معاريف: نتنياهو في "مصيدة الجثة الأخيرة": أرفض أم أنتقل إلى "المرحلة الثانية"؟

2025-12-11

حقيقة أن جثته لم تعد بعد تبدو جرحاً مفتوحاً – أخلاقياً وجماهيرياً وحزبياً وسياسياً. وبهذه المفاهيم، فهذا اختبار أخير لنتنياهو: في الداخل والساحة الدولية (ا ف ب)العريف أول ران غوئيلي الراحل، مقاتل وحدة “يسم” الخاصة في لواء الجنوب، أخر ضحية مخطوف في غزة، لم يعد “ملفاً آخر” في المنظومة أو “صورة أخرى” في مواقع الأخبار، لم تعد قصته موضوعاً لعائلة واحدة، بل رمز مشحون بالمسألة الأكثر إيلاماً في إسرائيل منذ 7 أكتوبر: هل تفعل هذه الدولة كل شيء كي لإعادة الكل؟

حقيقة أن جثته لم تعد بعد تبدو جرحاً مفتوحاً – أخلاقياً وجماهيرياً وحزبياً وسياسياً. وبهذه المفاهيم، فهذا اختبار أخير لنتنياهو: في الداخل والساحة الدولية.

 من ناحية الوعي الجماهيري، لا يمكن الفرار من إحساس بأن قصة المخطوفين لم تغلق. فلا توجد “إغلاق دائرة”، ولا يوجد احتفال رسمي يمكننا الوقوف فيه منتصبي القامة والإعلان: أعدنا الجميع، أحياء وأمواتاً. هنا يدخل المعنى الحزبي المباشر بالنسبة لنتنياهو. في سنة انتخابات مصحوبة بتصدع الثقة الجماهيرية وإحساس عام بالتآكل، تبدو إعادة جثة غوئيلي أكثر بكثير من “مهمة أمنية” أخرى. هذه فرصة نادرة لخلق لحظة تأسيسية، تبنى عليها رواية كاملة. إذا نجح في إنهاء المهمة، فيمكنه عرض صورة بسيطة وقوية على الجمهور. أنهيت فصل المخطوفين والضحايا.

 على هذه الصورة يمكن “إلباس” حملة كاملة – ونتنياهو يعرف ذلك. رئيس وزراء يصمد أمام الضغوط، ولا يتراجع أمام النقد، ويستعيد “الأبناء” إلى الديار – حتى لو لم يكونوا على قيد الحياة. زعيم ينجح في المكان الذي شكك فيه كثيرون، يعيد للمواطنين إحساس العدل الأساس، الأصلي. في اللحظة التي يجتاز فيها التابوت الأخير الحدود، سيكون بوسع نتنياهو الوقوف أمام الكاميرات ليقول الجملة التي يريد: “وعدت، وأوفيت”.

بالنسبة لجزء كبير من الجمهور – وبخاصة اليمين، وفي الوسط الرسمي أيضاً، تبدو هذه رسالة قوية أكثر بكثير من كل استعراضات الردع أو الرسوم البيانية عن كمية الصواريخ أو الأنفاق التي دمرت.

لكن إلى أن يحصل هذا، فالصورة تبدو معاكسة: كل يوم تأخير، وكل تقرير عن تردد إزاء المرحلة التالية، وكل تسريب عن “اعتبارات واسعة” – تصبح مادة اشتعال حزبية. يمكن للمعارضة أن تعرض نتنياهو كزعيم يفضل “إدارة زمن حزبي” على القيمة الأكثر نقدية -إعادة الضحايا. عائلات المخطوفين سابقا يمكنها أن تسأل علناً السؤال غير المريح: “إذا كان هذا ابنك، فهل كنت مستعداً للانتظار أكثر؟”.

 في المستوى السياسي أيضاً، هذه القصة أكبر بكثير من شخص واحد. على الورق، أحد بنود المرحلة الأولى في خطة ترامب يقضي بأن إعادة جثث المخطوفين جزء من إنهاء المرحلة الأولى. عملياً، نشأت في الأسابيع الأخيرة فجوة بين ما هو مكتوب والواقع: جزء من حلفاء واشنطن وعلى رأسهم قطر ودول عربية أخرى، يلمحون بعدم تعليق المسيرة بسبب ضحية مخطوف إسرائيلي واحد.

 من زاوية نظر تلك الدول، وكذا موظفي الإدارة الأمريكية، الإنجاز الحقيقي هو الانتقال إلى المرحلة الثانية: إخراج الجيش الإسرائيلي من معظم القطاع، ومنع عودة حماس إلى الحكم وبداية الأعمال، ما يسمح بعرض أفق للعالم وليس فقط وقف نار هش. من ناحيتهم، إذا ما أغلقت إسرائيل نفسها على شرط “لن نتحرك إلى حين عودة غوئيلي” فمن شأنها أن تتخذ صورة من يرهن الخطوة الإقليمية كلها بحساسية داخلية واحدة. حساسية مفهومة، لكن لا يشارك فيها باقي اللاعبين.

هنا بالضبط يبدأ الشرك السياسي لنتنياهو. من جانب، عرض المعادلة علناً: “لا مرحلة تالية دون عودة الأخير”. هو يعرف أن كل تراجع عن هذه الصيغة ستعتبر في إسرائيل كخيانة للقيمة الجوهرية المتمثلة بـ “لا نبقي أحداً في الخلف” وربما يمس به حزبياً. من الجانب الآخر، هو يدخل الآن إلى جولة لقاءات يتوقع منه ترامب وقطر ومصر وسلسلة دول أخرى، ألا يعرقل مسيرة غزة بسبب ضحية واحدة، خصوصاً في الوقت الذي يحاولون فيه خلق إنجازات إقليمية، اقتصادية وإعلامية، لأنفسهم من الخطة.

أما معادلة نتنياهو، فتبدو فيها إعادة غوئيلي فتحاً لبوابتين في الوقت نفسه: داخلياً، داخل المجتمع الإسرائيلي، بقصة إغلاق دائرة وترميم ثقة أساسي بين الدولة ومن يبعث بأبنائه إلى الجيش؛ وخارجياً – إلى واشنطن وعواصم عربية، مع دليل على أنه يعرف كيف “يغلق الأطراف” ولا يبقي جوانب أخلاقية مفتوحة ويدخل إلى المرحلة الثانية انطلاقاً من إصرار كامل على شرط المرحلة الأولى.

إذا ما وقف عند رأيه وعرقل المسيرة حتى عرض المخطوف الأخير فهو بذلك يخاطر بعرض نفسه كمن يعرقل مبادرة دولة واسعة. إذا تنازل وسمح بالانتقال إلى المرحلة الثانية حتى قبل عودة غوئيلي، فهو يخاطر بفقدان ثقة عميق في الداخل.

 

آنا برسكي

 معاريف 10/12/2025












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي