
على مدى سنين طويلة جداً، أصبحت السياسة الإسرائيلية ساحة صدام شخصي. الخطاب الجماهيري، الذي عصف في الماضي بمسائل تتعلق بـ “الطريق” – اشتراكية مقابل رأسمالية، بلاد إسرائيل الكاملة مقابل تسوية إقليمية – تقلص إلى المسألة الضحلة: “نعم بيبي” أم “لا بيبي”. المأساة الكبرى للعقد الأخير ليست الاستقطاب الاجتماعي بل ضياع الطريق. دولة إسرائيل، التي هي في إحدى الفترات الأكثر تعقيداً في تاريخها، تدار بلا بوصلة. نحن في أزمة قيادة عميقة، تنبع من أن سياسيين أحلوا التكتيك محل الأيديولوجيا، والاستطلاعات محل الرؤيا.
النموذج الأكثر صراحة على الفجوة التي بين الشكل والمضمون هو نتنياهو. نتنياهو علامة تجارية بحد ذاته بنجاحه كـ “قائد اليمين”، الدرع الحصري لبلاد إسرائيل والأمن القومي. لكن مراجعة صادقة لأعماله على مدى السنين تظهر صورة معاكسة بل وأحياناً مذهلة في ثغراتها. فهو الذي صافح عرفات، ووقع على اتفاق “واي”، وسلم الخليل. كان نتنياهو هو الذي صوت في صالح فك الارتباط (حتى لحظة الحقيقة)، وجمد البناء في “يهودا والسامرة” غير مرة تحت ضغط أمريكي، وأدار سياسة “احتواء” تجاه حماس في غزة على مدى نحو 15 سنة في ظل الامتناع الثابت عن حسم عسكري واضح – إلى أن فرض علينا الواقع.
مع نهاية القتال الشديد في غزة، يمتنع نتنياهو عن ضم “يهودا والسامرة”، ويثني على قرار مجلس الأمن الذي يشق مساراً مستقراً لدولة فلسطينية، ويخلق تدويلاً للمواجهة الإسرائيلية – الفلسطينية، ويصدر بحكم الأمر الواقع الحلول الأمنية الإسرائيلية إلى دول أخرى. هذا ليس يميناً. خطاب نتنياهو يميني – صقري، لكن السياسة الفعلية سياسة يسار – وسط حذرة، مترددة وبراغماتية أكثر مما ينبغي. هذه الفجوة تخلق طيفاً معرفياً لدى الجمهور الذي ينتخب اليمين ويتلقى سياسة حفظ الوضع الراهن التي تتميز بها أحزاب الوسط – اليسار.
يقف على الجانب الآخر من المتراس السياسي – الفكري (ظاهرا) نفتالي بينيت، الذي يمثل مشكلة من نوع آخر تماماً. فلئن كنا لدى نتنياهو نعرف ما هي الأيديولوجيا المعلنة لكننا نرى تنفيذاً معاكساً، فإننا لدى بينيت لا نعرف ما هي الأيديولوجيا أو هل هي موجودة أصلاً، باستثناء التطلع إلى الكرسي. بينيت الذي بدأ طريقه كمدير عام مجلس “يشع” للمستوطنين وكرمز يميني لنتنياهو، أثبت في ولايته كرئيس للوزراء بأن المرونة قيمته العليا.
إن إقامة “حكومة التغيير” للشراكة مع أحزاب يسار بامتدادها ومع “الموحدة”، كشفت عن فراغ فكري. فهل يؤيد بينيت الضم؟ التسوية؟ الاقتصاد الحر أم الدعم المالي الحكومي؟ حقيقة أنه كان يمكنه أن يجلس في الحكومة ذاتها مع نيتسان هوروفيتس ومع منصور عباس، تشهد على أن الأيديولوجيا عنده ليست سوى عجينة يمكن تصميمها وفقاً للظروف السياسية. الجمهور الإسرائيلي يبقى مشوشاً: هل هو رجل يمين؟ رجل وسط؟ أم مجرد مدير تكنوقراطي يسعى إلى “تهدئة الخواطر” وإعادة انتخابه لرئاسة الوزراء بكل ثمن؟
إن نتيجة غياب قيادة أيديولوجية نتيجة هدامة. فعندما لا يعمل القادة انطلاقاً من منظومة قيم مرتبة، فإن الدولة تدار على طريقة “إطفاء الحرائق”. فلا توجد استراتيجية بعيدة المدى، لأن الاستراتيجية تنشأ عن الرؤيا، والرؤيا تنشأ عن الأيديولوجيا. الجمهور يصبح تهكمياً، والثقة بمؤسسات الدولة تتآكل، والإحساس أن السياسة لعبة تهكمية للبقاء الشخصي.
إن إسرائيل بحاجة ماسة إلى قيادة “الحقيقة في النشر”. نحن بحاجة إلى قائد يمين ينفذ سياسة يمين – سيادة، حوكمة وردع – وإلى قائد يسار يعرض بديلاً سياسياً واقتصادياً واضحاً، دون أن يتخفى في صورة وسط. نحن بحاجة إلى قادة مستعدين لدفع ثمن سياسي على مبادئهم، ولا يبيعون مبادئهم من أجل ثمن سياسي. وحدها العودة إلى الصراع الفكري الحقيقي، بين مذاهب مرتبة وواضحة، يمكنها أن تعيد إسرائيل إلى مسار النمو والأمن والأمل. حان الوقت للتوقف عن التصويت للأشخاص والبدء بالتصويت للطريق.
نسيم كاتس
إسرائيل اليوم 27/11/2025