هل ينزلق التحالف بين واشنطن وتل أبيب إلى علاقة راعٍ وعميل؟

الامة برس-متابعات:
2025-12-08

تغريدة ترامب، التي بث فيها توقعاً واضحاً بأن إسرائيل “لن تزعج” تطور سوريا، ليست صدفية. فقد كشفت التصادم بين رؤية ترامب للشرق الأوسط وبين الاحتياجات الأمنية لإسرائيل في سوريا وغزة والسعودية وغيرها (ا ف ب)تغريدة ترامب، التي بث فيها توقعاً واضحاً بأن إسرائيل “لن تزعج” تطور سوريا، ليست صدفية. فقد كشفت التصادم بين رؤية ترامب للشرق الأوسط وبين الاحتياجات الأمنية لإسرائيل في سوريا وغزة والسعودية وغيرها. حسب رأي ترامب، الشرق الأوسط ليس ساحة لنزاعات تاريخية، بل فضاء للصفقات. في عالمه، يتحقق الاستقرار ليس من خلال عمليات سياسية، بل بواسطة “صفقات” بين زعماء أقوياء. بدلاً من اتفاقات إطار متعددة البنود، يفضل بنية إقليمية ضعيفة: محور واشنطن – الرياض في الوسط، وحوله إسرائيل ومصر والإمارات، وبدرجة معينة تركيا وسوريا.

بصيغة كهذه للشرق الأوسط، الاقتصاد يسبق الأمن. مشروع بنى تحتية وطاقة وشراكة تكنولوجية، يمكن إنتاج اعتماد متبادل يجبر الجميع على الحفاظ على الهدوء. الفلسطينيون، ولبنان وسوريا، وحتى حماس، قد تندمج في المنظومة التجارية – الأمنية الجديدة. من سيلعب حسب القواعد سيحصل على المساعدة والشرعية ورفع العقوبات، ومن سيزعج يجد نفسه خارج اللعبة.

لكن ما يبدو جيداً على لوحة الرسم في واشنطن يظهر أقل تفاؤلاً بكثير عند النظر إليه من القدس. مثلاً، سوريا. بالنسبة لترامب، فإن وجود نظام جديد في دمشق يبتعد عن إيران وينضم للمحور الأمريكي – السعودي يعتبر ميزة كبيرة، حتى لو كان قادته السابقون على رأس قائمة الإرهاب، وهي فرصة لتقديم “قصة نجاح”. من هنا جاء الطلب من إسرائيل بعدم تعقيد الأمور.

بالنسبة لإسرائيل، سوريا ليست رؤيا، بل حدود. في السنوات الأخيرة، كانت حرية العمل في سوريا إحدى ركائز الاستراتيجية الإسرائيلية. وعندما يعلن البيت الأبيض “لا تزعجونا” فهذا يعني تقليص حرية العمل، بينما لا يزال التهديد من وجهة نظر إسرائيل بعيداً عن أن يتلاشى.

غزة هي الجانب المكمل للقصة نفسها. منذ وقف إطلاق النار وعملية إطلاق سراح الرهائن، تسعى الإدارة الأمريكية إلى دمج القطاع في الخطة الإقليمية الجديدة: شراكة سعودية، وتدخل لمصر وتركيا وقطر، وآليات إعادة إعمار، وأمن متعددة الجنسيات. يرى ترامب أن إسرائيل “نالت حقها”: دعم سياسي غير مسبوق خلال القتال وعودة الرهائن. من هنا تأتي توقعات واشنطن بالهدوء الإسرائيلي. أما إسرائيل فترى أن هذا خطر مزدوج: الخوف من المس بالقدرة على استكمال تفكيك بنية حماس العسكرية، وفقدان الشرعية الدولية لأي عمل في المستقبل.

السعودية تدخل، التي هي حجر الزاوية في رؤية ترامب، إلى هذه المعادلة. من وجهة نظر البيت الأبيض، فإن دمج وترسيخ الرياض في المعسكر الأمريكي يعتبر هدفاً استراتيجياً رئيسياً. أما إسرائيل فهي شريكة مهمة في أفضل الحالات. وبينما يمكن لإسرائيل الاستفادة من انخراط سعودي أكبر في الحملة ضد إيران، فإن هناك ثمناً لذلك: سيتحول التطبيع مع إسرائيل من هدف محوري إلى إضافة غير ضرورية، وسيتم الضغط على إسرائيل لقبول صيغ كانت تعارضها في العادة. ومثلما هي الحال في سوريا وغزة، سيكون الخط الأحمر الأمريكي هو “عدم تعريض الاتفاق مع الرياض للخطر”، مهما بلغ الخطر الأمني على إسرائيل.

ويحلق فوق كل ذلك سؤال: ما الذي يستعد ترامب “لإعطائه” لنتنياهو لضمان اندماج إسرائيل في الخطة؟ دعوات للبيت الأبيض، صور مبتسمة وخطاب علني عن العفو، كل ذلك يخلق شعوراً بـ “رزمة محفزات” موجهة ليس فقط لدولة، بل لشخص أيضاً. يصعب تجاهل الطريقة التي قد تؤثر فيها هذه الديناميكية إلى اتخاذ القرارات في القدس. يثور خوف من أن اعتبارات رئيس الحكومة السياسية والشخصية ستختلط بالقضايا الأمنية.

لا يوجد خطر من تصادم إسرائيل مع الولايات المتحدة. فالتحالف مع واشنطن ذخر استراتيجي هام. المشكلة تكمن في الانزلاق إلى علاقة راعي – عميل، حيث يتم النظر إلى إسرائيل بأنها مسؤولة عن التصديق على قرارات أمريكا، وإخضاع حرية عملها لـ “الصفقة الكبيرة” والاكتفاء بوعود عامة لأمنها. إذا كان هناك درس من تغريدة ترامب فهو بسيط: على إسرائيل تحديد خطوط حمراء واضحة لنفسها وللولايات المتحدة، والأهم الحفاظ على حرية عملها في مواجهة ما تعتبره تهديدات محتملة لها. هذه ليست قضايا للتفاوض، بل مصالح وجودية.

لا يمكن تجاهل رؤية ترامب الإقليمية بجرة قلم؛ فهي تنطوي على عناصر قد تخدم إسرائيل أيضاً، البارز منها هو تعزيز المعسكر المناهض لإيران وتعميق التعاون مع الدول العربية المعتدلة. ولكن مسؤولية إسرائيل تكمن في الانضمام إليه بوعي تام. فالشراكة الاستراتيجية مع أمريكا تعني القدرة على قول “نعم” عندما يخدم ذلك أمننا، و”لا” عندما يكون الثمن المطلوب هو التنازل عن الضروري لحماية أمننا.

 

الداد شبيط

 هآرتس 7/12/2025












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي