عقاراتطاقةبنوكأسواق تقارير اقتصاديةعملاتمعادنشركاتثرواتزراعة وغذاءنقلاقتصاد عربياقتصاد أمريكياقتصاد اوروبي
منعطفات السياسة الخارجية الأميركية في عصر باراك أوباما

تحليل : أوباما استطاع أن ينتشل الولايات المتحدة من المأزق الذي تركها في أعماقه جورج بوش الابن قبل رحيله

خدمة شبكة الأمة برس الإخبارية
2013-04-27

 أحمد أبودوح

 
مع بداية الفترة الثانية من حكم الرئيس الأميركي باراك أوباما، كان يجب التوقف وإعادة النظر في العلاقات التي تربط بين رئيس أكبر دولة تمتلك من المصالح والتأثير في منطقة الشرق الأوسط ما يجعلها تتمتع بقدر من الهيمنة في المنطقة، وبين الأنظمة الحاكمة فيها.
 
يوضح النهج الذي تتبعه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في تعاملها مع الملفات الشائكة في الشرق الأوسط حدوث فراغ في القيادة العالمية المؤثرة في هذه المنطقة، وهو الفراغ الذي يلعب دورا أساسيا في الحد من قدرة الأنظمة الجديدة التي استطاعت الوصول إلى السلطة في بلدان الربيع العربي، بعد الإطاحة بالأنظمة الأوتوقراطية الفاسدة، على مواجهة التحديات الاقتصادية وإعادة هيكلة المؤسسات المتهالكة التي ورثتها عن تلك الأنظمة الساقطة.
 
عجز اقتصادي
 
ويرجع السبب الرئيس وراء خلق هذا الفراغ الناتج عن غياب الدور الأميركي الفاعل في المنطقة، وبصفة خاصة تجاه الدول غير النفطية، إلى سببين رئيسيين:
 
الأول يتمحور حول فشل الرئيس الأميركي السابق جروج دبليو بوش في التدخل لدى هذه الدول، ومحاولة لعب دور تجاهها.
 
والثاني هو ميل إدارة أوباما نحو قارة آسيا بصورة أكثر من أي وقت مضى.
 
فالدول العربية التي قامت فيها الثورات لم تتلق المساعدات الدولية الكافية التي كانت حكوماتها الجديدة تتوقعها، كما حدث مع نظيراتها في أميركا الجنوبية وشرق أوروبا في تسعينيات القرن المنصرم.
 
فغالبية الدول والمؤسسات المانحة قدمت وعودا في بداية قيام تلك الثورات لم تفِ بأغلبها، خاصة من قبل الدول الخليجية.
 
وتعاني اقتصاديات بعض دول الربيع العربي مثل مصر وتونس من أزمات حادة من الممكن أن تترك أثرها السلبي على معدلات النمو فيها لعدة سنوات قادمة. أما اقتصاديات الدول الأخرى كسوريا واليمن (وبدرجة أقل ليبيا) فهي تعاني من انهيار كامل تقريبا.
 
وعليه فإن الولايات المتحدة تواجه الآن تحديا يكمن ضمنيا في قدرتها على تحقيق التوازن بين الحفاظ على مسافة مناسبة من الفوضى العارمة التي تجتاح حاليا دول الربيع العربي، وفي نفس الوقت الحفاظ على قيادتها في المنطقة عن طريق تقديم حزمة من المبادرات التي تمكن هذه الحكومات من اجتياز أزماتها الاقتصادية، وكذلك مساعدتها في بناء نظام ديمقراطي حديث.
 
من الفعل إلى رد الفعل
 
 بدأت دول الشرق الأوسط في توجيه السياسة الخارجية الأميركية التي تحولت من الفعل إلى رد الفعل، نتيجة للتعقيدات التي فرضتها أنظمة الحكم في إيران ومصر وسوريا والعراق وأفغانستان وباكستان على إرادة التحرك الأميركية في المنطقة.
 
ويعتقد الكثيرون بأن رصيد أوباما في الشرق الأوسط وصل إلى أدنى مستوى له مع سقوط الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة، ومع تصاعد حدة الاضطرابات في هذه الدول، واستمرار الاحتجاجات ضد حكامها الجدد، يبدو أن واشنطن لم تتمكن بعد من توجيه الدفة أو فرض سيطرتها على تلك الأنظمة، إذ أن هذه الأنظمة لم تنجح في تثبيت أركان حكمها بعد.
 
وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية بدأت تتيقن من أن البساط يسحب من تحت أقدامها، من خلال انهيار النظام العالمي أحادي القطبية الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة وتحول مركز الثقل الدولي من واشنطن إلى عدة مراكز متفرقة من العالم، إلا أن أوباما مازال يرى أنه من الممكن أن تعود الإدارة الأميركية إلى ممارسة دورها القيادي العالمي، من خلال التعاون مع مراكز القوى الصاعدة، بدلا من الدخول في منافسة سياسية معها.
 
بات على أوباما أن يثبت في بداية ولايته الثانية، مدى التزامه بكبح جماح إيران في سباق التسلح النووي، لأن فشل جولة المفاوضات في كازاخستان بين إيران ومجموعة الخمسة + 1 من جهة، والتجربة النووية التي أجرتها بيونج يانج في كوريا الشمالية وتهديداتها بالقيام بأعمال عسكرية من جهة أخرى، يقلصان نافذة الفرص الدبلوماسية ويجعلان احتواء برنامج إيران النووي خيارا أقل معقولية.
 
فحصول إيران على القنبلة النووية كابوس يقضّ مضاجع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة كلها، بمَن فيهم المملكة العربية السعودية ودول الخليج وتركيا، وإسرائيل طبعا. ومن هنا، فإن النقد الذي وجّهه وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، إلى طريقة إدارة الأميركيين للمفاوضات التى تتناول برنامج إيران النووي، وقوله «إننا نرغب في وضع حد للمشكلة وليس باحتوائها»، يعكسان مستوى القلق المتزايد لحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، وازدياد علامات الاستفهام إزاء إرادة الولايات المتحدة وقدرتها على القيام بحزم بما هو مطلوب على هذا الصعيد.
 
ومع ذلك فإن الرئيس أوباما وفريقه الرئاسي للعلاقات الخارجية قد اعترف بالانهيار الجزئي للتوجهات الخارجية الأميركية، والحاجة (اللاحقة لذلك) إلى العمل مع القوى الفاعلة الأخرى على إدارة المرحلة الانتقالية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. لذلك نجد أن أوباما فضل عدم الغوص في مستنقعات الأزمة الليبية ومن بعدها الحرب الأهلية في سوريا، ولجأ إلى حث حلفائه على تحمل مسؤولياتهم تجاه المشكلتين الكبيرتين، والسعي إلى حلهما.
 
ورغم ذلك مازالت الولايات المتحدة تجد نفسها محاصرة وفي مأزق صعب في منطقة الشرق الأوسط، بالنظر إلى الميراث الثقيل الذي امتد طوال نصف قرن من فشل في إدارة الأزمات المتلاحقة في المنطقة، إلى التعثر في رؤية المجتمعات العربية من الداخل، والحد من سيطرة المصالح الأميركية على العلاقات مع هذه المجتمعات، التي كانت السبب الرئيسي في الثورة المكتومة التي أخذت تفاعلاتها في الازدياد في منطقة الشرق الأوسط طوال العقود الماضية، إلى أن وصلت لقمتها بعد الحروب التي شنتها الولايات المتحدة على المنطقة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر الشهيرة.
 
لذلك لم يكن من الغريب أن يضع أوباما (منذ توليه الرئاسة) محاولة رأب الصدع المتزايد بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط، وكذلك إعادة تقويم العلاقات، بينهما على رأس أولوياته، كرئيس يحمل رؤية تغلب عليها الواقعية، من دون أن تسيطر عليها النزعات الأيديولوجية، وإنما تحكمها فقط الرغبة في الحد من الضمور الذي أصاب السياسات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والتطلع نحو لعب دور رئيسي في إدارة المرحلة الانتقالية هناك.
 
لكن، على الجانب الآخر، مازالت واشنطن تعاني من فقدان أدواتها الرئيسية في إدارة الأزمة، المتمثلة في الأنظمة الحليفة لها التي سقطت كحبات الفاكهة الناضجة من على الأغصان، في كلا من مصر وتونس واليمن، بينما يترنح الآخرون على شفا الهاوية.
 
ومع نمو الرأي العام العربي، واتجاهه ناحية النضج بشكل كبير، بدأت الولايات المتحدة في مواجهة شرق أوسط غامض، تختلف ديناميات الحكم فيه عن تلك التي عهدتها الإدارات الأميركية المتعاقبة في السابق بشكل دراماتيكي، وهو ما يصعد من شكوك الكثيرين حول ما إذا بات بإمكان واشنطن أن تفرض سيطرتها المطلقة على تلك الأنظمة كما فعلت مع سابقتها بعد نهاية الحرب الباردة أم لا. فعلى سبيل المثال، لم يتمكن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من منح الشرعية الشعبية للقوات الأميركية للبقاء لمدة أطول في العراق، وهو ما أجبر إدارة أوباما على الإبقاء المشروط على بعض القوات داخل البلاد لفترة قصيرة.
 
بعدها تصاعد الغضب في أوساط الرأي العام العراقي تجاه التواجد العسكري الأميركي، وهو ما قلص الخيارات أمام أوباما، واضطر بعدها إلى سحب جميع القوات المقاتلة، حيث لم يكن هناك خيار آخر، واضعا بذلك نهاية لمغامرة لم تكن محسوبة العواقب، تسببت في تكلفة مالية وبشرية هائلة للولايات المتحدة.
 
حدث ذلك أيضا من قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس عندما قرر التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب الاعتراف بدولة فلسطين، على الرغم من المعارضة الأميركية (وأحيانا الضغط الشديد من قبل إدارة أوباما) لهذا القرار.
 
يفهم من ذلك أن صورة الولايات المتحدة ككيان قادر على فعل أي شىء، وكدولة لها نفوذ وسلطات لا حدود لها قد ضعفت إلى حد كبير، وأن الربيع العربي سوف يكون له دور كبير في الحد من التأثير الأميركي إلى حد بعيد.
 
 
إعادة تقييم
 
ولكن مع سقوط الحكام الدكتاتوريين الذي كانوا يدينون بالولاء للولايات المتحدة، وصعود أنظمة حكم جديدة بدلا منهم، اضطرت إدارة أوباما إلى القيام بعملية إعادة تقييم لاعترافها بالحقائق الجديدة.
 
فمثالا على ذلك، عندما نجحت تيارات الإسلام السياسي والمجموعات الدينية في حصد أغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في كل من مصر وتونس والمغرب، اتجهت الإدارة الأميركية على الفور للاستغناء عن السياسة المتبعة تجاه هذه الدول لعقود طويلة، وفتحت خطوط الاتصال مع جماعات الحكم الجديدة، وهو ما يدل على البرجماتية الفجة والواقعية المفرطة التي تحكم أولويات البيت الأبيض.
 
ومنذ أن بدأت الفترة الرئاسية الأولى لباراك أوباما، كان عليه أن يواجه أولا تداعيات الدمار الكبير الذي خلفته السياسات الفاشلة لإدارة بوش الابن وراءها، لذلك فإن النجاحات التي حققها أوباما حتى الآن لم تظهر إعلاميا بالشكل الذي كان يجب أن تظهر عليه، وظهرت ملامح الفشل كبديل لها بشكل أوضح.
 
من المتوقع أن تتمكن الفترة الثانية من حكم أوباما من التخلص من العوائق السياسية التي ورثتها، ومن تحييد دور جماعات المصالح، عن طريق التحرر أولا من الحروب التي شنها بوش في فترة ولايته على منطقة الشرق الأوسط، والتخلص من النفعية التي اتسمت بها حملته الانتخابية الثانية، كل ذلك يندرج ضمن الجهود لإعادة بناء النفوذ والتأثير الأميركي في منطقة الشرق الأوسط.
 
لكن المؤشرات الأولية لا تبدو على ما يرام، فليس من المحتمل أن يوجه أوباما اهتمامات الإدارة الأميركية بعيدا عن منطقة الشرق الأوسط، إلا في حالات استثنائية كوقوع كارثة أو اندلاع حرب في الخليج أو ضد إيران على سبيل المثال.
 
أما فيما يتعبق بالملف الفلسطيني – الإسرائيلي فقد أبدى باراك أوباما منذ توليه فترة رئاسته الأولى اهتماما بدوْر أميركي نشِـط للتوصّـل إلى تسوية للصِّـراع العربي الإسرائيلي، يستنِـد إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولكن نظرا للصُّـعوبات التي جابهت العديد من الرؤساء الأميركيين من قبله، فسيكون حريصا على توفّـر متطلّـبات نجاح، أي وساطة أميركية، وما لا نعرفه هو مدى صلابة أوباما في مواجهة الضغوط من الكونغرس ووسائل الإعلام والمقرّبين منه إزاء السياسة الأميركية، فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.
 
غير أن الواقع الآن يكشف أن أوباما مازال يصر على السير على نفس الخط الذي رسمته الإدارات الأميركية السابقة، دون إظهار أدنى ملامح للتغيير الفعلي.
 
بداية من عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، وصولا إلى الحرب في أفغانستان، اتسمت سياسات أوباما الهيكلية والمؤسسية بالاستمرارية على نفس النهج القديم للسياسة الخارجية الأميركية، التي أثبتت فشلها من قبل في مناسبات عدة.
 
ورغم جهود الوساطة الأولية التي قامت بها الإدارة الأميركية في عهده بهدف التوصل إلى تسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أفسح أوباما المجال لجماعات المصالح لتقويض عملية السلام برمتها، والعبث بها.
 
كذلك لم يمتلك شجاعة المواجهة فيما يتعلق بالإدانات المتلاحقة للنظام السياسي الأميركي المختل، وإدارة عملية إعادة هيكلته مرة أخرى. بالإضافة إلى سماحه للبراجماتية وسياسة المصالح في التحكم في توجهات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، وهي السياسة التي اختارت الإدارات الأميركية المتلاحقة أن تنتهجها تجاه المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. 
 
لكن الخلاصة في ذلك هي أن أوباما استطاع أن ينتشل الولايات المتحدة من المأزق الذي تركها في أعماقه جورج بوش الابن قبل رحيله، لكن الاختبار الصعب الذي يجب عليه أن يواجهه الآن هو ما إذا كان بإمكانه القيام بعملية إعادة صياغة للسياسة الخارجية الأميركية، حتى تتماشى مع الأصوات الديمقراطية المتحررة التي تعلو في المنطقة، وأن يترجم كلماته إلى سياسات واقعية راسخة.
 










كاريكاتير

إستطلاعات الرأي