فيلم كيس الدقيق: رحلة الهجرة والهجرة المعاكسة

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2013-05-14

 نصر الدين الدجبي - في إطار مهرجان السينما العربية في العاصمة الهولندية امستردام المنعقد من 8 الى 19 مايو الجاري، يـُعرض الفيلم الروائي 'كيس دقيق'، وهو أول عمل روائي طويل للمخرجة البلجيكية من أصل مغربي خديجة لوكلير. حاز على جوائز التحكيم والسيناريو والتمثيل في الدورة 39 للمهرجان الدولي للفيلم المستقل ببروكسل وكان موضوع الحديث في المهرجان.

 
يحكي فيلم 'كيس دقيق' قصة الطفلة البلجيكية المولد، المغربية الأصل سارة التي ولدت وقضت جزءاً من طفولتها في الحضانة البلجيكية، لتعاد عنوة الى المغرب لقضاء عقد في وضع مأسوي في الريف المغربي. الطفلة التي اصبحت شابة وبلغت سنّ الاختيار تقرر الهجرة العكسية الى مسقط رأسها بلجيكا.
 
مستوحاة 
 
القصة قد تكون خيالية في الفيلم ولكنها مستوحاة من آلاف القصص المشابهة لها التي يعايشها المهاجرون في الغرب. ثم هي مستوحاة ايضا في جزء كبير منها من قصة المخرجة نفسها، وهو ما أدى بحسب العديد من النقاد الى نجاح المخرجة في ان تصل الى اعماق المشاهدين وخاصة المهاجرين منهم حيث عاشوا او عايشوا قصصاً مثلها او قريبة منها.
 
أنانية الأب 
 
يصور الفيلم نموذجاً للأب المهاجر الأناني والمتهرب من مسئولياته الابوية حيث انجب طفلته سارة، ثم تخلى عنها ليرميها في احدى دور الحضانة الملحقة بأحدى الكنائس الكاثوليكية في بلجيكا. تنشأ الطفلة مسيحية تقف بين يدي القس وهي لم تتجاوز الثامنة من عمرها. ليدخل ابوها البيولوجي على الخط بعد سنوات الهجر ويتلاعب بها ويوهمها انه متجه بها الى باريس لقضاء اجازة آخر الاسبوع. تكتشف سارة أنها في قرية نائية تتعامل مع ثقافة وأناس وأجواء غريبة عنها. يتحول كل هذا الى صدمة نفسية لها. الاب يواصل جريمته بالعودة الى مهجره دون ان يمّ الطفلة بأبسط ضروريات العيش الكريم.
سارة التي كانت في بلجيكا ناجحة في دراستها وموهوبة في حياتها، يجتمع عندها في لحظة في منفاها غياب العائل المادي وتصاب بهزات نفسية متعاقبة وتكتشف أن أمها مصابة بداء الجنون. ولكن سارة التي مثّلت دورها الطفلة 'رانيا ملولي' ابدعت في الاداء ولعب دور الطفلة القوية التي واجهت كل هذه المآسي وغيرها برباطة الجأش وحضور قوي وحاولت أن تقبل واقعها الجديد وتعمل من اجل توفير 'كيس الدقيق' لتلبية حاجة العائلة التي تحتضنها بعد ان تركها والدها.
 
عودة عكسية
 
كبرت سارة وأصبحت في سن 17 وتنامت مطالبها كفتاة مراهقة، لتأخذ دورها الممثلة 'حفصية حرزي' التي لعبت دور الشابة شبه اليتيمة (الاب مهاجر، والأم فاقدة لعقلها). تسعى لصناعة السعادة لغيرها في مقابل واقع يضيق بها يوما بعد يوم. واختارت ان ترد على ابيها الذي تركها بالعزم على العودة الى المهجر في رحلة عكسية، مستغلة صفقة كونها بلجيكية الجنسية مع تحقيق رغبة احد الشباب المغاربة الذي يحلم بالهجرة بإحداث زواج صوري يعيد سارة الفقيرة الى بلجيكا ويمكن الشاب من الهجرة الى الضفة الاخرى التي كان يحلم بها.
 
رحلة الهجرة 
 
في حديث الى الناقد السينمائي حسونة المنصوري الذي يشارك في مهرجان السينما العربية في امستردام اوضح لاذاعة هولندا العالمية ان قصص المهاجرين والهجرة والمشاكل المترتبة عنها مازلت تستهوي العديد من المخرجين وتشد المشاهدين اليها. وبين أن قصة الفيلم متقاربة مع العديد من الافلام الاخرى كتلك التي يعرضها الخرج الكس بيكسترا في فيلمه 'العالم'. وتابع المنصوري ان الهجرة، والهجرة المعاكسة، والتهجير احيانا، بدأ من جنوب الضفة باتجاه الشمال ولكن الفشل في العديد من التجارب ادى الى حدوث هجرات معاكسة كتلك التي عايشتها سارة في الفيلم. ويرى المنصوري ان قضايا المهاجرين فيها الفاعل والضحية ولكن الاطفال بلا شك يكونون دائما ضحايا ونتيجة حتمية للفشل او سوء التقدير او التخلي عن المسؤولية. ويلعب دور اختلاف الثقافات دوراً كبيراً في الفشل، ويختم الناقد حسونة المنصوري تعليقه بالقول إن 'المخرجة استطاعت في فيلمها هذا ان تكشف الاختلال الثقافي بين الاوطان وبين الاجيال والظلم الحاصل بحق الاطفال الابرياء وقصة سارة اكبر دليل على ذلك'.
 
تهميش
 
رغم ان المشكل بدأ بمخلفات الهجرة إلا ان المخرجة وجدت نفسها تلامس مخلفات الفقر المدقع الذي تعيشه عائلة سارة في المغرب وسكان منطقتها غير القادرين على تحقيق مطالبهم الاجتماعية، لتتحول المخرجة بالموضوع من قصة سارة في ذاتها الى الابعاد الموضوعية المحيطة بها. وتعرض المخرجة الجانب السياسي من خلال تصوير مظاهرات المهمشين في الأزقة الضيقة ضد سياسة الدولة وتدخل قوات الأمن لاجتياح تلك القرية النائية واعتقال اولئك المتظاهرين.
وحسب الناقد حسونة المنصوري فإن اختيار المكان الجبلي الحامل لمظاهر البؤس من خلال الطرقات الضيقة غير المؤهلة للاستعمال والمغمورة بمياه الأمطار، ثم الدكاكين البدائية المتلاصقة، والمنازل الآهلة للسقوط وغير المؤهلة للسكن، يبرز نجاح المخرجة في تقريب الصورة للمشاهد وتبرير قرار سارة في العودة الى حيث كانت تحلم بها في بلجيكا.اذاعة هولندا العالمية
 











كاريكاتير

إستطلاعات الرأي