
أول أمس، جلس مندوبو الولايات المتحدة وإيران في جنيف لثلاث ساعات. ليس توقعاً لاختراق نحو صفقة بل لفحص وجود أي أساس بالحد الأدنى يسمح ببناء صفقة. عندما خرج ويتكوف وكوشنير وعراقجي من الغرفتين، لم يحملوا معهم صيغة ملزمة أو اختراقاً مدوياً.
خرجوا مع “ملف عمل” بداخله مبادئ عامة، تفاهم بوجود أساس للموافقة وتعهد بالعودة والجلوس. بتعابير دبلوماسية، هذه نقطة بداية معقولة. لكن بتعابير استراتيجية- هذه لحظة أكثر حساسية بكثير، إذ إن فتح ملف هو عمل مبارك، لكنه فني تماماً. ملؤه بالمضمون يحتاج إلى ظروف سياسية وأمنية واقتصادية، لا تتجمع في هذه اللحظة بشكل طبيعي. وفي واقع الأمر، هذا لب الموضوع – الفجوة بين ما يمكن فتحه على الورق وما يمكن إغلاقه في الواقع.
الفجوات التي انكشفت في جنيف ليست جديدة وغير مفاجئة، لكنها تتضح الآن في مسألة أساسية: على ماذا تجري المفاوضات وعلام لا تجري؟
يدور الحديث عن انعدام تطابق عميق بين الطرفين، ليس في قوة أمريكا مقابل قوة إيران فحسب، بل في حرية الحسم. الولايات المتحدة تأتي إلى الطاولة مع طيف واسع من الإمكانيات – مسار دبلوماسي متدرج، واتفاق انتقالي جزئي يجمد قسماً من الأعمال وتشديد عقوبات اقتصادية وطاقية، وفي الأقصى أيضاً إمكانية عسكرية مسنودة بوجود وانتشار في المنطقة.
بالمقابل، تعيش إيران ضغطاً اقتصادياً شديداً ومتواصلاً، متعلقة بتصدير النفط وبالتسهيلات المالية، ولكنها بالمقابل ملتزمة بالحفاظ على العواميد الفقرية لمفهومها للردع. هكذا على ما يبدو، ميزان البداية الآن.
ثمة نقطة توتر مركزية. من ناحية طهران، تخصيب اليورانيوم مبدأ سيادي. والطلب الأمريكي من إيران لتخليها شبه المطلق عن معظم البرنامج النووي، يعد تدخلاً فظاً ولا يطاق في لباب استقلال إيران الاستراتيجي.
إن إضافة مطالب تتعلق بالصواريخ الباليستية وعمل الوكلاء الإقليميين تحول الاتفاق المحتمل في نظر النظام من إطار نووي إلى تسوية شاملة تتعلق بآلية القوة الإيرانية كلها. وعليه، تدخل طهران إلى المحادثات فيما هي مستعدة لتناول المجال النووي، ولكنها تحرص على ترسيم حدود واضحة على ما تبقى. بكلمات أخرى، هي توافق على البحث في الكوابح دون المحرك.
ما الذي يستعد النظام الإيراني لعرضه؟ توسيع آليات الرقابة، دقة مفصلة أكثر في قدرة وصول المراقبين وإمكانية خطوات تقلل مستوى احتياطي اليورانيوم المخصب بالدرجات العليا – بما في ذلك تخفيف حدة اليورانيوم بتركيز 60 في المئة – المستوى الذي يضع إيران على مسافة قصيرة من القدرة على الاقتحام النووي. خطوة كهذه ليست هامشية تماماً؛ فهي كفيلة بأن تمدد زمن الاقتحام وتخفف التوتر الفوري. لكن مبدأ استمرار التخصيب في الأراضي الإيرانية يبقى من ناحيتها غير قابل للتنازل.
بالقدر ذاته، لا تعرض منظومة الصواريخ والوكلاء الإقليميين كجزء من الرزمة، إذ إنها تعد كتأمين ضد هجوم مباشر وكوسيلة لبث قوة إقليمية.
يجري في واشنطن جدال استراتيجي حقيقي. فهل من الأفضل السير على المضمون، حتى وإن كان هذا بعيداً عن التوقعات، لإنتاج تسوية نووية محدودة تحقق توقفا فورياً وتمدد زمن الاختراق؛ أم ربما الإصرار على إطار أوسع يلمس أيضاً عناصر القوة الإيرانية الأخرى.
اتفاق ضيق كفيل بأن يكون أكثر واقعية في المدى القصير، لكنه سيترك منظومة النفوذ الإقليمية خارج الإطار. والاتفاق الأوسع ربما يكون أكثر استقراراً في المدى البعيد، لكنه أصعب على التحقق، هذا إذا تحقق. هذه ليست مسألة تكتيكية، بل حسم على طبيعة التسوية وعلى فرص بقائها. إذن، الخلاف ليس بين الدول فقط، بل داخل الإدارة نفسها أيضاً.
بالتوازي، تجري المفاوضات في ظل توتر حقيقي. المناورات الإيرانية والإشارات حول مضيق هرمز ليست مجرد استعراض عضلات. هرمز هو شريان حرج لسوق الطاقة العالمية، وكل تلميح بتشويش الحركة فيه يؤثر فوراً على أسعار النفط والأسواق المالية. هذه رافعة ضغط اقتصادية غير مباشرة، وإيران تؤشر إلى أن فشل المحادثات ستكون له داعيات واسعة، دون أن تتخذ خطوة دراماتيكية بالفعل. وبهذا ترفع مستوى المخاطرة دون أن تتجاوز. بالتوازي، فإن التواجد المتزايد لقوات أمريكية في المنطقة يشدد على أن الخيار العسكري ليس شعاراً، بل سيناريو يفحص بجدية.
كل هذا يجري في إطار زمني سياسي واضح، في الولايات المتحدة إسرائيل؛ ففي الولايات المتحدة تقترب انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، وتخلق سقفاً زمنياً مؤثراً على قرارات سياسية ذات مغزى. الإدارة الأمريكية بحاجة إلى إنجاز يمكنها أن تعرضه كنجاح، وليس كوعد. مفاوضات تتواصل لأشهر دون نتيجة واضحة ستعد ضعفاً أمام إيران الذكية التي تعرف كيف تسوّف.
بالمقابل، التصعيد الذي ينشأ بلا إعداد سياسي كاف ربما يعد رهاناً خطيراً عشية الانتخابات. وهكذا تتقلص مساحة الصبر في واشنطن؛ والمعنى أن للبيت الأبيض نافذة زمن محدودة يمكنها فيها استنفاد الدبلوماسية قبل أن تدخل الساحة السياسية بسرعة عالية.
الأمر يؤثر مباشرة أيضاً على السيناريو العسكري؛ فعملية عسكرية كبيرة لا تتم بين ليلة وضحاها، بل تتطلب بناء شرعية دولية، وتنسيقاً مع الحلفاء، واستعداداً لليوم التالي وللرد الإقليمي. كل هذا يستغرق وقتاً. كلما اقترب موعد الانتخابات تقلص مجال المناورة لمثل هذه الخطوة. من هنا، النافذة التي يمكن فيها دمج الضغط الدبلوماسي مع التهديد المصداق تبقى محدودة. وفي واقع الأمر، هذه هي المعضلة الأمريكية – كم من الوقت يبقى للضغط بدون قرار.
أما إسرائيلياً، فثمة حملة انتخابات في الأفق تخلق دينامية أخرى. كل تقدم أو تراجع في الساحة الإيرانية سينعكس فوراً على الساحة الحزبية. من جهة، اتفاق يعد محدوداً جداً، جزئياً جداً سيوقظ انتقاداً حاداً. ومن جهة أخرى، التدهور إلى مواجهة سيوقظ أسئلة معقدة عن التوقيت وجاهزة الجبهة الداخلية.
يعمل المستوى السياسي في مجال يتداخل فيه الحسم الأمني والثمن الانتخابي. وعندما تتحرك واشنطن والقدس نحو معركتين انتخابيتين، فإن نافذة الزمن المشتركة للقرارات الحاسمة تتقلص.
أما في طهران فهناك ساعة داخلية تعمل، لا تقل أهمية. الضغط الاقتصادي، والتضخم المالي، والاحتجاج الاجتماعي كلها لا تسمح للنظام أن يبدو كمن يستسلم. كل تنازل يجب أن يعرض كإنجاز سيادي. وعليه، كل تقدم سيكون مقنونًا، متدرجاً، مغلفاً بخطاب الحقوق القومية والصمود. فالزمن لاعب هنا أيضاً، ولا يقتصر على الساحة الدولية.
في هذه النقطة، يتبين أن محادثات جنيف لا تجري فقط بين الوفود، بل بين الرزنامات؛ صحيح أن كل طرف يفحص موقف خصمه، ولكن بوتيرة الساعة من خلفه. إذا استنتج أحدهم بأن الزمن يعمل ضده أكثر مما يعمل في صالحه – فستتسارع الدبلوماسية. إذا قدروا الأمر بإمكانية التمديد فستطول المسيرة.
ثلاث ساعات في جنيف لم تحسم شيئاً؛ وضعت الإطار فقط. من هنا لن يتخذ الحسم حسب ما هو موضوع على الطاولة فحسب، بل حسب ما يتكتك تحتها.
آنا برسكي
معاريف 19/2/2026