إسلاميو الصومال والتغلغل في دنيا المال

خدمة شبكة الأمة برس الأخبارية
2012-05-03 | منذ 7 سنة
المقال ملخص مِن بحث محمد عمر أحمد 'الإسلاميون في المجتمع الصومالي وتأثيرهم الاجتماعي والثقافي'، المنشور ضمن كتاب المسبار الثاني والأربعين (يونيو 2010) 'الإسلاميون في الصومال' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

في بداية العمل الإسلامي في الصومال كان من الطبيعي أن يتأثر الإسلاميون بالاتجاهات الدعوية التي كانت سائدة في السبعينات في محيط العالم الإسلامي ووجدت صداها داخل منظومة الحركات الدعوية في الصومال فوجد التيار الإخواني ممثلا بحركة الإصلاح تأسست عام 1978، ووجد التيار السلفي، الذي ترجع جذوره إلى الحركة الوهابية ممثلة بالشيخ نور الدين علي السلفي الذي بدأ بالجهر بأفكاره منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وقد تأسست الجماعة الإسلامية السلفية 1978 وتحولت إلى الاتحاد الإسلامي 1982.

وظلت الاتجاهات المختلفة داخل منظومة العمل الإسلامي تنمو بصورة واضحة، وتتقاسم العمل الإسلامي، وتحجز لنفسها مساحة في ميدان التغيير المجتمعي متأثرة بالمناهج الدعوية التي سادت العالم الإسلامي بين منهج يقوم على إعداد القاعدة للمجتمع الإسلامي، وآخر ينحو نحو العزلة عن المجتمع بحجة تكوين طليعة نقية خالصة، ومنهج آخر يقوم على استخدام القوة.

فيقال: بدأت فيه الصحوة الإسلامية بشكلها المعاصر تزامن ذلك مع تضعضع أصاب صورة رجل الدين التقليدي في المجتمع؛ وأصبح محل التندر والسخرية وشاعت في المجتمع الصومالي نكات مثل أن يقال "من أكثر: الموتى أم الأحياء؟ فيقال: الموتى أكثر إذا أضيف إليهم 'الوداد'" (يعني رجال الدين).

وظهر شباب المساجد وأصحاب الحلق (طلاب العلم الشرعي) منهكين من الجوع، ضعفاء ذات اليد جوعى ملتحفين بملاياتهم، وهم يرون الشباب المتخرجين من المدارس يجدون الوظائف الحكومية ويكسبون الاحترام والتقدير، فداخلتهم رغبة في التحول وتولدت فيهم عقدة النقص، واعتبروا أنفسهم ضعفة وبدأوا يلتحقون المعاهد النظامية.

كان هناك صنفان متصارعان من رجال الدين قبل بداية الحركات الدينية في الصومال: رجال الطرق الصوفية، وهم أصحاب الرايات الخضر، وجل عملهم في قراءة القصائد الدينية وإقامة الحفلات والموالد، والصنف الآخر هم الفقهاء (رجال الأحكام) وجل عملهم يتركز في التدريس في المراكز العلمية التي أنشأها العلماء الصوماليون في مقديشو وهرجيسا وبوصاصو وبلدوين وبارديرا وكثير من المدن الصومالية، وقد غلب أصحاب الطرق الصوفية في ميدان الصراع، وأصبحوا قريبين من بلاط الحكم ومن الثروة، وهنا أصبح الفقهاء تحت رحمة أصحاب الرايات الخضراء، وهذا أدى إلى التفرق من المساجد وتوقف نشاط الدعوة ونشر العلم، وتزامن مجيء الثورة مع هذه الظروف في الدعوة.

وعندما ظهر النمط الجديد لرجال الدين متمثلاً في شباب الصحوة الإسلامية ـ المطوع الحركي الجديد ـ بخطاب جديد وأسلوب جديد في المواجهة يجمع بين العصرنة وبين التمسك بثوابت الأمة كانت النظرة إيجابية واعتبر بأنه الأقرب من روح الإسلام، وهو الأقرب إلى الأمانة، وقد مثل نموذجاً محبوباً لدى الشباب الصاعد وخصوصاً وسط الثمانينيات من القرن الماضي.

ويستدل مراقبون على ممارسة الإسلاميين وطريقة تعاطيهم مع تلك الظروف بأن "الحركة الإسلامية" كانت ـ وما زالت ـ متلونة بلون البيئة المحلية، والتركيبة المجتمعية والوسط الاجتماعي الذي تفاعلت معه في مراحلها الأولى، وأنها تحركت في خطواتها الأولى من منطلقات ثورية تتسم بالعداء والغضب ضد القمع الواقع عليها، ولم تجنح للتصالح والصبر مع المجتمع والنظام السياسي إلا بعد مضي فترة مديدة من عمرها.

ففي عام 1991 انهارت حكومة الرئيس سياد بري بعد أن أنهكته الجبهات المسلحة التي تأسست على أسس قبلية؛ وإثرها انخرطت البلاد في حروب أهلية، وأصبحت الصومال بلا حكومة تدير أعمال البلاد، وهو وضع غريب فالصومال قد أصبحت "دولة أصبح وجودها ذاته موضع شك" حسب تعبير بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق.

وأضاف "لم يتصور أحد في أي وقت أن وضع الدولة يمكن أن يفقد. ولكن الصومال عاد إلى أوضاع ما قبل الدولة التي وصفها الفيلسوف هوبز بأنها عدم وجود فنون أو آداب أو مجتمع … وهي أوضاع يسودها الخوف المستمر من الموت بأعمال العنف وخطر ذلك الدائم". وكان الوضع في الصومال هو "حرب الجميع ضد الجميع".

اتسع نطاق التغيير عند بعض الشباب الذين يغلب عليهم الحماس عادة حين رأوا سقوط النظام الذي كان يكبل أيديهم من التدريب والتسلح، وانضافت إلى ذلك الفوضى والحرب على أساس العصبية وهنا رأى البعض أن الفرصة مواتية لهم للمضي قدماً في مشروع جهادي كانوا يحلمون به، حيث كان من مبادئ "الحركة الإسلامية" ـ خصوصا الاتحاد الإسلامي ـ استعادة الخلافة الإسلامية وإيجاد النظام الإسلامي، من خلال الجهاد الذي يتطلب الاستعداد والتدريب وتهيئة المناخ.

وقد تم استدراج هؤلاء للخوض في حروب ضد قبائل صومالية وضد إثيوبيا التي هاجمت معسكراتهم في بعض المناطق الحدودية، ومثلت تلك المعسكرات تمهيداً لظهور التيار المسلح الذي ارتبط بعلاقات مع أطراف جهادية في العالم الإسلامي (وهو ما يعرف اليوم بحركة الشباب المجاهدين).

وبعد مراجعات منهجية منذ تسعينيات القرن الماضي لا يمانع شيوخ حركة الاتحاد الإسلامي (الاعتصام حالياً) من الاعتراف بأن المعسكرات مثلت أساس الفوضى، إذ أنها لم تكن عن دراسة وعن تخطيط، وفيما بعد قام هؤلاء الشيوخ بحل التنظيم المسلح ودعوا أتباعهم للانخراط في العمل العام.

وفي هذه المرحلة مثل سقوط الحكومة في الصومال عام 1991 عاملاً أساساً لتشتيت تمركز الإسلاميين في العاصمة، فبعيد الاضطرابات العشائرية في بداية التسعينيات انساح الإسلاميون في المدن النائية والقرى، وداخل التجمعات الريفية البعيدة، واندمجوا داخل عشائرهم وبفضل الخلطة ظهرت المؤثرات الصحوية حاضرة حتى داخل المجتمع الرعوي من انتشار ظاهرة الحجاب سواء في المناطق الشمالية والشرقية والجنوب والوسط على شكل سواء .

منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي الميلادي، وبداية الألفية الميلادية الجديدة بدأ "الإسلاميون" في الصومال يتقدمون نحو قيادة المجتمع، وقويت الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وصياغة رؤية المجتمع للدولة وفق الإسلام بعد أن تحقق التطبيق الفعلي للشريعة الإسلامية وتكونت إمارات إسلامية في عدة مناطق من الصومال.

وبدأت بالفعل تجارب واضحة لتطبيق الشريعة الإسلامية في العاصمة مقديشو، ومثلت تلك البدايات نواة لتطبيق الشريعة، وتأسيس محاكم شرعية تتولى مهام الفصل والردع والتأديب وحراسة المجتمع.

ويلاحظ في المرحلة الأخيرة جسامة المهام التي تتصدى لها الحركة الإسلامية في الصومال وهو إعادة بناء الصومال المنهار، والتجاوز بمرحلة الفوضى الحالية.

هناك عوامل نفسية هيأت لتقبل الشعب الصومالي دور الإسلاميين السياسي من أهمها أن الشعب الصومالي سئم من أمراء الحرب الذين يعتقد أنهم عاثوا في الأرض فساداً؛ وصار من ديدنهم المشاكسة والتعاند ونقض المواثيق، وإفشال مبادرات المصالحة التي نادت بها بعض الدول العربية ودول الجوار، وتطور أمرهم أخيراً إلى ركوب موجة الحرب ضد الإرهاب التي نادتها أمريكا ومثل ذلك استفزازاً خطيراً لمشاعر الشعب الصومالي المسلم مما دفعه إلى اللجوء إلى دينه والبحث عن الحلول في طريقه مما مهد لقيام نظام المحاكم الإسلامية عام 2004م. فقد وصل الشعب الصومالي إلى قناعة كاملة بأن جميع أزماته تكمن في الإسلام لا في غيره ـ كما يقول الدكتور عمر إيمان نائب رئيس شورى المحاكم الإسلامي.

حالياً لا تتوافر إحصائية تكشف عن مدى تغلغل الإسلاميين في دنيا المال وعالم الأسواق ونسبتهم في رجال الأعمال، ولكن من المؤكد أن الإسلاميين في معظم أنحاء البلاد يديرون معظم المؤسسات الاقتصادية والتجارية، ويملكون أكبر نسبة من رجال الأعمال الذين يديرون البنوك (الحوالات الصومالية) التي تعمل بنظام الثقة، وأعمال الاستيراد والتصدير.

الشعب الصومالي متدين فمع كثرة ما يشيع من مظالم فإن الشعائر الإسلامية والتعامل بالإسلام والبعد عن الأنظمة الربوية والحساسية بما يمس الدين. وظاهرة تفوق "الإسلاميين" في تلك الميادين وأسبابه لم تنل حقها من الدراسة والتعليل، ومعظم من يتناول ذلك يعزى ذلك إلى الإسلام نفسه الذي يصوغ شخصية إيجابية تتمتع بالقوة، ويكسبه وحدة التفكير ووضوح الهدف فيسعى بقوة في كل ميدان هي فيه دون تردد، أو ضياع، ويمنعه من هدر الطاقات العقلية بتناول المخدرات، ويأمره بحفظ المال باعتباره قوام المجتمع.
 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي