بقلم /عبدالاله مجيد

هل تتحول سوريا إلى فيتنام إيرانية؟

خدمة شبكة الأمة برس الأخبارية
2013-05-14 | منذ 6 سنة
لم يعد ممكنًا نكران تورط طهران وحزب الله

 على امتداد اكثر من عامين، تابع السياسيون في لبنان بقلق تطورات الحرب الأهلية المستعرة في سوريا، متسائلين ما إذا كانت ستفيض عبر الحدود وتجتاح بلدهم. ولكن لبنان تحديدًا هو الذي أُقحم نفسه في هذه المعمعة، بمساعدة حزب الله للنظام السوري التي تبدو مساعدة حاسمة في استراتيجيته ومحاولته المستميتة من اجل البقاء.

فعناصر حزب الله يتجولون علنًا في شمال سهل البقاع، يقاتلون على جانبي الحدود المفتوحة مع سوريا. وتستهدف أطقم الصواريخ والهاون التابعة للحزب قوات الجيش السوري الحر على بعد كيلومترات، فيما ينتشر عناصر الحزب في القرى الشيعية، مطوقين بلدة القصير السورية.
 
وحسم القتال حول القصير السؤال عما إذا كانت ايران وحزب الله طرفين مقاتلين إلى جانب النظام في الحرب السورية. وفي كلمة القاها أمين عام حزب الله حسن نصر الله في 30 نيسان (ابريل) الماضي، أشار إلى انخراط حزبه في النزاع بدور متزايد، محذرًا من أن للنظام السوري أصدقاء حقيقيين، لن يتركوا سوريا تسقط بأيدي الولايات المتحدة واسرائيل.
 
تسوية بعد الحرب
 
يؤكد هدير المدافع في البقاع، وجنازات قتلى حزب الله بما لا يدع مجالا للشك أن الحزب ورعاته الايرانيين عبروا نقطة اللاعودة في مشاركتهم بالحرب السورية. وعلى بعد اقل من 40 كلم من مواقع حزب الله، يعبر مقاتلو الجيش الحر خط الحدود للوذ ببلدة عرسال البقاعية السنية، التي تحتضنها الجبال الفاصلة بين لبنان وسوريا. وهم لا يميزون بين جيش النظام وحزب الله وايران لأن ثلاثتهم يطلقون النار عليهم، كما يقولون.
 
ونقلت مجلة فورين بولسي عن المقاتل في الجيش الحر شهادة احمد الشيخ (24 عاما) قوله: "كان من الممكن أن تجمعنا مصالح مشتركة مع حزب الله، لكنهم يهاجموننا، وهناك الآن احقاد سيتعين علينا تسويتها بعد الحرب".
 
وكان يشير إلى حزب الله بوصفه حزب الشيطان، مثله مثل كثيرين في المنطقة ذات الأغلبية السنية. وانتقل الشيخ إلى عرسال مع 16 من افراد عائلته واقاربه بعد تدمير منزلهم، وعندما تحدث للمجلة الاميركية كانوا يتحلقون حوله في البيت الذي وفره لهم رئيس بلديتها.
 
تقديرات
 
يقدر دبلوماسيون غربيون أن آلافا من عناصر حزب الله يشتركون في القتال الدائر في سوريا. ويرفض مختصون بمتابعة الحزب أن يثقوا بأي ارقام تدعي الدقة. ولكن إذا أرسل حزب الله مئات أو حتى بضعة آلاف من خيرة مقاتليه إلى سوريا فلا شك في أن هذه الخطوة تمثل نسبة كبيرة من قوته القتالية. وخلال حرب الحزب مع اسرائيل في العام 2006، كانت أعلى التقديرات لقتلى الحزب في حدود 700 عنصر، فيما يقرب الرقم
 
الرسمي الذي اعطاه الحزب من 300 قتيل.
 
واخذت اوساط سنية تتعامل مع النزاع بمفردات طائفية. وفي هذا السياق، بادر السلفي اللبناني واسع النفوذ الشيخ احمد الأسير إلى تشكيل ميليشيا سنية، ملمحًا إلى أن مقاتليه مستعدون لمواجهة حزب الله في لبنان نفسه بقدر استعدادهم للتوجه إلى سوريا والقتال بجانب قوات المعارضة.
 
ويشير الموالون للنظام السوري وحزب الله إلى أن قوات المعارضة تحتضن اسلاميين اصوليين متطرفين في حين أن الأسد وحزب الله يستندان إلى تحالف مجرَّب بين اقليات مثل العلوييين والمسيحيين والدروز والشيعة.
 
وشحذت دعاية الطرفين رؤية إلى النزاع بوصفه صراعًا بين متطرفين سنة ونظام سلطوي من النمط التقليدي، يوفر على الأقل حماية للأقليات التي يستغلها. وترسخت سياسة الهوية على نحو قاتل حتى أن اشخاصًا من الطرفين المتحاربين نظروا إلى النزاع على انه مسألة وجود.
 
ويعتزم المقاتل الشيخ العودة إلى الجبهة ما أن يطمئن إلى استقرار عائلته، مؤكدًا أن مقاتلي المعارضة لا يقبلون بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في السابق.
 
فيتنام إيران
 
بعد ما كان محللون عرب عشية انتفاضات الربيع العربي يعتبرون ايران الدولة الأقوى نفوذًا في العالم العربي، ويشيرون إلى بوادر نشوء هلال شيعي يضم ايران والعراق وسوريا وحزب الله في لبنان، حدث تغير جذري منذ ذلك الوقت. واليوم، يستوفي تورط ايران في سوريا كل مواصفات المستنقع الفيتنامي الذي غاصت فيه الولايات المتحدة، ويمثل بكل تأكيد أكبر انتكاسة تلم بالجمهورية الاسلامية منذ انتهاء حربها مع صدام
 
حسين في العام 1988.
 
تنفق ايران، التي تعاني اصلًا من وطأة العقوبات الدولية، مئات ملايين الدولارات لدعم نظام الأسد.  ويقول غربيون ومسؤولون عرب التقوا وزراء سوريين في الأشهر الأخيرة إن المستشارين الايرانيين يعيدون هيكلة وزارات حساسة لتدريب قوات النظام وميليشياته، بما في ذلك لجان الدفاع الوطني الموالية للأسد في المناطق التي يسيطر عليها النظام.
 
ويتظاهر الدبلوماسيون الايرانيون في المنطقة بالاسترخاء في مجالسهم الخاصة، للايحاء بأن ايران قادرة على مواصلة دعمها العسكري والمالي لنظام الأسد إلى ما لا نهاية. لكن مع اشتداد العقوبات والضغوط على ايران بسبب برنامجها النووي، قد يجد الحرس الثوري الايراني من الصعب الاستمرار في ضخ هذا الدعم.
 
لا تلوح في الأفق بوادر على انتهاء النزاع، ومع تزايد الدعم الخارجي للمعارضة سيتعين على ايران أن ترصد موارد أكثر لمجرد الإبقاء على الطريق المسدود الذي دخله النزاع بحالة التعادل بين الطرفين. وإذا كانت هذه هي فيتنام ايران فهي في بداية عامها الثالث.
 
تراجع الشعبية
 
لا يمكن حساب ما يكلفه دعم طهران للأسد بالدولارات وحدها، إذ تعين على ايران أن تضحي بغالبية حلفائها العرب الآخرين على مذبح النزاع السوري. فمع استمرار نزيف الدم، أغلقت حركة حماس مكاتبها في دمشق، وأنهت علاقتها الحميمة مع ايران. كما اعتمدت حكومة الاخوان المسلمين في مصر لغة تقريع في انتقاد موقف ايران من الأزمة السورية. واغتنم الرئيس المصري محمد مرسي مناسبة زيارته الاولى إلى ايران
 
للتنديد بـ"النظام القمعي" في سوريا قائلا إن دعم المعارضة "واجب اخلاقي".
 
وانتهت إلى غير رجعة ايام كانت ايران ترفع لواء المقاومة الشعبية والممانعة. فالحركات الشعبية العربية، بما فيها المعارضة السورية، هي التي تتصدر هذا الاتجاه الآن وبمصداقية ايضًا. واصبح ملالي ايران بنظر العالم العربي، مثلما كانوا دائما بنظر شعبهم في الداخل، قمعيين سلطويين ومدافعين اشداء عن الوضع المتعفن القائم.
 
ولعل أهم من كل ما سبق أن التزام ايران بحماية الأسد حتى النهاية وضع الجوهرة التي تزين تاج نفوذها في العالم العربي، أي حزب الله، في خطر. فقبل سنوات قليلة، أكد استطلاع للرأي أن حسن نصر الله أكثر الزعماء شعبية في العالم العربي، لكنه اليوم فرط بهذا الرصيد الشعبي وأثار غضب السنة في عموم العالم العربي بوقوفه إلى جانب دكتاتور غاشم. وتوصل استطلاع اجراه مركز بيو الاميركي في العام الماضي إلى هبوط
 
شعبية حزب الله في بلدان ذات أغلبية سنية، مثل مصر والاردن، في حين أن سنة لبنان ومسيحييه يتخذون مواقف نقدية متزايدة من الحزب.
 
الصبغة طائفية
 
في هذه الأثناء بدأ مقاتلو حزب الله، الذين يتقنون العمل السري عادة، يعبئون قواهم علنًا في بلدة الهرمل الحدودية اللبنانية. وهم يقاتلون على جانبي الحدود حيث يحمون طوقًا من القرى الشيعية في سوريا تربط دمشق بعمق المناطق العلوية.
 
وقُتل عدد غير معروف من عناصر الحزب في سوريا، ولكنه عدد كبير حتى أن الحزب لم يعد يكلف نفسه التكتم على جنازات قتلاه، بل نشر حتى اشرطة فيديو لهم. وقال نصر الله: "كل من يستشهد منا نشيعه علنا، فنحن لا نخجل من شهدائنا".
 
وسعى سياسيون لبنانيون إلى التقليل من شأن البعد الطائفي للنزاع السوري بدافع المصلحة أو الايديولوجيا وليس لاعتبارات طائفية. لكن النزاع اكتسب بنظر غالبية المنخرطين فيه صبغة طائفية لا تُنكر، على حد تعبير مجلة فورين بولسي، واصفة الصراع بأنه انتفاضة سنية بالكامل تقريبًا ضد نظام تدعمه غالبية من طوائف سوريا الأخرى. 
 
والرهانات الاقليمية لا تقل جسامة عن مصائر الأفراد والجماعات المنخرطة في الصراع. ففي منتصف شباط (فبراير) الماضي، قُتل رئيس الهيئة الايرانية لإعادة اعمار لبنان العميد حسن شاطري على الطريق بين دمشق وبيروت.
 
وذهبت الرواية الايرانية إلى أن عملاء اسرائيل اغتالوا العميد، لكن فورين بولسي نقلت عن مسؤولين غربيين وعرب اطلعوا على تقارير استخباراتية موثوقة قولهم إن القائد العسكري الايراني قُتل في كمين نصبه مقاتلو المعارضة السورية.


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي