
نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلقة نسرين مالك، قالت فيه إن الحرب على إيران في أسبوعها الخامس وتدخل السادس، مع أنها كان من المفترض أن تكون “حملة عسكرية دقيقة وساحقة” للقضاء على “تهديد نووي وشيك”، وحث الشعب الإيراني على “تولي” زمام الحكم، أصبحت الآن أبعد ما تكون عن الدقة والشمول.
فدول الخليج منشغلة بهجمات إيرانية انتقامية، ومضيق هرمز مغلق، ولا توجد أي بوادر لانهيار النظام، سواء من خلال التدهور العسكري أو الاستيلاء الشعبي.
ويحتفل ترامب، كما تقول مالك، باستعادة طيارين أمريكيين، متجاهلا، هو وحلفاؤه، الحقائق، لأن كل شيء آخر لا يسير وفق الخطة.
وتعلق مالك أن الخطأ، كالعادة، هو مزيج من الغطرسة والجهل، وهي عيوب تزداد خطورة بسبب خصوصيات النظام الإيراني.
وقالت إن ثمة تأخرا ذهنيا في بداية الحروب، أي تأخرا معرفيا يعني عدم القدرة على استيعاب حقيقة استحالة احتواء الصراع الخطير بسرعة. ويزداد هذا التأخر الذهني تلبدا عند انخراط الولايات المتحدة، إذ يبقى من غير المعقول لدى البعض ألا تحقق قوة عسكرية متفوقة أهدافها بسرعة، وألا تستسلم قوة أدنى على الفور، وألا ينضم الحلفاء إلى صفوف الولايات المتحدة ويلتفوا حولها، وألا تقتصر تداعيات الحملة العسكرية على الأراضي والشعوب المستهدفة.
وتشير الكاتبة إلى أنه لم يتحقق أي من السيناريوهات المتوقعة، وبات الصراع يقوض أسواق الطاقة، وهناك بالفعل توقعات بحدوث “ركود اقتصادي عالمي نادر” في حال استمرار الحرب.
وقد فشل دونالد ترامب في حشد حلفاء أوروبيين وخليجيين للمشاركة في الهجوم، أو في جهود إعادة فتح مضيق هرمز. ولا يزال النظام الإيراني صامدا، مكبدا الولايات المتحدة خسائر متزايدة في المعدات والأفراد العسكريين.
وتقول إن كل القراءات عن النصر السريع خاطئة، ونابعة من ثقة مفرطة في قوة الإرادة الأمريكية.
فعندما شن الهجوم على إيران، انتاب المهللين شعور مسكر بالنشوة المذهلة لفكرة عالم تصوغه أمريكا من جديد. ووصفت هيئة تحرير صحيفة “نيويورك بوست” الحرب بأنها “خطوة تاريخية”، فيما أعلنت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الحرب “تنطوي على مخاطر كجميع الحروب، لكنها تحمل أيضا إمكانية إعادة تشكيل الشرق الأوسط نحو الأفضل، وتؤدي إلى عالم أكثر أمانا”.
أما أولئك الذين أبدوا تحفظات على هذه المعتقدات، فقد طلب منهم إعادة النظر في موقفهم. وأعرب بريت ستيفنز، كاتب عمود في صحيفة “نيويورك تايمز”، قائلا: “أُصبت بالذهول من التشاؤم المستمر الذي أراه من كثير من المعلقين، فلم يمض على حرب ستنتهي على الأرجح بنهاية الشهر سوى أقل من أسبوعين”. ولكنها لم تكن كذلك، وهذا هو المذهل.
والآن، وبعد انقضاء فترة الركود الذهني واستيعابنا للأحداث، يدور الحديث حول المأزق، وعن مخارج محتملة وإجراءات لحفظ ماء الوجه يمكن لترامب اتخاذها للخروج من هذا المأزق دون التعرض للإذلال.
والسؤال الآن ليس متى سينتهي هذا الأمر، بل ذلك السؤال الذي طرحه الجنرال ديفيد بترايوس عام 2003 بشأن حرب العراق: “أخبروني كيف ستنتهي هذه الحرب؟”.
وهذا ما يبرز بوضوح: أن إيران لديها ديناميكيات معقدة لا يمكن اختزالها في القصة المبسطة التي بنيت عليها الحرب، فالنظام السيئ سيضعف من خلال التدهور المنهجي، وسيسقطه شعبه بمجرد أن تبدأ أسسه بالتصدع.
وقد كان الخطأ الأول هو الاستهانة برغبة إيران وقدرتها على خوض حرب غير متكافئة. فليس من الضروري أن تمتلك قدرات عسكرية هائلة لشل منطقة الخليج وزعزعة استقرارها، ليس بطرق مدمرة بشكل كارثي أو تخلف خسائر فادحة في صفوف المدنيين، بل بطرق قادرة على تعطيل الحياة الطبيعية، وتعطيل منشآت الطاقة، وإلحاق خسائر اقتصادية فادحة، ورفع تكلفة الحرب على حلفاء الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي برمته.
وقد حقق وابل من الطائرات المسيرة الرخيصة، مصحوبا بالصواريخ، التي أُطلقت على مدى أيام وأسابيع، هذا الهدف.
أما الخطأ الثاني، فكان في التوقع الغريب بأن إيران لن تستخدم سلاحها الأكثر قيمة، وهو إغلاق مضيق هرمز وفرض تكلفة أعلى للحرب.
وحتى خلال حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي، طرحت إمكانية إغلاق المضيق داخليا، وفي حوار مع مسؤولين قطريين آنذاك، لم يكن الشاغل الرئيسي الذي أُعربوا عنه هو الصواريخ التي أطلقتها إيران باتجاه قطر، بل خطر إغلاق المضيق.
أما السبب الثالث، فكانت التوقعات بانتفاضة شعبية، وهو أمر لم يتحقق بسبب ظروف عديدة، أبرزها جنون النزول إلى الشوارع تحت وطأة القصف، ورد فعل حكومة قتلت متظاهرين قبل أشهر قليلة، واستقطاب الرأي العام المعقد والمتنوع أصلا، في ظل هجوم خارجي يودي بحياة مدنيين إيرانيين ويستهدف البنية التحتية المدنية.
لكن كل هذه الحسابات الخاطئة تنبع من خطأ جوهري واحد، وهو عدم إدراك أن النظام الإيراني، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه، يمتلك قدرة هائلة على تحمل الألم وعلى التصعيد المطول دون سيناريو واضح للنصر العسكري على قوة عظمى، وهو أمر يستحيل على النظام الأمريكي تصوره.
وتقول مالك إن ملامح السياسة في المنطقة تحددت إلى حد كبير بانخراط دولها في النفوذ الأمريكي.
فقد اتسمت قصة الشرق الأوسط والعالم العربي عموما، خلال العقود الأربعة الماضية، بالاستئثار وتوطيد العلاقات مع الولايات المتحدة، وبالتالي الاستفادة من مساعداتها الاقتصادية واستثماراتها ومظلتها الأمنية.
وفي هذا السياق، انخدعت الولايات المتحدة بفكرة أن جميع الطرق تؤدي إلى الاستسلام، إما من خلال تبني مزايا القوة الأمريكية أو الخضوع لهيمنتها. هذا المنطق لا ينطبق على الدول التي لديها حسابات أخرى لا يمكن اختزالها إلى مجرد تكاليف ومنافع.
ولا ينطبق أيضا على الدول التي خضعت للحصار والعقوبات لفترة طويلة، لدرجة أنها ابتكرت أسلوبا تكتيكيا متكاملا، اقتصاديا وسياسيا، حيث لا تعني القوة الهيمنة، بل البقاء في اللعبة. وتعد الجماعات التابعة لإيران، من حزب الله إلى الحوثيين، دليلا على مدى قدرة إيران على الحفاظ على نفوذها خارج حدودها، بطريقة تعزز مصالحها وتمنع حدوث نتائج تضعفها أو تعزلها أكثر.
إن ما يواجهه ترامب هو خصم لا يفهمه لجهله، ولأنه أيضا حالة شاذة، أي نظام بنى على مدى عقود إطارا داخليا وإقليميا وإطارا أيديولوجيا وفكريا متكاملا، حيث يكمن النجاح في الحفاظ على البقاء وفق شروطه الخاصة في مواجهة الهيمنة الأمريكية.
وحقيقة امتداد الحرب إلى أسابيع، وأطول من المدة المخطط لها، دون نهاية واضحة وتكاليف متصاعدة على الجميع، تعود إلى أن هذا الصراع ليس بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بل بين أطراف لها تعريفان مختلفان للنصر.