في عاصمة كوردستان.. 'قلب أحمر': حتى الأماكن تخون أبطالها

خدمة شبكة الأمة برس الأخبارية
2012-05-21

دبي ـ من آلجي حسين - عندما تدور الكاميرا في فضاء متخم بالسواد وتنحرف قليلاً نحو البياض، تكون الدنيا في العدسة السينمائية مائلةً إلى التشاؤم، ولكن عندما تسيطر الأعراف على علاقة حبّ تجمع مراهقيْن في إحدى القرى الكوردية لكوردستان العراق، فذلك لأن الكاميرا نفسها أرادت الغوص في عوالم هذه القرية وأبطالها وأمكنتها وحياتها وطقسها.
هي بالتالي تلك الجدلية التي تحتكم إليها السينما وتأخذ مكانها وسط قلوب الناس، لتتحوّل في زمن درامي يمتد إلى ما يقرب من السنة مختصرةً في 77 دقيقة درامية، الأمر الذي عرّضه لمشكلات تقنية في الزمن وحتى في تلافيف الفكرة، رغم أن الفيلم استطاع أن ينطلق من حدوتة بسيطة للغاية لتبني عليها الكاميرا ألقاً سينمائياً وإخراجياً لم يخلُ من طقس سينمائي بألوان وأجواء مبهرة.

فكرة مؤلمة على ماكينة سريعة

فيلم 'DELI SUR'، باللغة الكوردية، أو 'قلب أحمر'، يصوّر 'صوران' و'شيرين'، بطلي الفيلم، اللذيْن تدفعهما عواطفهما الملتهبة إلى أن يفرّا من منزل أهليْهما إلى حيث أربيل (هولير) العاصمة، بعد أن يجبرها والدها على تزويجها من شاب ليتزوج هو بدوره من أخته، وهي العلاقة التبادلية في الزواج كما هو معروف.
وعند رفض الأب تزويج 'شيرين.. أدت الدور شاهين جمال' من حبيبها، ينطلقان صوب العاصمة على دراجة نارية خاصة بـ 'صوران.. أدّى الدور صوران إبراهيم'، ولكن اعتقاله بعد تعميم اسمه في المدينة يُبقي الفتاة فريسةً سهلة للاغتصاب وعيون المارة في شوارع العاصمة التي لا ترحم، ويكون مغتصبها أحد تُجار الدراجات النارية الذي يعدها بملاقاة حبيبها ويفعلها بالتأكيد نتيجة علاقاته مع عناصر الأمن، لكنه يفعل فعلته الأخرى في أحد الأبنية قيد الإنشاء، ثم اغتصاب عناصر المخفر الكلامي لها متمثلاً في شخصية الملازم الذي يبدو أنه أقلّ أخلاقاً من مغتصبها، ثم تبدو عليها مظاهر الحمل، وعندما يراها حبيبها بعد خروجه من السجن وهي حامل، يتركها في سجنها، لكن ينتهي بها الأمر بعد خروجها من السجن ثم الولادة إلى ممارسة مهنة التسوّل مع مولودها، لتحدث المصادفة الدرامية - غير المقبولة - في ملاقاتها حبيبها في أحد شوارع أربيل.
قد تكون الحكاية انتهت هنا، رغم هذه المفاصل المهمة التي مرّت بها الشخصية والتي سارت جنباً إلى جنب مع مشاهد درامية أخرى مختلقةً صراعات درامية فرعية توازت مع الصراع الأساسي بين الإنسان وقدره أو ربما بين الأعراف وروح الشباب نحو التمرد.

أين الشخصيات من زمنها؟

نسج المخرج 'هلكوت مصطفى' الخطوط العامة لدوافع شخصياته من أمكنة كوردستان العراق، وأضاف إليها دوافع زمنية كانت غير مترابطة وغير مقنعة في أحايين عدة، لتتجلّى الصورة أكثر حين نستنتج أن هذه الشخصيات ما هي إلا حطام المجتمع الموغل في التقليد..
ليس هذا فقط، بل كانت 'شيرين'، بحدّ ذاتها تمثل تلك النقطة البيضاء في مساحة من ألوان كثيرة غلب عليها الأسود، لكن البطليْن لم يكونا في المستوى نفسه من التوترات النفسية التي تتمتع بها الشخصيات السينمائية سيكولوجياً، ثم إن سيرها نحو حتفها النهائي كان يظهر بين الفينة والأخرى، من خلال الصراع الدرامي الذي يتعقد وصولاً إلى ذروته في إيداع 'صوران' بالسجن من جهة، ومظاهر الحمل على حبيبته من جهة أخرى.
لكن هل حققت الشخصيات تناسباً مع زمنها الدرامي؟
غالباً ما كان يتحقق التناسب بين هذيْن العنصريْن الدرامييْن، لكن تطور الشخصيات كان يسير بمعزل عن الزمن، وأشارت عدة مشاهد إلى ذلك، سواء في تغيير الماكياج أو طبيعة الشخصيات الفيزيولوجية أو حتى تتبُّع مجرى الحكاية؛ فبعد أن قضت الفتاة فترة في سجنها خرجت ولم تتغير ملامح وجروح وجهها، كما أن شدة تسارع الأحداث لم تجعل الشخصية تأخذ حقها من التطور والتغيير الكافييْن.
وعلى سبيل الحكاية نفسها أيضاً، فمن المعقول جداً أن يتعرض الفيلم للكثير من الانتقادات التي جعلته في مصفّ أفلام الألم، وهذه النقطة لا يمكن الحكم عليها في أنها ليست لمصلحة المخرج، لأن الفيلم في النهاية يبرز وجهة نظر صانعه، وهو ليس مطالباً بأن يكون مصلحاً اجتماعياً أو نفسياً أو حتى متفائلاً.

مكان يطرد شخصياته

تبدو النظرة أكثر وضوحاً في فرار العاشقين إلى العاصمة، التي ربما ستبدو أجمل وأنضر من قريتهما، لكن المساحة المكانية التي عاشت ضمنها الشخصيات كانت جرعات من التعرية الإنسانية والبشاعة المكانية، تناغماً مع العيش مع قطع ديكورية بالغة في التعبير، لتصل العين إلى حقيقة أنّ لا جمال في هذه المدينة، لأن الروح الجميلة لم تكن مزروعة لا في الجماد ولا حتى في الشخصيات التي قاربت في قسوتها الأمكنة التي تعيش فيها، ما عدا مشهد يتيم لسائق سيارة الأجرة وهو يُسعف 'شيرين' إلى مشفى للولادة، ثم يولي مسرعاً.
ولأن الحديث عن الأمكنة من أهم ما يميز هذا الفيلم، فقد كانت الشخصيات تختبئ فيها لتحمي نفسها، وحسب 'التيار العبثي' في المسرح مثلاً، فإنها أماكن للحماية والاختباء من العالم الخارجي الشرير، إلا أن ما يُسجل لمصلحة المخرج هنا هو تفوقه في إبراز خيانة الأمكنة لشخصياتها، فحتى الأماكن كانت تغشها، هذا إذا استثنينا الدراجة النارية؛ من أبطال الفيلم، كقطعة ديكور قاربت الهم الإنساني، بل وتعاطفت مع شخصيتيْه وأمّنت لهما الهدوء والأمان قبل أن تُباع بمائتي دولار أمريكي فقط، وهذه الدراجة كانت لا تقلّ عن كونها الروح.
كما أن الغرفة والمطبخ الذي كانت تسخّن فيه 'شيرين' الشاي كانت من سمات الفكرة، وسارت معها سوق الدراجات النارية وشوارع المدينة والمساجد كأماكن لإغناء الروح والطمأنينة، وكذلك سماء المدينة والمطر والجدران، حتى سيارة والدها، فضلاً عن الحديقة ومقاعدها والأوحال، وكذلك الثياب المتمثلة بالعباءة، كلها خانت شخصياتها وأشهر عليها المخرج نقمته الشديدة وسيفاً حاد الفكر.

أسئلة في غياب حقيقتها

إن هذه القسوة في التعامل مع مفردات الفيلم السينمائي كانت غايةً في التأثير، ولاسيما في غياب الكثير من أنسجة اللا تواصل بين الشرائح الاجتماعية الأخرى التي دارت في فلك الشخصيتيْن الرئيستيْن؛ فعائلة 'صوران' التي كانت تدعمه في البداية اختفتْ من دون مبرر في نهاية الفيلم، وهل من المعقول أن تتصرّف عناصر الشرطة الجنائية أو الأخلاقية مع الناس بهذه الطريقة؟ وأين كان الطبيب الشرعي حين قدوم الفتاة إلى المخفر برفقة العناصر؟
هذه الأسئلة فتحت لنفسها مجالات من الشك لم تقلّ في كونها الأساس في فيلم حاول أن يحقق التوازن بين البيئتيْن الزمانية والمكانية، واستطاع أن ينطلق من بيئة كوردستان العراق، وتوضيح هذه البيئة أكثر من خلال عرض صورة لـلـ 'ملا مصطفى البرزاني'، وصورة أخرى لعلم كوردستان، والتي بدتْ منفتحة على الفيلم، عبر حوار كوردي مترجم إلى اللغة الإنكليزية على الشاشة السينمائية، ربما لإظهار خلل ما في التفكير الإنساني.
يُذكر أن فيلم 'قلب أحمر'، هو الفيلم الطويل الأول للمخرج الكوردي 'هلكوت مصطفى'، ابن السادسة والعشرين من عمره، والمقيم في النرويج، بعد أن هاجرت إليها عائلته عام 2000، عُرض في مهرجان الخليج السينمائي الخامس في دبي 2012، علماً أن 'هلكوت' يعمل على إخراج فيلم جديد من المقرّر ان يشارك فيه لاعبا كرة القدم العالميان 'ليونيل ميسي' و'كريستيانو رونالدو' .

[email protected]












كاريكاتير

إستطلاعات الرأي