
نشرت مجلة “نيوزويك” تقريرا أعده توم أوكونور تساءل فيه عن السبب الذي عجز فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مواصلة الحرب. وقال إن التقارير تتزايد عن اتساع الفجوة بين ترامب ونتنياهو، وسط الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المستمرة ضد إيران وحلفائها الإقليميين.
وأضاف أوكونور أن الخلاف حقيقي، فقد حث ترامب نتنياهو علنا في مناسبات عديدة على تجنب المزيد من التصعيد، وأكد قبل فترة وقوع مشادة كلامية حادة على الأقل، انتقد فيها نتنياهو لمواصلته العمليات العسكرية في لبنان، التي تعتبرها إيران خطا أحمر في المفاوضات الهشة بين واشنطن وطهران. وعندما دفعت الضربات الإسرائيلية على بيروت إيران إلى الرد، ناشد ترامب حليفه مجددا، دون جدوى، ضبط النفس. وانتهى تبادل الاتهامات الذي استمر يومين، يوم الاثنين، بمؤشرات واضحة على التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
مع ذلك، يحذر المحللون والمسؤولون السابقون من تفسير الخلافات الأخيرة كدليل على قطيعة جوهرية بين الرجلين اللذين لطالما اختلفا تكتيكيا واتفقا استراتيجيا.
وقال دان روثم، كبير محللي السياسات في منتدى السياسة الإسرائيلية، والذي قدم إحاطات لمسؤولين أمريكيين وإسرائيليين حول الشؤون الإقليمية، لمجلة “نيوزويك”: “لا أراهن ضد علاقة نتنياهو وترامب. فقد أثبتا أكثر من مرة أنهما أكثر توافقا وتنسيقا مما يفترضه كثير من المراقبين. ورغم ظهور بعض الخلافات، إلا أنهما عادة ما يتجاوزانها ويتوصلان إلى فهم مشترك للتحديات والنهج”.
ويضيف روثم أن الأمر لا يتعلق بالقدرات، بل بإرادة البيت الأبيض. فترامب، كأي رئيس أمريكي، “يمتلك نفوذا كبيرا على إسرائيل”.
مستدركا أن “السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ترامب يرى في استخدام هذا النفوذ خدمة لمصالحه، وحتى الآن مارس بعض الضغوط بشأن قضايا لبنان وإيران، لكنه تجنب إلى حد كبير الصدام المباشر مع نتنياهو، الذي يفهمه استراتيجيا وسياسيا”.
فهذه ليست المرة الأولى التي تطفو فيها على السطح الخلافات بين ترامب ونتنياهو.
فقد بدأ الرئيس الأمريكي ولايته الثانية بالضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار مع حركة حماس الفلسطينية، التي أشعلت فتيل الحرب الإقليمية بهجومها المفاجئ في تشرين الأول/أكتوبر 2023. لكن ترامب لم يظهر مقاومة عندما أعادت إسرائيل إشعال الصراع في غزة بعد انهيار المفاوضات، رغم ظهور بعض التصدعات آنذاك أيضا.
وكان رد فعل ترامب على قصف إسرائيل لاجتماع حماس في قطر، وسط مسعى ثان للسلام في أيلول/سبتمبر الماضي، أكثر حدة. وقدم نتنياهو اعتذارا نادرا بحضور ترامب مباشرة في المكتب البيضاوي، ووقع على اتفاق سلام جديد بعد ذلك بوقت قصير.
إلا أن التحدي الإيراني أثبت أنه أكثر تعقيدا. لم يعترض ترامب، أثناء انخراطه في مفاوضات مع الجمهورية الإسلامية، على قرار إسرائيل شن حملة ضربات غير مسبوقة ضدها، بل وانضمت الولايات المتحدة إليها لتدمير ثلاث منشآت نووية شديدة التحصين. وما تلا ذلك كان أحد أبرز توجيهاته ضد أي تحرك إسرائيلي إضافي، ما أدى، بحسب التقارير، إلى تراجع عشرات الطائرات الحربية الإسرائيلية في ما كان يفترض أن يكون الجولة الأخيرة من الضربات في الحرب التي استمرت 12 يوما.
كما ظهرت تقارير عن استياء جديد في وقت سابق من هذا العام، حيث سعى نتنياهو إلى اتخاذ إجراء أمريكي مباشر عقب قمع إيران للاحتجاجات وبدء محادثات جديدة بين واشنطن وطهران.
وفي نهاية المطاف، وافق ترامب على ذلك، مؤيدا سلسلة من الضربات في أواخر شباط/فبراير أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وعشرات القادة البارزين، فضلا عن تدمير مواقع عسكرية إيرانية أخرى.
ولكن الحرب لم تؤد إلى النصر السريع نفسه الذي زعم ترامب ونتنياهو أنهما حققاه في حزيران/يونيو 2025. فلم تصمد إيران أمام التدخل فحسب، بل تسببت بخسائر فادحة لتجارة النفط والغاز من خلال سيطرتها على مضيق هرمز، مما زاد من الضغوط على البيت الأبيض.
ويجادل دينيس روس، الدبلوماسي الأمريكي المخضرم الذي شغل مناصب عديدة في وزارة الخارجية الأمريكية معنية بشؤون الشرق الأوسط، بأن “هناك تباينا حقيقيا” بين ترامب ونتنياهو “لأن مصالحهما مختلفة”.
وقال روس لمجلة “نيوزويك”: “يريد الرئيس ترامب فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، ولم يعد يذكر الصاروخ الباليستي الإيراني أو التهديد بالوكالة”. وأضاف: “حتى فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، قد يشدد على أن إيران لا يمكنها امتلاك سلاح نووي، لكن معاييره لتحقيق ذلك أقل صرامة بكثير من معايير رئيس الوزراء نتنياهو”.
وأشار روس إلى أن نتنياهو “يريد شحن أو تدمير جميع اليورانيوم المخصب”، وليس فقط اليورانيوم عالي التخصيب، و”ضمان عدم إعادة بناء أي من البنية التحتية والمنشآت النووية المتعلقة بدورة الوقود النووي”. وتابع روس: “بصرف النظر عن القضية النووية، يركز بيبي على مخزونات الصواريخ الباليستية ومرافق إنتاجها والوكلاء”.
وقد يرغب الرئيس ترامب في إنهاء الحرب، لكن نتنياهو لا يريدها أن تنتهي قبل إلحاق المزيد من الضرر بمخزونات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية، والأنفاق التي كانت تحفظ فيها أعداد كبيرة منها، وقبل أن يصبح من الصعب على الإيرانيين إعادة بناء قدراتهم الإنتاجية الصاروخية.
وفي النهاية، أكد روس أن ترامب “يملك بالتأكيد القدرة على كبح جماح رئيس الوزراء نتنياهو”، مشيرا إلى أحداث رئيسية خلال العام الماضي أثبتت هذه القدرة. وأما لماذا لا يمارس ترامب النفوذ الذي يملكه بشكل أكبر؟ فهو “يفعل ذلك عندما يعتقد أنه يصب في مصلحته”، كما قال روس، وهو “يحدد تلك الظروف بدقة، لكننا رأيناه يتصرف”.
وعلق دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق في إسرائيل والذي يشغل حاليا منصب زميل بارز في المجلس الأطلسي، على وضع مشابه فيما يتعلق بالخلاف بين ترامب ونتنياهو، قائلا لمجلة “نيوزويك”: “تباينت مصالح ترامب ونتنياهو بشكل كبير منذ بداية الحرب، وكذلك مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. يريد ترامب إنهاء الحرب ويركز على ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحا، ويمكنه الادعاء باتخاذ خطوات ذات مصداقية لعرقلة البرنامج النووي الإيراني. كما أنه لا يريد أن يؤدي القتال في لبنان إلى تعطيل المحادثات مع إيران”.
وأضاف شابيرو: “يفضل نتنياهو مواصلة القتال وإضعاف النظام في إيران، ولا يعتقد بإمكانية التوصل إلى اتفاق نووي جيد، ويريد أن يكون قادرا على الرد على هجمات حزب الله ضد إسرائيل بضربات قوية في لبنان. وهذا خلاف كبير، لكن ترامب سيتخذ القرار عندما تنتهي الحرب في إيران، وسيتعين على نتنياهو قبوله”.
ويأتي ذلك في وقت يتوقف فيه مستقبله على التوازن بين تحقيق إنجازات ملموسة خلال الحرب والحفاظ على رضا ترامب.
وقال شابيرو: “المخاطرة السياسية الأكبر في هذا الخلاف تقع على عاتق نتنياهو الذي قدم نفسه للناخبين الإسرائيليين بصفته حامي أمن إسرائيل وصديق دونالد ترامب المقرب، نظرا لشعبية ترامب في إسرائيل”.
ولكنه “يواجه الآن احتمال خوض حملة انتخابية في وقت تجبر فيه إسرائيل على عدم قتال أعدائها الذين ما زالوا يشكلون خطرا عليها، ومن الواضح أن علاقته بترامب متوترة وتعرض قرارات إسرائيل السيادية بشأن أمنها للخطر. وهي معضلة خطيرة تنتزع منه نقاط القوة الرئيسية لدى الناخبين الإسرائيليين”.
ولا تقتصر مشاكل نتنياهو على المجال السياسي فحسب، بل يواجه أيضا محاكمة جارية بتهم فساد، إلى جانب العديد من الفضائح الأخرى التي قد تتحول إلى طعون قانونية. وقدم ترامب، الذي واجه أيضا العديد من التهم الجنائية في السنوات الأخيرة، الدعم لنتنياهو، وهو أمر يقال إنه ذكر به رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال مكالمتهما الهاتفية المتوترة الأسبوع الماضي.
ومن الناحية الظاهرية، بدا هذا الموقف وكأنه يؤكد التوقعات بتصاعد الخلاف بين الرجلين. ولكن على الرغم من أن “دوافعهما السياسية ليست متطابقة”، ومع اقتراب انتخابات مصيرية لنتنياهو، كما يرى روثم، فمن المرجح أن يسعى كلاهما إلى استغلال الضجة الإعلامية المحيطة بخلافهما الظاهر.
ويقول روثم: “لا يزال من المبكر معرفة ما إذا كان إظهار التباعد علنا بينهما سيفيد أيا منهما سياسيا. لكن نتنياهو، وربما ترامب أيضا، مدركان تماما للتوجهات السياسية، وسيحاولان اقتناص أي فرصة قبل أن يدركها العديد من خصومهما”.
ومهما كان حجم الخلاف بين ترامب ونتنياهو، إلا أن خصمهما المشترك قد يلعب دورا مؤثرا في هذا الوضع المتقلب، وبخاصة في حال تقدمت الدبلوماسية.
وقال روثم: “من المفارقات أن مستقبل العلاقة قد يعتمد في نهاية المطاف على إيران، فإذا استمرت طهران في نهجها التصادمي مع واشنطن، فمن المرجح أن يبقى ترامب ونتنياهو متحالفين. أما إذا اتجهت إيران نحو اتفاق حقيقي مع الولايات المتحدة، فقد يصبح ذلك الاختبار الأخطر للعلاقة بين الرجلين”.
ورأى حسن بهشتيبور، المحلل الإيراني للشؤون الدولية، عدة طرق يمكن للولايات المتحدة من خلالها أن تزيد الضغط على إسرائيل، وهو مسعى يرى أنه قد يكون له أثر بالغ في تحديد إمكانية الحفاظ على السلام على المدى البعيد.
وقال بهشتيبور لمجلة “نيوزويك”: “تملك الولايات المتحدة القدرة على كبح جماح إسرائيل، على سبيل المثال، من خلال وقف مبيعات الأسلحة أو عدم استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرارات مجلس الأمن الدولي، إذا ما توفرت لديها الإرادة السياسية اللازمة”، مضيفا: “بإمكان الولايات المتحدة أن تعلن صراحة أن التنفيذ الكامل لاتفاقيات إبراهيم وأي اتفاقيات تطبيع جديدة في المنطقة (بما في ذلك مع السعودية) مشروط بوقف إسرائيل لهجماتها على لبنان وسوريا وإيران والعراق، فضلا عن وقف سياساتها التوسعية في الضفة الغربية. هذه الورقة الرابحة أقوى بكثير من أي شيء استخدمته واشنطن حتى الآن”.
واستدرك قائلا: “ما لم تستخدم الولايات المتحدة هذه الورقة الرابحة، سيظل أي اتفاق مع إيران هشا، لأن إسرائيل تملك الوسائل والدوافع لتقويضه. وفي هذه الحالة، لن يتعرض لبنان وحده، بل المنطقة بأسرها، لجولة جديدة من عدم الاستقرار”.