسارات التهريب: تتم عمليات النهب عبر عصابات منظمة تعمل في الداخل، وتستغل الانقسام السياسي وغياب الرقابة في المناطق الأثرية (مثل محافظة الجوف) لتهريب الآثار عبر البحر إلى الأسواق الدولية.
المزادات العالمية: تُعرض هذه القطع، التي نُزعت من سياقها التاريخي والمكاني، في دور مزادات شهيرة في الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا دون أوراق ملكية، مما يجعلها سلعة تباع وتُشترى.
* تمثل حالة استعادة تمثال "ملك قتبان" من فرنسا، نجاح اليمن في استعادة تمثال "ملك قتبان" (شهر هلال) و15 قطعة أخرى من فرنسا نموذجاً لما يمكن تحقيقه:
الصدفة تكشف المستور: تم ضبط المجموعة في يناير 2020 أثناء تفتيش روتيني لمستودع في ضواحي باريس.
خيوط الجريمة: كانت القطع جزءاً من مجموعة مملوكة لفرنسي من أصول إيطالية، وبعضها كان مودعاً في متحف بإسبانيا قبل أن ينتهي بها المطاف في مستودع بضائع، مما يطرح أسئلة حول شبكات التهريب الدولية.
الدور الدبلوماسي: استغرقت العملية خمس سنوات من التحري والتقاضي، بجهود مكثفة من سفارة اليمن في فرنسا واليونسكو، وبدعم من بيان أصالة قدمه خبراء آثار دوليون.
*إن "لعنة" غياب السلامة والبحث عن الهوية لا يقتصر خطرها على التهريب فحسب، بل يمتد إلى التدمير الميداني الذي يتمثل في تخريب المواقع، فقد تعرضت مواقع أثرية في الجوف ومأرب للنبش العشوائي، بل وتحول بعضها إلى ثكنات عسكرية واستُخدمت أحجارها لبناء الدشم.
أما الجانب الآخر للخطر فهو في الوفيات الغامضة، فقد كشف الباحث عبدالله محسن عن وفاة أكثر من 20 باحثاً آثارياً في ظروف غامضة، مؤكداً أن غياب وسائل السلامة عند التعامل مع المومياوات والمخطوطات والمواقع المغلقة يعرّض الباحثين لمخاطر صحية قاتلة.
ومؤخرا دعت شخصيات أكاديمية متخصصة (مثل الدكتورة عميدة شعلان) إلى إعلان "حالة طوارئ" لحماية مواقع مثل معبد أوام (محرم بلقيس) وعرش بلقيس في مأرب من التهديدات المتصاعدة.
*سؤال التقرير: كيف نحمي ما تبقى؟
خلصت المعطيات إلى ضرورة تحرك عاجل يتجاوز البيانات الإنشائية:
- إنشاء شرطة لحماية الآثار: تفعيل قوة متخصصة ومدربة، أسوة بالنماذج الدولية، للحد من النبش والتهريب.
- استراتيجية وطنية موحدة: تجاوز الانقسام السياسي في إدارة الملف الثقافي لتوحيد جهود استعادة الآثار.
- التوثيق الرقمي: حصر وتوثيق كل القطع الأثرية (كما تفعل هيئة الآثار والمتاحف في قائمتها للآثار المنهوبة) لقطع الطريق على بيعها في المزادات.
- الضغط الدبلوماسي: الاستفادة من الاتفاقيات الدولية (مثل اتفاقية اليونسكو 1970) لملاحقة دور المزادات التي تعرض آثاراً يمنية مسروقة.
ونختم بما قاله الباحث المتخصص عبدالله محسن: "تهريب كل قطعة لا يعني فقدان أثر مادي فحسب، بل ضياع جزء من تاريخ اليمن القديم ضياعاً دائماً غير قابل للاستعادة."