
لندن- نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلق سايمون جينكنز تساءل فيه عن سبب الدهشة من الانقلاب الذي قام به الرئيس دونالد ترامب ضد رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، قائلا إن رؤساء الولايات المتحدة ينشرون الوعود بفك علاقة أمريكا مع العالم وعزلتها، ولكنهم ينتهون بشن الحروب الخارجية. وأكد الكاتب أن أحداث الأسبوع الماضي في كاراكاس هي آخر حلقة من التدخلات الأمريكية، فلدى البيت الأبيض قوة لا تضاهي وهو لا يتحرج عن استخدامها.
ففي الوقت الذي بدأت فيه المعلومات تتسرب تدريجيا، اتضح لاحقا أن ما حدث الأسبوع الماضي في كاراكاس لم يكن غزوا، بل انقلابا. وكان اختطافا عسكريا لأحد الحكام لتمكين نائبته الأكثر ولاء من الوصول إلى السلطة.
وبحسب الكاتب فمنذ نيسان/ أبريل من العام الماضي، ووفقا للتقارير، كانت نائبة الرئيس، والرئيسة المؤقتة حاليا، ديلسي رودريغوز، وشقيقها خورخي – رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية – يتفاوضان سرا مع واشنطن. ولم تتضح لنا التفاصيل بعد. لكن الشائعات تبدو منطقية بأن أحداث الأسبوع الماضي كانت مدبرة لإظهارها بمظهر شائن، بما في ذلك إدانة ديلسي رودريغوز الأولية لها ووصفها بالفظيعة. وتم تسليم الرئيس مادورو للأمريكيين بسرعة وسلاسة.
لكن الزلة الوحيدة كانت وصف ترامب لديلسي بأنها “لطيفة للغاية” قبل أن تؤدي اليمين الدستورية على عجل بعد العملية مباشرة. وكانت الزلةٌ الأشد خطورة من ترامب هو استخفافه بزعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، ووصفها بأنها تفتقر إلى “الدعم أو الاحترام داخل البلاد”. فقد دافعت ماتشادو عن إدموندو غونزاليز أوروتيا، الفائز المحتمل في انتخابات فنزويلا المزورة عام 2024، والتي نالت عنها جائزة نوبل للسلام التي كان ترامب يطمح إليها بشدة. فلماذا لم يذكره ترامب إطلاقا؟
ويقول جنيكنز إن الإنقلاب الذي حدث في كاراكاس كان انتهاكا صارخا للقانون الدولي، ومن النادر ما أولت أمريكا اهتماما بهذا. والمثير للدهشة وهي دهشة كبيرة هو أن يجد رؤساء أمريكا، الواحد تلو الآخر أن “القدر المحتوم” للولايات المتحدة، المتمثل في إعلان الحرية وتعزيزها حيثما دعت الحاجة، هو الأكثر جاذبية.
وشدد على أن هجوم كاراكاس غير دستوري لأن الكونغرس هو وحده يملك حق إعلان الحرب، ولكن لا يمكن تبريره بأنه مجرد عملية “إنفاذ للقانون”.
ولاحظ الكاتب رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر يحاول التحوط من خلال عدم التسرع في استخلاص النتائج. ولهذا لم يكن له رأي واضح وصريح من الأحداث. فعندما أطاح رونالد ريغان، عام 1983، بنظام يساري في جزيرة غرينادا، جارة فنزويلا، اتصلت به مارغريت تاتشر لتعرب عن احتجاجها الشديد على الهجوم غير المبرر على دولة من دول الكومنولث. ورد ريغان على المكالمة مع مساعديه، وحول حديثها الحاد إلى مكبر الصوت. وقال مبتسما: “يا لها من امرأة رائعة!”.
وقال جينكنز إنه بعد عملية نهاية الأسبوع الماضي، يسعى الناس، إلى فهم الأحداث والدوافع، لكن الحقيقة أن التدخلات الدولية من قبل الدول القوية يشوبها النفاق. وقد يكون هدفها الحقيقي تحقيق مكاسب تجارية أو تعزيز الأوضاع الداخلية في البلاد أو مساعدة حليف، وربما يكون الهدف مجرد تحسين صورة أمريكا.
ففي أول خطاب له عام 1961، تعهد الرئيس جون إف كينيدي بأن الولايات المتحدة “ستدفع أي ثمن وتتحمل أي عبء وتواجه أي مشقة، وتدعم أي صديق، وتعارض أي عدو، لضمان بقاء الحرية ونجاحها”. وبدأ بعد ذلك التصعيد على جبهات الصراع في فيتنام.
ويعلق جنيكنز أن هذه القضية تعد بلا شك انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وهو أمر لا بد من الاعتراف به. ونادرا ما اهتمت الدول القوية كثيرا بهذا الجانب.
وبحسبه فالمثير للدهشة أن جميع رؤساء الولايات المتحدة بدأوا بالامتثال لنداء جورج واشنطن عام 1796 للعزلة، والتعهد بالوقوف بعيدا عن الصراعات البعيدة،”التي لا تشكل أسبابها جوه اهتماماتنا”. وهكذا تعهد وودرو ويلسون بأنه لن يشارك في الحرب العالمية الأولى، وفعل فرانكلين روزفلت الشيء نفسه في الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1940، قال روزفلت لأمهات الجنود الأمريكيين: “سأكررها أكثر من مرة، لن يرسل أبناؤكم إلى أي حروب خارجية”، وبعد أكثر من عام بقليل، فعل ذلك بالفعل، كما فعل ويلسون.
ويقول الكاتب إن النفوذ العالمي للبيت الأبيض ومؤسسة البنتاغون يبدو، مع مرور الوقت، لا يقاوم بل ويغري بالتدخل، فعندما تبدد الخطر السوفيتي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تعاطف جورجي أرباتوف، مساعد ميخائيل غورباتشوف وكبير “المؤيدين لأمريكا” في الكرملين، مع نظرائه الأمريكيين قائلا: “سنفعل بكم شيئاً فظيعا. سنحرمكم من عدو”.
ولم تسعَ الولايات المتحدة إلا إلى عدو جديد، بشكل شبه قهري، ونادرا ما أبدت اهتماماً يذكر بالقانون الدولي. فعندما اختطف جورج بوش الأب رئيس بنما مانويل نورييغا عام 1990 بتهمة الاتجار بالمخدرات، لم يعر أحد اهتماماً كبيراً بالقانون. وكذلك بريطانيا، عام 1999، في قصف بلغراد غير القانوني بشكل واضح ونشر قوات حفظ السلام في كوسوفو. وعندما شاركت في الحرب على العراق والإطاحة صدام حسين عام 2003، كان المبرر هو أنه يهدد الأمن القومي البريطاني. وقد كان هذا عبثا واضحا، ومع ذلك فقد مررته الحكومة على البرلمان.
أما بخصوص مساعدة بريطانيا في الإطاحة بقادة أفغانستان وليبيا، فقد زعمت ببساطة أنهم أشرار. ذلك أن الدول الغنية، تشعر الدول بواجب مساعدة الدول المضطهدة، وهو ما يتماشى إلى حد كبير مع خطاب ترامب اليوم.
ومع ذلك نأى الرئيس الأمريكي، حتى الآن بنفسه عن خطاب أسلافه حول فرض النظام العالمي. وادعى أنه تعلم دروس فشل بناء الدول. ففي العام الماضي، أعلن أن الولايات المتحدة سئمت من حلف الناتو ومن الدفاع عن أوروبا. وفي خطاب ألقاه في الرياض، لاقى ترامب ترحيبا حارا لدعوته إلى وضع حد لإلقاء المحاضرات على العالم حول كيفية التصرف. من وجهة نظره، “دمر ما يسمى بناة الدول دولا أكثر بكثير مما بنوها”. إلا أن انقلاب انقلاب الأسبوع الماضي يشير إلى انقلاب جذري. قال ترامب إنه يعتزم إدارة فنزويلا “مع مجموعة” والعمل على استقرارها.
ويبدو أن الرئيس يفترض أن الانقلاب سينجح، كما حدث في البداية، ولن يتطلب أي تدخل إضافي من القوات الأمريكية وليس أمامنا إلا الانتظار لنرى ماذا سيحدث.
إلا أن ستيفن ميلر، خبير السياسات لدى ترامب، لا يتصور أقل من “ملحق ترامب” لمبدأ مونرو. وينص المبدأ الأصلي على مسؤولية الولايات المتحدة عن حماية الأمريكتين من الاستعمار الأوروبي. وقد تعهد ملحق سابق في عهد ثيودور روزفلت بأن تلتزم واشنطن، “مهما كانت مترددة، في الحالات الصارخة لمثل هذا التجاوز أو العجز، بممارسة سلطة شرطي دولي”.
ويبدو أن ملحق ترامب هو استخدام الأمن القومي لتبرير غزو غرينلاند وربما كوبا وحتى كندا. وقد أفادت التقارير أن زوجة ميلر نشرت خريطة لغرينلاند مزينة بالنجوم والخطوط. وهذا من شأنه أن ينشئ فعليا إمبراطورية أمريكية للقارتين الشمالية والجنوبية في الجزء الغربي من العالم، وهو أمر جنوني بكل وضوح، كما يقول جينكنز. فأقرب ما يمكن أن يقدمه ترامب لتبرير مشروعه الفنزويلي هو إجراء انتخابات مبكرة وعودة الديمقراطية إلى ما أعتبره بلدا رائعا، لكن حتى الآن، لم يذكر ترامب الديمقراطية. فهو رئيس مختلف تماما، لكنه في بعض النواحي يشبه العديد من أسلافه الذين استمتعوا بإمكانيات القوة الأمريكية ونشرها.
وذكر الكاتب بشبح العراق الذي يلوح في الأفق، مستنقع أو ما هو أسوأ. وربما سيكتشف ترامب أن نزعة جورج واشنطن الانعزالية كانت صائبة.