القاهرة - من وكالة الصحافة العربية
تزامنا مع اجتياح تقنية الـ "3D" السينما العالمية، بدأ العديد من مخرجي هوليوود إنتاج أفلامهم الناجحة بهذه التقنية "مثلما حدث مع فيلم تيتانيك" واليوم تعود السينما العالمية إلى أفلام "الأبيض والأسود" بل السينما الصامتة.. والأكثر من هذا أن تلك الأفلام هي التي تحصد جوائز المهرجانات الدولية، ففيلم "The Artist" الصامت والمصور بالأبيض والأسود حصل على 7 جوائز من مهرجان بافتا البريطاني يوم 13 فبراير/شباط، أما فيلم "Caesar Must Die" فحصل على جائزة الدب الذهبي بمهرجان برلين السينمائي الدولي يوم 16 فبراير/شباط الحالي، ومعظمه جرى تصويره بالأبيض والأسود.
فما الذي أعاد المخرجين الغربيين لهذه التقنيات التي قد تبدو عتيقة؟ وهل يجرؤ مخرج مصري على خوض مثل تلك التجارب؟ وهو ما لم يحدث في تاريخ السينما المصرية بعد إدخال الألوان، إلا مع فيلم "ناصر 56" الذي لاقي نجاحًا جماهيريًا وإن رد البعض هذا النجاح إلى ولع الجماهير بالزعيم جمال عبدالناصر.
• عنصر مؤثر
الناقد السينمائي طارق الشناوي أكد أن، تصوير الأفلام بتقنية الأبيض والأسود، تتحكم فيها فكرة المنطق الفني، وهذه الأفلام لم تختفِ أبدًا من السينما العالمية؛ لأن "الأبيض والأسود" يعطيان دلالة على فترة زمنية معينة، فيتحول الأبيض والأسود إخراجيًا إلى عنصر مؤثر في الجانب الزمني، وقد تم استخدام ذلك في فيلم "ناصر 56" لمخرجه محمد فاضل، إذ كان لا بد من تصوير الفيلم بالأبيض والأسود؛ لأنه يتحدث عن فترة زمنية لم يعرفه الناس بالألوان. ورغم وجود تقنيات الـ"3D" التي لجأ مؤخرًا لاستخدامها العديد من المخرجين العالميين، فإن استخدام مثل هذه التقنيات لا بد أن يكون مرشدًا، فلا يمكن أن تتحول السينما إلى تقنية واحدة مستخدمة في جميع الأفلام.
وأشار الشناوى إلى أن السينما العالمية لم تعرف الألوان إلا في بداية الأربعينيات، لكنها لم تستخدمها بكثرة إلا في الستينيات، بل وصل الولع بالألوان وقتها، إلى درجة أن المخرجين كانوا يقومون بتلوين أفلامهم القديمة الأبيض والأسود باستخدام بعض التقنيات اليدوية، لكن مع الوقت بدأ هذا الولع في الهدوء، واكتشف العديد من المخرجين أن أفلام "الأبيض والأسود" لها سحرها الخاص، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها؛ لأنها وسيلة بليغة من وسائل التعبير عن حقب زمنية قديمة، وكثيرًا ما حصلت أفلام "الأبيض والأسود" على جوائز عالمية في المهرجانات الكبرى.
وأشار الشناوي إلى أن المنتجين في مصر لا يمتلكون الجرأة لإنتاج مثل هذه الأفلام؛ لأنهم يخافون على "المليم" – على حد تعبيره – وأنهم لن يرحبوا بدخول مثل تلك المغامرات الإنتاجية غير المضمونة، بل يحجمون حتى عن دخول مغامرات تبدو أكثر جاذبية إنتاجيًا، مثل إنتاج أفلام بتقنية "3D"، مشيرًا إلى أن المشكلة هي أن الجميع يتوقعون إحجام الجمهور عن أفلام الأبيض والأسود؛ لأن الجمهور المصري يبحث عن السينما التجارية، التي تعتمد على "البهارات التقليدية" ولا يهمه المضمون أو التجارب الفنية في معظم الأحيان.
• نجاح ناصر
وعن تجربته في إخراج فيلم "ناصر 56" قال المخرج محمد فاضل إنه لجأ إلى اختيار تقنية التصوير بالأبيض والأسود لضرورة فنية، حيث استعان في الفيلم بمادة تسجيلية لجمال عبدالناصر وكانت بالطبع غير ملونة، فبالتالي فكرة أن يكون الفيلم جزءًا ملونًا والآخر أبيض وأسود، كانت ستطيح بالفيلم فنيًا وجماهيريًا، إلى جانب أن العالم عرف عبد الناصر من خلال "الأبيض والأسود" ولا يمكن تلوينه، مشيرًا إلى أنه استعان بالمادة التسجيلية من مكتبات بلندن، ولم تكن في مصر، وأنه عند التصوير كان لا بد أن يراعي جيدًا الملابس والديكورات؛ لأنها ستظهر على الشاشة بالأبيض والأسود.
وعن النجاح الجماهيري أكد فاضل أن فيلم ناصر حصد 14 مليون جنيه في عام 1996، في الوقت الذي لم تكن فيه إيرادات الأفلام بهذه الضخامة، ولن يعوق الأبيض والأسود مسار السينما المصرية جماهيريًا؛ لأن جمهورنا واعٍ ولا يغشه المظهر الخارجي، و"ناصر56" أكبر دليل على ذلك. وأنه كان وسيلة للتعبير عن نوعية جديدة من الأفلام، لكنه إذا كان قد حصد أرقامًا عالية من الإيرادات، فإن ذلك قد يعود إلى موضوع الفيلم نفسه، حيث شعبية جمال عبدالناصر الكبيرة، لكن إذا أراد المخرجون تفعيل هذه التقنية، فلا بد أن يكون الفيلم مستقلًا أو من إنتاج الدولة؛ لأن المنتجين المصريين لن يخاطروا بالدخول في تلك المنطقة؛ لأنهم يرون أنه لن ينجح جماهيريًا، فـ "ناصر56" كان حالة فردية، ولا يمكن قياس اختيارات السوق على أساسها.
• فترات زمنية
وعن ظاهرة استمرار الأفلام الصامتة التي كان آخر تجلياتها فيلم الفنان أو "The Artist" الذي حصد العديد من الجوائز العالمية، أشار المخرج أحمد عاطف إلى أن الفيلم يدور في فترة السينما الصامتة، ويحكي قصة صعود نجمة من هذه الفترة، ومثل تلك الأجواء كان لا بد من تصويرها على هذا النحو، وإلا ظهر الفيلم مزيفًا لا يرضى عنه الجمهور، وأشار إلى أن هذه هي الطريقة المثلى للإيحاء بفترات زمنية محددة، فلكل فترة مميزاتها، التي تجب مراعاتها عند تصوير الأفلام. وأشار إلى أن هذه النوعية من التقنيات الفنية كالتصوير بالأبيض والأسود على سبيل المثال لها تعبيرات قوية تؤكد كلاسيكية الفيلم دون إدخاله في مناطق رمادية.
• صائد الجوائز
ويبدو أن الفيلم الفرنسي الصامت «الفنان» الذي استعان بكلاسيكية الأبيض والأسود أكد نجاح مجموعة من الأفلام الحديثة بالأبيض والأسود، وهذا يعني أنه رغم الثورة التكنولوجية التي تبهرنا بها سينما اليوم، إلا أنها لم تتمكن من أن تخرج من سحر الأبيض والأسود الذي تحن إليه كلما جذبها شوق العودة للأصل.
• ذهب مع الريح
أما عن فيلم «ذهب مع الريح» من بطولة "كلارك جيبل" و"فيفان لي" الذي أُنتج عام، 1939 ويعد أحد كلاسيكيات السينما الأميريكية، فهو أول من صبغ مشاهده بالألوان، وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققه العمل، المأخوذ عن رواية الأميركية "مارغريت ميتشل" الشهيرة التي تحمل العنوان نفسه، وتتويجه بثماني جوائز أوسكار، فكل هذا لم يسطر كلمة النهاية لسينما الأبيض والأسود، حيث استمرت هوليوود في إنتاج هذه النوعية من الأفلام لأسباب تعود في معظمها إلى الميزانية المرتفعة في تلك الأوقات.
• الفن الجميل
وقد ظل رونق الأبيض والأسود يداعب مخيلة صناع السينما تارة نوعًا من التغيير الجذاب، وتارة حنينًا إلى زمن الفن الجميل، وتارة أخرى للعودة إلى الجذور. وأنتجت العديد من الأفلام الحديثة بالأبيض والأسود، كان أولها الفيلم الكوميدي «فرانكشتين الصغير» عام 1974 من إخراج "ميل بروكس"، وهو محاكاة ساخرة لفيلم الرعب الشهير «فرانكشتين» إنتاج عام، 1931 وحقق الفيلم نجاحًا شجع صناع السينما على العودة للوراء، واستخدام الأبيض والأسود في أفلامهم وإن اقتصرت في بعضها على مشاهد «الفلاش باك».
واستهل المخرج الأميركي "وودي آلن" مشوار إحياء الأبيض والأسود بين عمالقة الإخراج في هوليوود عبر فيلمه «مانهاتن» عام، 1979 ليضفي مزيدًا من السوداوية على الفيلم الذي شارك "آلن" في كتابته وتمثيل دور البطولة فيه بجوار ممثلة الأوسكار "ديان كيتو
كما لجأ المخرج الأميركي "مارتن سكورسيزي" إلى الأبيض والأسود في فيلمه الشهير «الثور الهائج»، من إنتاج 1980 وبطولة النجم "روبرت دي نيرو". والفيلم مبني على سيرة الملاكم المعروف "جيك لاموتا" «الثور الهائج: حكايتي». ونال "دي نيرو" عن تجسيده لدور "لاموتا" أوسكار أفضل ممثل رئيس. وسار المخرج "فرانسيس فورد كوبولا" على الدرب نفسه في فيلم «رامبل فيش» عام، 1983 من بطولة "مات يلون" و"ميكي روريك".
• تاريخ كبير
وشهدت فترة التسعينيات من القرن الماضي بعض الأفلام التي قدمت بالأبيض والأسود، لكنها لم تكن استكمالًا فقط لـ «صيحة» العودة إلى الكلاسيكية في ذلك الوقت، وإنما قدمت قدرًا كبيرًا من الحرفية جعلها تفرض نفسها على الأوسكار. وكان فيلم «قائمة شندلر»، للمخرج العبقري "ستيفن سبيلبرغ" عام، 1993 أول من دق باب الأوسكار عبر شريط الأبيض والأسود في عصر السينما الحديثة. والفيلم مأخوذ عن كتاب يحمل الاسم نفسه "لتوماس كينلي"، ويدور حول قصة شندلر، الذي لعب دوره الممثل الأيرلندي المخضرم "ليام نيسون"، وهو ألماني مسيحي ينقذ 1100 يهودي بولندي من القتل في محرقة "الهولوكوست" على يد النازيين إبان الحرب العالمية الثانية. وحاز الفيلم سبع جوائز أوسكار من أصل 12 ترشيحًا.
• تجربة كلاسيكية
قام المخرج الأمريكي "تيم بورتون"، مخرج أفلام «باتمان» "الرجل الوطواط"، بتجربة مع كلاسيكية الأبيض والأسود عندما قدم فيلمه "إد وود"، 1994 هو فيلم مبني على قصة حياة مخرج أفلام الرعب الرخيصة الراحل "إد وود"، وهو بمثابة إعادة لاكتشاف هذا المخرج، والفيلم من بطولة "جوني ديب"، و"سارة جيسيكا باركر". ورغم فشل الفيلم ماديًا في صالات العرض، فقد لاقى استقبالًا جيدًا لدى النقاد.
ويبرز من بين أفلام الأبيض والأسود الأكثر حداثة التي حققت نجاحًا كبيرًا لدى النقاد، رغم فشلها في شباك التذاكر، «الألماني الطيب» للنجم "جورج كلوني" والأسترالية الجميلة "كيت بلانشيت"، ومن إخراج "ستيفن سوديربرج" عام 2006.
ومن هنا نتساءل: هل سوف يفكر القائمون على السينما والفيديو في مصر والعالم العربي في إعادة أفلام الأبيض والأسود بالتقنية الحديثة الثلاثية الأبعاد؟