عدنان حسين أحمد
في عام 2010 أنجز المخرج الهولندي «ياب فان هيوزدن» فيلمه التلفازي الثاني «اربح / أربح» الذي عُرض عرضاً عالمياً أولاً فانتبه النقاد إلى موهبته البصرية التي تؤشر على فرادة رؤيته السينمائية والفكرية في آنٍ معاً. كما أنجز هيوزدن عدداً من الأفلام القصيرة من بينها «ذات يوم»، «طائرة بدون طيار» و»أنا أحب الجيش». أما الفيلم الروائي الطويل الذي نحن بصدده الآن فهو «العالم الجديد» الذي حظي بالإعجاب ونال اهتمام النقاد على حد سواء، وذلك لثيمته الحساسة، وخطابه البصري المعبِّر.
لاشك في أن الفيلم برمته تقريباً يدور في المملكة الهولندية باستثناء بعض اللقطات والمَشاهد الاستعادية التي تكشف لنا عن هُوية اللاجئ والبلد الذي هرب منه وهو «ساحل العاج»، فالحرب الأهلية التي نشبت هناك كانت بسبب رفض لوران غباغبو التنحي عن الحكم للفائز بالانتخابات الحسن واتارا، هذا إضافة إلى الاحتكاكات العرقية والدينية والمذهبية التي أججت الحرب الأهلية التي راح ضحيتها آلاف المواطنين «العاجيين». لقد اتخذ كاتبا السيناريو هيوزدن وروجير دي بلوك من الحرب الأهلية في ساحل العاج سبباً ومبرراً قوياً لهروب المواطن «لوك»، أدى دوره بمهارة الممثل «إساكا ساوادوغو»، هذا الشخص الصريح الذي لا يتمترس خلف ادعاءات كاذبة.
ووفق هذه المعالجة الفنية والفكرية سيكون المخرج ومعه شريكه في كتابة القصة السينمائية قد عالجا موضوعين أساسيين هما الحرب الأهلية في ساحل العاج، وقضية اللجوء الإنساني إلى هولندا، أو «العالم الجديد» كما أسمياه في عنوان الفيلم، وربما ذهبا إلى أبعد من ذلك حين وصفاه بـ «الأرض الموعودة» ويبدو أنها كذلك بالنسبة للقادمين من بلدان «العالم الثالث» الذي يئن تحت وطأة الفقر المدقع، والأمراض الفتاكة، والحروب الوحشية.
تأخذ القصة السينمائية منحىً آخر حينما نفاجأ بمركز اللجوء المحاذي لمطار «سخيبهول» يحتضن عدداً كبيراً من طالبي اللجوء السياسي والإنساني فيما تتحرك «ميرتا»، عاملة النظافة الهولندية بحيوية كبيرة وهي تمسح أرضية غرف المركز وممراته لتكشف لنا جانباً من ماضيها الشخصي وفشلها في حياتها الزوجية التي أفضت إلى الطلاق.
إذاً، لا تخرج قصة الفيلم الرئيسة عن إطار الفقد، والمشاعر الداخلية، والحب الحقيقي الذي يهزّها من الأعماق ثانية ويعيدها إلى دائرة الحياة من جديد، ولكن من زاوية غير متوقعة يطل من خلالها «لوك»، هذا اللاجئ الهارب من الحرب الأهلية، لكنه يقع في شراك حرب عاطفية أخرى مع «ميرتا» التي تحبه، وتتعاطف معه إلى الدرجة التي تطلب فيها من مدير المركز أن يسمح له بعبور «الأرض الحرام» التي تفصل بين بناية المركز والأرض الهولندية المفتوحة على أفق الحرية ومظاهر الطبيعة الآسرة. وهناك يشعر لوك أول مرة بأنه شخص حر وغير مقيّد تماماً، وأن المرأة التي أحبته في قرارة نفسها هي التي أغدقت عليه هذه المشاعر الباذخة.
ربما لا يتصور بعض المتلقين أن هذا المركز المُحاط بالأسلاك الشائكة يصلح لأن يكون فضاء للحب والنشوة العاطفية التي تتأجج يوماً بعد يوم، لكنّ الطامة الكبرى تكمن في العدّ التنازلي للأيام العشرة التي يجب أن يمكثها اللاجئ في المركز ليواجه أحد الأمرين، إما القبول أو الرفض، ويعني هذا الأخير الطرد من الأراضي الهولندية إلى الموطن الأصلي الذي تشتعل فيه الحرب الأهلية. ربما يكون بصيص الأمل الوحيد في هذا الفيلم أن «لوك» الذي أعادوه إلى وطنه قسراً سوف يكرر المحاولة من جديد.
إن ما يميز هذا الفيلم عامة هو لغته البصرية العميقة التي تجسدت على مدار القصة السينمائية لأن المخرج تعمّد أن يكون الحوار متقشفاً إلى أبعد الحدود الأمر الذي أتاح للغة السينمائية أن تـأخذ حيزاً كبيراً من العناية والتركيز، كما أن أداء البطلَين «بيانكا كرايسمان» و «إسّاكا ساوادوغو» كان متمكناً بطريقة قد يتجاوز كل منهما حدود الحِرفية في بعض المواقف الأمر الذي خطف انتباه الجمهور الذي كان يتابع تطور الأحداث بأنفاس متقطعة.