
نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” مقالا ساشا بولاكو- سيرنسكي، المحررة التنفيذية لصفحة الرأي في الصحيفة ومؤلفة كتاب “التحالف الهادئ: العلاقات السرية الإسرائيلية مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا”، حللت فيه التاريخ المحزن للسياسة الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط.
وأشارت إلى إدارة دونالد ترامب وطبيعتها التعاقدية في العلاقات مع إسرائيل وفلسطين وبقية المنطقة. وقالت إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط فشلت على مدى العقود الماضية في جلب السلام إلى المنطقة أو أن تنجز أهدافها المعلنة لتحقيق الاستقرار ونشر الديمقراطية. وبدلا من ذلك اندلعت حروب جديدة مدمرة واستمرت الأنظمة الاستبدادية في الحكم وزاد تأثير أعداء الولايات المتحدة، ولكن ما السبب؟
وأشارت إلى كتابين صدرا عن المواقف الأمريكية من الشرق الأوسط، فبالنسبة لمارك لينتش، البروفسور في جامعة جورج واشنطن، فالسؤال المزعج، هو عدد المسؤولين المتعلمين تعليما جيدا ممن وصلوا إلى المناصب بوعد حل مشاكل المنطقة ليزيدوا من تعقيد الأمور.
وأجوبة لينتش على هذه الأسئلة هي تركيز أمريكا على البنى المؤسساتية القائمة التي يدعم من خلالها صناع السياسة الأمريكية الاستبداد على الديمقراطية واللجوء الروتيني إلى الوسائل العسكرية والدفاع عن الإفلات من العقاب خلافا للقانون الدولي والمؤسسات.
وبدأ نقد لينتش للسياسة الأمريكية بحرب الخليج عام 1991، وسياسة جورج هيربرت بوش وكل رئيس أمريكي جاء بعد ذلك، معيدا النظر في موقفه من الرئيس جو بايدن. وقد توصل دانيال زغبي في كتابه “فتح عش الدبابير” إلى نفس النتائج، حيث ناقش أنه “حتى لو كان على الولايات المتحدة أن تتحرك في الكثير من المواقف، فيجب ألا تتصرف بطريقة تؤدي إلى زيادة الأمور سوءا”.
ويعيد زغبي، عالم أنظمة السياسة والتاريخ، جذور الفشل الأمريكي إلى أبعد من جورج هيربرت بوش، إلى هاري ترومان، وقرار إدارته الاعتراف بالدولة اليهودية، وليس دولة فلسطينية، برغم اعتراض الجنرال جورج سي. مارشال. وبعد هجمات 9/11 أصبحت السياسة الأمريكية مدفوعة بالخوف من التطرف الإسلامي، وحاولت إسرائيل تقديم نفسها على أنها الحاجز الوحيد ضد الإرهاب. ووجد زغبي الكثير من العيوب في كل الرؤساء الأمريكيين باستثناء رئيس واحد وهو جيرالد فورد الذي يمدحه لأنه جمد العلاقات الأمريكية مع إسرائيل لعدة أشهر في عام 1975، وذلك بعدما عرقل الإسرائيليون محادثات السلام مع مصر.
وتقول الكاتبة إن كتابي لينتش وزغبي يحتويان على المراقبة والتفاصيل التاريخية والنقد للسياسة الخارجية الأمريكية التي ضلت طريقها. وكلاهما يركز على الفترة التي سبقت دخول دونالد ترامب البيت الأبيض. ورغم أن أحدا لا يعرف المسار الذي تتجه إليه السياسة الأمريكية إلا أن سنواته الأربع الأولى في الحكم تقدم رؤية عن توجهاته وطريقة تعامله مع الشؤون الخارجية. ورغم ميل ترامب السابق لإسرائيل إلا أن هذا الرئيس يفضل التعاقدية على التقاليد والتي تجعل الكثير من توجهاته غير متناسقة مع قاعدة أتباعه “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (ماغا).
ويقدم لينتش عددا من الطرق الممكنة التي قد تؤدي إلى تغيير في مسار السياسة الأمريكية، مثل “قرار من طرف واحد للخروج من المنطقة” وربما الدفع “نحو نشر حقيقي للديمقراطية” في الدول العربية وربما أوقفت وبشكل متسق تجاهل القوانين الدولية وحماية إسرائيل. وربما سمحت لسباق تسلح نووي في المنطقة بدءا من القنبلة النووية الإيرانية. وبالنسبة لزغبي فالجواب كامن في الدبلوماسية والتنمية وتغليبهما على الحلول العسكرية.
ولكن الكاتبين يتجاهلان سؤالا مهما وهو ما إذا كان ترامب في ولايته الثانية سيواصل الدبلوماسية الأمريكية. ولكن أساس التحالف القائم على التعاقدية لا ينظر كثيرا للقيم المشتركة والولاء والصداقات القديمة أو حتى السياسة الواقعية. وتقوم أخلاقيات هذا العالم على أن عليك ألا تقف مع أصدقائك في الحلو والمر. وتم استبدال الدبلوماسيين المجربين بمبعوثين يتم اختيارهم بناء على الولاء. وعادة ما ينظر الأكاديميون والصحافيون وخبراء السياسة الخارجية المخضرمون إلى هذا النهج بطريقة غير جيدة ويرونه خطيرا بل ولا أخلاقيا.
ومهما يكن فإن سياسة ترامب تسير باتجاهها الآخر وتمثل انفصاما عن الممارسات القديمة، فقد عبر عن امتلاكه القدرة على فرض اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وأجبر بنيامين نتنياهو على قبوله والاعتذار عن ضرب قطر وأعلن أن إسرائيل لن تضم الضفة الغربية أثناء حكمه. وبالنسبة للينتش فقد تبنى ترامب الشرق الأوسط بدون وهم، وإذا كانت كوريا الجنوبية وكندا وغيرهما من الدول قد أجبرت على قبول تعرفات ترامب بدون مساءلة، فماذا سيمنع إسرائيل من التعرض لهذا أو القول لترامب: على ماذا سأحصل من هذه الصفقة؟ وعندها سيكون نتنياهو في ورطة. وقد فعل زعيم يهودي وهو فولدومير زيلينسكي هذا عندما منح مناجم أوكرانيا لترامب كمال حماية.
ويفهم ترامب المواقف الشعبية وتغير الرأي العام تجاه إسرائيل، فقد كان دعم إسرائيل بمثابة مقياس للحزبين المتنافسين على تأكيد الولاء لها. ولم يعد هذا هو الواقع، فالجيل الجديد في أمريكا وبخاصة اليهود لم يعد ملتزما بدعم “الدولة اليهودية”. ويعرف ترامب بنتائج الاستطلاعات التي أظهرت أن الدعم لإسرائيل في تراجع مستمر بين القطاعات المحافظة. ويقول لينتش: “لو كان أثر غزة على الشباب، أعظم من حرب العراق قبل 20 عاما، فما هي الثورة التي سيقوم بها هذا الجيل في نصف العقد المقبل؟”.