
قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن قرار قطع وصول القوات الروسية إلى شبكة الإنترنت الفضائي ستارلينك أحدث تأثيراً مباشراً على سير العمليات القتالية في أوكرانيا، حيث اضطرت موسكو إلى تقليص وتيرة هجماتها في عدة قطاعات من الجبهة بسبب انهيار قنوات الاتصال التي كانت تعتمد عليها بشكل واسع.
وجاء هذا التطور بعد اتفاق بين ستارلينك ووزارة الدفاع الأوكرانية يقضي بحظر الاستخدام غير القانوني لعشرات آلاف المحطات التي استحوذت عليها روسيا عبر وسطاء. وكان الجيش الروسي يستخدم هذه التكنولوجيا لتجاوز التشويش الإلكتروني وتحسين التنسيق التكتيكي بين الوحدات، إضافة إلى نقل البيانات والصور في الزمن الحقيقي وتوجيه الضربات بدقة. لكن بعد تعطيل الخدمة، أصبحت الاتصالات بين القيادة الميدانية والجنود “بالغة الصعوبة”، ما انعكس فوراً على القدرة الهجومية.
وقد أشارت مصادر أوكرانية إلى انخفاض ملحوظ في عدد الهجمات اليومية، معتبرة أن هذا التراجع مرتبط مباشرة بفقدان روسيا لهذه الأداة الحيوية.
واعتبرت “لوموند” أن التأثير لم يقتصر على الاتصالات، بل شمل أيضاً تراجع دقة الضربات الروسية. فبعض الطائرات المسيّرة الهجومية، من طرازات كانت تستخدم ضد أهداف ثابتة ومتحركة، كانت مزودة بمحطات ستارلينك تسمح للمشغّل بتعديل المسار لحظة بلحظة.
ويرى خبراء عسكريون أن هذا النظام منح روسيا قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة، وأن تعطيله حرمها من ميزة تكتيكية مهمة. كما أثار الانقطاع حالة قلق بين المدونين العسكريين الروس الذين وصفوا الشبكة بأنها نقطة ضعف استراتيجية خطيرة.
ورأت الصحيفة أن الأزمة تكشف هشاشة البنية التكنولوجية الروسية، إذ لم تتمكن موسكو حتى الآن من تطوير بديل وطني فعال لشبكات الإنترنت الفضائي منخفضة المدار.
ورغم إعلان مشاريع طموحة في السنوات الماضية، فإن النتائج بقيت محدودة مقارنة بالتفوق الهائل الذي حققته الشركة التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك، التي تدير آلاف الأقمار الصناعية العاملة. هذا الفارق التكنولوجي جعل روسيا تعتمد عملياً على نظام تملكه جهة أجنبية في ساحة حرب مفتوحة.
وأشارت “لوموند” إلى أن كييف تنظر إلى هذا التطور بوصفه “صدمة استراتيجية” تصب في مصلحتها، خصوصاً في ظل مرحلة حساسة من الصراع تتخللها ضربات جوية متبادلة ومفاوضات سياسية معقدة. المسؤولون الأوكرانيون يعتبرون أن حرمان روسيا من هذه الشبكة يمنح قواتهم فرصة لالتقاط زمام المبادرة وشن عمليات غير متوقعة.
وأوضحت الصحيفة أن روسيا تحاول الالتفاف على الحظر بوسائل غير مباشرة، من بينها الضغط على سكان المناطق المحتلة وعلى عائلات أسرى الحرب الأوكرانيين لتسجيل أجهزة بأسمائهم بهدف إعادة تفعيلها.
وقد أصدرت أجهزة الأمن الأوكرانية تحذيرات رسمية تؤكد أن أي مساعدة من هذا النوع تُعد جريمة يعاقب عليها القانون. كما شددت السلطات على أن التعاون مع القوات الروسية يعرّض المدنيين وأسر الأسرى لمخاطر قانونية وأمنية كبيرة.
وقالت “لوموند” إن شبكة ستارلينك أصبحت منذ بداية الحرب العمود الفقري للاتصالات المدنية والعسكرية الأوكرانية، وإن المعركة حول السيطرة على البنية التكنولوجية لا تقل أهمية عن المواجهات الميدانية، لأنها تحدد قدرة الجيوش على القيادة والسيطرة واتخاذ القرار في الوقت الحقيقي.