

القاهرة – من رانيا أيمن
ظلت السينما المصرية حريصة لعقود على ألا تقترب من شخصية "الرئيس", واعتبر البعض من المنتجين والكتاب والمخرجين أنه "ذات عليا" لا ينبغي الاقتراب منها, وإذا حدث فهناك "خطوط حمراء" لا يجب تجاوزها. وتخطى الأمر كل الحدود عندما تعاملت السينما مع "الرئيس", بناء على تعليمات صارمة من الرقابة, وكأنه واحد من الرسل والأنبياء الذين حرم الأزهر الشريف ظهورهم على الشاشة, فكان يظهر بصوته أحياناً أو بصورة في الخلفية تبارك الحوار أو تتحول إلى "شاهد" على ما يجرى فى البلاد, ووصل التحريم إلى حد الاكتفاء بظهور "قفا" الزعيم!
ويقول الكاتب يسرى الجندى "نعلم جميعاً كيف تم تناول صورة الرئيس في السينما طوال الفترة الماضية، وأنا بنفسي قدمت على الشاشة الصغيرة صوراً لبعض الزعماء مثل سعد زغلول وجمال عبد الناصر لكن التضييق كان واضحاً".
ويضيف "علينا الآن ألا نلتفت إلى الماضي, ونفكر كيف ستتعامل السينما في الفترة القادمة مع صورة الرئيس؟ فمن المؤكد أن هناك جهات ستسعى جاهدة لإبقاء الوضع على ما هو عليه, خصوصاً أننا نعيش فترة ضبابية, نتيجة البداية الخاطئة التي تجاهلنا فيها البدء بوضع الدستور, الأمر الذي أتاح لرموز النظام القديم, الخروج من جحورهم, والعبث في البلاد والثورة, فساداً".
ويقول إن الوضع "المائل" الحالي يمكن تقويمه بانتخاب رئيس لا يعرف الاستبداد, وأكثر قدرة على الاقتراب من أهداف الثورة, و"من تحقيق أحلامنا, على الرغم من أن مثل هذا الرئيس سيمثل للبعض عبئاً ثقيلاً لكنه مع مرور الشهور والأعوام سيخرج بنا من النفق المظلم, ويقترب من الناس, بعد أن يكتسب ثقتهم, ووقتها سيلعب الفن دوره, وتبدأ السينما فى رصد الواقع الجديد, وتقدم صورة الرئيس على الشاشة بصدق ومن دون خوف, كما كان يحدث فى الماضي".
ويعترف المخرج خالد يوسف بأخطاء السينما المصرية في التعامل مع صورة الرئيس بقوله "تقديم السينما المصرية والسينمائيين لصورة الرئيس كان مجرد نقل للواقع, وللصورة الذهنية التي انطبعت في أذهان الناس لشخص, ولهذا السبب ظهر الرئيس في غالبية الأفلام, التي سمحت الرقابة بظهوره فيه صراحة أو تلميحاً, بصورة الملاك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه, وصاحب العصا السحرية الذي يملك حلولاً لكل مشاكل المجتمع أو يعول عليه 'الغلابة' حلها".
ويؤكد أن هذه الصورة ستختفي فى الفترة القادمة, بعد الاستقرار على الرئيس الجديد "الذي سيكون مختلفاً بإراداته أو رغماً عنه, حيث لم يعد مطلق السراح في اتخاذ القرارات التي يريد, وباتت فترة حكمه مشروطة بمدتين رئاسيتين, ولاعتبارات كثيرة ستقدم السينما صورة جديدة لتناولها للرئيس القادم, ولن تكون أقل جرأة من الملايين التي صرخت في ميدان التحرير مطالبة برحيل الرئيس وحكومته الفاسدة. ونجحت".
ويقول الكاتب بشير الديك "قبل ثورة 25 يناير لم تجرؤ السينما المصرية على الاقتراب من صورة الرئيس إلا فى أضيق الحدود, وبشروط صارمة, وبالتالي لم يتناول أحد الصورة الحقيقية, واكتفت بتقديمه فى صورة 'الأب المقدس' و'الرئيس الملهم' الذي يملك القدرة على حل كل المشاكل فوراً, و'الإنسان' الذي يشعر بمعاناة شعبه, كما قدموه في فيلم 'طباخ الرئيس', فبدأ وكأنه 'العدل' ذاته, وهذا التناول لا يحدث إلا في المجتمعات المتخلفة".
ويضيف "لكن الصورة ستتغير في الفترة المقبلة, لأن مصر لم تكن أبداً دولة متخلفة, ولأنها تغيرت وتحررت, ولن تكون مستعبدة بواسطة شخص أو من جانب قوى أياً كانت, ومن ثم لن تتخلف السينما المصرية عن الركب, وستحرص على تقديم صورة جديدة للرئيس, بعد أن كان محظوراُ الاقتراب من الرئيس حتى لو غيبه الموت, وغاب عن الحياة, كما حدث عندما اعترضت الرقابة على سيناريو فيلم 'المنصة', الذى كنا نحضر له أنا والمخرج منير راضي, ويتناول واقعة قتل السادات, وهو الوضع الذي أثق أنه سيتبدل ويختلف في المرحلة القادمة".
الكاتب والسيناريست طارق عبدالجليل واحد من الكتاب الذين واجهوا مشاكل مع الرقابة؛ بحجة أن أفلامه تقترب من "المحظور", وتنتهك "حرمة الرئيس", مثلما حدث فى "ظاظا رئيس جمهورية" و"عايز حقي" و"صرخة نملة" مما يُكسب شهادته قيمة وأهمية إضافية.
ويقول عبدالجليل "بالتأكيد الصورة ستختلف عن تلك التي كانت تقدمها السينما المصرية, ولا تخرج عنها, وإلا تعرض الكاتب والمنتج والمخرج لمشاكل جمة, فعلى عكس الناس 'اللي شايفة إن الرئيس مش حاسس بيهم, ولا يدرى شيئاً عن أحوالهم أو مشاكلهم' كانت الرقابة تتشبث بتقديم صورة مغايرة, وإذا وافقت على مضض تجعل الكاتب يحمل المسؤولية للحكومة".
ويضيف "عندما اعترضت على هذا النهج, وأردت أن أنقل صورة سابقة وحقيقية للواقع حوربت من قبل الرقابة, وجهات كثيرة, وتم استهدافي وتشويهي, وإجباري على الموافقة على تمرير سيناريوهاتي بالتوجه الذي يريدون لكني لم أرضخ أو أستسلم, ودخلت في معارك شرسة لأمرر ما أريد بشكل غير مباشر, لثقتي بوعي الشعب المصري, وعلمي بأنه على دراية بكل ما يحدث في المجتمع".
وتقول الفنانة نيللي كريم بقولها "صورة الرئيس في السينما المصرية طوال الفترة الماضية لم تكن حقيقية أو مطابقة للواقع, بسبب التعتيم على ما يحدث طوال عهد بأكمله, لم نكتشف حقيقة ما كان يجرى فيه إلا بعد رحيله, لكنني أثق أن السينما المصرية ستشهد تغييراً جذرياً في الفترة القادمة بعد أن تتضح معالم الصورة, وتستقر الأوضاع, عقب اختيار الرئيس الأنسب, ووقتها لن تنأى السينما بنفسها عن الواقع, وستنقل الحقيقة, التي تعكس صورة مختلفة عن رئيس لم نكن نعرفه من قبل".
رأى مغاير يتبناه الفنان هشام سليم بقوله "لن تتغير صورة الرئيس في السينما إلا إذا توحدنا واخترنا الرئيس القادم بشكل جيد, وبالمقاييس والمعايير التي يحتاجها مجتمعنا, فأول ما ينبغي التفكير فيه أن نراجع أنفسنا, ونحسب الأمور بدقة, وعقل, ونحسن انتخاب الرئيس الذي سيعبر بنا المرحلة الصعبة القادمة, فأزمتنا لن تحل بتغيير الرئيس أو حل مجلس الشعب, بل بتغيير أنفسنا كشعب, لأن أي رئيس قادم, أو مجلس شعب منتخب".
ويضيف "لن يتغير حالنا إذ ا لم نرصد تغييراً في الـ80 مليون مواطن, استبدلنا خلاله الأفكار العقيمة بأفكار جديدة وجيدة تناسب واقعنا, ووقتها نعيش الحرية والعدالة الاجتماعية, ونتصرف بثقة, بعد أن نتعرف على حدودنا وواجباتنا, وندرك أن التغيير للأفضل سيتم من دون خوف أو حجر أفكار, وبعد أن نجتاز المرحلة الراهنة بسلام ستتمكن السينما من رصد هذا التغيير, ولن تصبح مجبرة على مجاملة الرئيس أو تقدم صورة مزيفة له, كما كان يحدث من قبل". (وكالة الصحافة العربية)