
في واحدة من أبرز قصص النجاح بقطاع التكنولوجيا التعليمية البريطاني، تستخدم واحدة من كل 5 مدارس بالمملكة المتحدة، أنظمة معلومات ومنصات إدارة مدرسية طورتها شركة أسسها رجل أعمال تركي.
وتستخدم نحو 6 آلاف مدرسة في إنجلترا وويلز وأيرلندا الشمالية أنظمة تطورها شركة "برومكوم" (Bromcom)، التي أسسها رجل الأعمال التركي علي غوريال.
تلك الأنظمة تتيح إدارة بيانات الطلاب والمعلمين، وتسجيل الحضور والدرجات والواجبات المدرسية، إلى جانب تنظيم التواصل بين المدارس وأولياء الأمور.
ووصل عدد مستخدمي هذه الأنظمة إلى أكثر من 3 ملايين شخص، فيما يعمل لدى الشركة نحو 330 موظفًا من مقرها في منطقة بروملي جنوب لندن، في مؤشر واضح على اتساع حضورها وتأثيرها داخل المنظومة التعليمية البريطانية.
في حديثه لوكالة الأناضول، روى غوريال مسيرته المهنية التي بدأت خارج بريطانيا، موضحًا أنه ولد في مدينة لارنكا القبرصية وأكمل تعليمه فيها قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراسته الجامعية، ثم استقر في بريطانيا عام 1968.
وقال إنه درس تخصص الإلكترونيات وعمل بعد تخرجه في عدد من المشاريع التقنية، من بينها مشروع أوروبي كان يهدف إلى ربط عدة حواسيب لتعمل كحاسوب فائق مخصص لخدمة برامج الفضاء الأوروبية.
وأوضح أن تلك التجربة دفعته إلى التفكير في تطوير أنظمة حاسوبية أقل تكلفة وأكثر كفاءة، خاصة في فترة كانت فيها أجهزة الكمبيوتر مرتفعة الثمن ومحدودة الاستخدام، وهو ما قاده إلى تأسيس شركته عام 1986.
إصلاحات التعليم فتحت الباب أمام التوسع
غوريال أشار إلى أن الإصلاحات التعليمية التي أقرتها بريطانيا عام 1988 شكلت نقطة تحول مهمة في مسيرة الشركة، بعدما أصبحت المدارس مسؤولة عن إدارة كثير من شؤونها الإدارية بشكل مباشر، ما زاد الحاجة إلى استخدام الأنظمة الرقمية.
وأضاف أن المدارس كانت تدرك أهمية الحواسيب، لكنها كانت بحاجة إلى حلول تسمح باستخدام أكثر من جهاز ضمن نظام واحد، الأمر الذي دفع شركته إلى تطوير أنظمة تلبي هذا الاحتياج.
وتمكنت الشركة خلال عام واحد فقط، وفق المتحدث، من الاستحواذ على نحو 14 بالمئة من السوق البريطانية في هذا المجال، مستفيدة من الطلب المتزايد على الحلول التقنية داخل المؤسسات التعليمية.
ابتكار رقمي سبق عصره
وأوضح غوريال أن المدارس واجهت في أوائل التسعينيات تحديات تتعلق بإدارة بيانات الطلاب وتسجيل الحضور والغياب، حيث كانت معظم العمليات تتم يدويًا عبر السجلات الورقية.
ولمعالجة هذه المشكلة، طورت الشركة جهازًا إلكترونيًا محمولًا أطلقت عليه اسم "إلكترونيك باد"، يتيح للمعلمين تسجيل البيانات داخل الصف وإرسالها مباشرة إلى النظام المركزي.
وأشار إلى أن الجهاز اعتمد على الاتصال اللاسلكي في وقت لم تكن فيه الأجهزة اللوحية أو شبكات الإنترنت اللاسلكية منتشرة كما هي اليوم، ما جعله من الابتكارات المتقدمة بالنسبة لتلك المرحلة.
واستعرضت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" الجهاز ضمن برامجها التقنية، كما حظي بتغطية واسعة في وسائل الإعلام البريطانية، الأمر الذي ساهم في زيادة انتشاره داخل المدارس، وفق غوريال.
كما أن الحكومة البريطانية، بحسب المتحدث، أنشأت لاحقًا صندوقًا خاصًا لدعم شراء هذه الأجهزة، ما ساعد على تسريع عملية التحول الرقمي في قطاع التعليم.
تعزيز التواصل بين المدارس والأسر
وذكر غوريال أن الشركة واصلت تطوير منتجاتها لتشمل أنظمة إدارة الدرجات والواجبات والتقييمات السلوكية، قبل أن تطلق عام 2000 نظام "طفلي في المدرسة" (MCAS)، الذي أتاح لأولياء الأمور متابعة الأداء الدراسي لأبنائهم بشكل مباشر.
ودمجت الشركة لاحقًا هذا النظام مع أنظمة إدارة المعلومات المدرسية ضمن منصة سحابية متكاملة، رغم التحفظات التي كانت موجودة آنذاك بشأن أمن البيانات والتخزين السحابي، بحسب غوريال.
وأشار إلى أن جائحة كورونا أثبتت أهمية هذه الحلول الرقمية، بعدما اضطرت المؤسسات التعليمية إلى الاعتماد بصورة واسعة على التعليم والإدارة الإلكترونية.
انتشار واسع وتكريم ملكي
غوريال، كشف أن أنظمة "برومكوم" تُستخدم اليوم في نحو 5 آلاف مدرسة بإنجلترا، إضافة إلى أكثر من 1500 مدرسة في أيرلندا الشمالية وويلز، كما تعتمدها مدارس تابعة لوزارة الدفاع البريطانية داخل عدد من القواعد العسكرية خارج البلاد.
وأضاف أن الشركة حصلت عام 2001 على "جائزة الملكة للابتكار"، وهي من أبرز الجوائز التي تمنحها بريطانيا للشركات المتميزة في مجال التطوير التكنولوجي.
وأوضح أن نجاح الشركة لم يكن قائمًا على التكنولوجيا فقط، بل أيضًا على استقرار كوادرها البشرية، مشيرًا إلى أن بعض العاملين فيها أمضوا نحو 40 عامًا داخل المؤسسة.
وختم غوريال حديثه بالتأكيد أن الاستثمار في الابتكار وتطوير حلول تلبي الاحتياجات الفعلية للمؤسسات التعليمية كان العامل الأساسي وراء تحول شركة صغيرة أسسها قبل عقود إلى واحدة من أبرز شركات التكنولوجيا التعليمية في المملكة المتحدة.