حرارة اللون ..حين ينفجر الشعبي على سطح اللوحة: ديوك اللامي تُشعل الذاكرة

2026-01-28

صلاح الدين راشد*

تبدو اللوحة للرسام العراقي حيدر اللامي وكأنها مشهد ينفجر من جوف الذاكرة الشعبية، وتتحوّل في فضاء التشكيل إلى استعارة كبرى عن الصراع، الغريزة، والبهاء الممزق بين الفعل والحلم. هنا لا يقدّم الفنان مجرد مشهد صدام بين ديكين متشابكين، بل يفتح أمام العين مساحة بصرية مشبعة بالتوترات، حيث يتقاطع العنف مع الجمال، والفوضى مع النظام والبدائية مع التشكيل الجمالي الحديث.
العمل يتجاوز حدود المحاكاة المباشرة، ليتحوّل إلى نسج من الألوان المتدفقة، والحركات الممزقة التي تحتضن الجسد والفضاء في لحظة اشتعال. فالألوان لا تأتي في انتظام كلاسيكي إنما في شظايا، ومربعات، وخطوط متقطعة، كأنها إشارات بصرية تتوزع بين العنفوان والحساسية. الأبيض المندفع من يسار اللوحة، الممزوج بالزرقة والذهبي، يقابله سواد متماسك على يمينها، وفي الوسط يتجسد الصدام الملوّن كشرارة، ليكشف الفنان عن البنية الثنائية للحياة: البياض والسواد، الحياة والموت، النور والظلمة.
توظيف اللامي للفراغ وللأثر الحركي يذكر المتلقي بأن الصراع هنا ليس حدثا عابرا، بل حالة أبدية تتكرر داخل الوجود الإنساني والطبيعة على حد سواء، إن ضربات الفرشاة العنيفة والمتسارعة تحمل في طياتها إيقاعا داخليا يشي بالاحتدام النفسي، فيما تُسند المساحات اللونية المتكسرة البنية السردية للوحة: إنها ليست وصفا بصريا، بل هي خطابا تشكيليا يتأمل المصير. إن استخدام الحركة العنيفة للفرشاة، وانفجار الألوان في مسار لا يخضع لنظام كلاسيكي. يذكر بأسلوب بولوك في الرسم الحركي. غير أنه عند الفنان حيدر اللامي، الفعل الحركي للفرشاة لا يقل أهمية عن موضوع الصراع ذاته.
كما أن الرمزية البصرية للعمل تنفتح على قراءة سيميائية متعددة المستويات؛ فالديوك المتصارعة ليست فقط كائنات، طيورا حيوانات، إنما رموز للجسد المضطرب في مواجهة ذاته والعالم، رموز للغريزة التي تستعيد قوتها في حلبة الحياة اليومية، وربما إحالة إلى صراع الهويات والسلطات في السياق الاجتماعي والسياسي المحلي للفنان.


إن اللامي وهو يقدم هذا المشهد المسرحي بلغته التشكيلية الحديثة، نراهُ يمزج بين الذاكرة الشعبية للعبة الديكة، ووعي بصري معاصر يحوّل الفعل الدموي إلى طقس لوني يتجاوز القسوة نحو الشعرية. إن البنية التشكيلية للوحة تتوزع بين التجريد والتعبيرية، إذ يتكئ الفنان على شذرات من الشكل المألوف (شكل الديك، جناحاه، عُرفه) لكنه سرعان ما يذيبها في عاصفة لونية، ليجعل مسافة بين الواقع والتجريد، بين المرئي والمستتر. هذا الذوبان يحرر الموضوع من ثباته، ويعيده إلى حركته الأولى: الحركة بوصفها جوهر الوجود.
في النهاية، يمكن القول، إن حيدر اللامي يرسم هنا (حلبة الوجود) أكثر مما يرسم (حلبة الصراع). فاللوحة تستدعي المتلقي ليقرأ نفسه في مراياها الممزقة: نحن جميعا هؤلاء الديوك المتصارعة في دوامة الحياة، نحن الشظايا المتناثرة، التي تبحث عن انسجام وسط الفوضى. الفن عند حيدر اللامي يتحوّل إلى تجربة وجودية، وإلى رواية صامتة تُكتب بالألوان، حيث تختلط الفوضى بالحلم، والدم بالجمال، لتكشف عن عمق البنية الإنسانية في أبهى تناقضاتها.


ما يميز هذا العمل بالذات عن تلك التجارب هو انزياحه من الفضاء الأسطوري الذي يعشقهُ الفنان بالسير نحو فضاء أكثر يومية وملموسية. فبدل أن يستحضر كائنات شبه ملحمية، أو شخوصا محمّلة بالدلالات الرمزية الكبرى، نراه هنا يذهب إلى مشهد متداول في الثقافة الشعبية ـ صراع الديكة ـ الذي يحوله إلى أيقونة تشكيلية. هذه النقلة تكشف عن تحوّل في الرؤية: من الحكاية الكونية المغلقة على رموزها، إلى اليومي المفتوح على تأويلاته المتعددة. كذلك، فإن الحضور الجسدي العنيف في اللوحة يختلف عن الجسد الأسطوري الذي كان يقدمه سابقا. ففي أعماله الأسطورية كان الجسد أقرب إلى رمز طقسي، محاطا بهالة روحية، متجاوزا حدود المكان. أما هنا فجسد الديكين مثقل بالاحتكاك والدم والعرق، جسد يعاني ويتألم ويصرخ، أقرب إلى الجسد الشعبي الملقى في ساحة الحياة اليومية.
من ناحية التشكيل، نلحظ أيضا تحولا في البنية اللونية: ففي الأعمال الأسطورية كان اللامي يوظف اللون في بناء أجواء كونية حالمة، حيث يغدو الأزرق والذهبي والقرمزي بوابات إلى الماورائي. أما في هذا العمل، فاللون متفجر، مبعثر، ومشحون بطاقة صدامية، لا يطمح إلى بناء أسطورة بقدر ما يسعى إلى تسجيل لحظة توتر قصوى، لحظة أقرب إلى الصراخ البصري.


إذن، يمكن القول إن ما يميز العمل هو انتقال الفنان من الأسطورة إلى اليومي، من الملحمة إلى المشهد الشعبي، ومن الرمز الطقسي إلى العلامة البصرية الحية. ومع ذلك يبقى الرابط بين التجربتين حاضرا: في الحالتين هناك ميل إلى جعل اللوحة حلبة وجودية، سواء عبر الأسطورة أو عبر الشعبي، غير أن الجديد هنا هو نزعة أقوى نحو التعبيرية والحركية، بدل النزعة الرمزية الغامرة التي طبعت مراحله السابقة. هذا الحوار يضعنا أمام حوار غير مباشر مع بعض التجارب العربية الأخرى، مثل لوحات شاكر حسن آل سعيد، في العراق التي نزعت نحو الروحانيات عبر التجريد، أو أعمال آدم حنين في مصر، التي استدعت الذاكرة الشعبية في منحوتات بسيطة، لكن عند اللامي يتحول المشهد الشعبي إلى حلبة بصرية تنبض بالعنفوان.
هنا نستذكر كيف عالج الفنان المغربي فريد بلكاهية فكرة الصدام والازدواجية من خلال الجسد والجلد واللون، لكن بفلسفة العودة إلى الأصل، بينما عند حيدر اللامي الصدام أكثر مباشرة وعنفاً.. إنها امتداد لمخيلة الحرب والذاكرة.

*كاتب من ليبيا

 












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي