

جيم ميوربي بي سي - بيروت - قد يعمد تنظيم القاعدة وفروعه المنتشرة في العالم العربي الى تنفيذ تهديداته بشن هجمات انتقامية ردا على مقتل مؤسسه الرمز اسامة بن لادن.ففي العراق وغيره من البلاد العربية، تستعد قوات الامن لموجة جديدة من العنف تهدف الى الاثبات بأن الجماعات المؤتلفة مع تنظيم القاعدة ما زالت نشطة رغم غياب بن لادن.
ومن هذه الجماعات التي كانت تدين بالولاء لبن لادن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي.
الا ان هذه وغيرها من الجماعات الدينية المتطرفة كانت دائما تعمل بشكل مستقل عن بن لادن وتنظيمه المباشر.
وعلى اية حال، فإن نائب بن لادن، المصري ايمن الظواهري، كان يتمتع بنفوذ تنظيمي يفوق ذلك الذي كان يتمتع به الزعيم في حركة هي اقرب الى سلسلة من الامتيازات منها الى منظمة مركزية.
وفعلا، تسري مخاوف من ان يؤدي مقتل بن لادن الى عرقلة الجهود التي تبذل لاطلاق سراح ثلاث رهائن فرنسيين وايطالي اختطفهم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي.
ولكن مهما كانت النتائج على المدى القصير، فإن مما لاشك فيه ان مقتل بن لادن جاء في لحظة كانت الايديولوجية الجهادية التي يروج لها في افول في المنطقة العربية لسببين: الاول فشلها في تحقيق اهدافها في العراق وغيره، وثانيا بزوغ الربيع العربي وقيمه الديمقراطية التي تمكنت من جذب الجماهير بطريقة لم يتمكن تنظيم القاعدة من مجاراتها.
ففلسفة بن لادن كانت في اوج بطولتها وعنفوانها عندما كان المجاهدون يحاربون الاحتلال السوفييتي لافغانستان في ثمانينيات القرن الماضي وحتى ابان السنوات الاولى للاحتلال الامريكي للعراق.
ولكن قبول رسالة بن لادن على المستوى الجماهيري كان ينهار كلما واجه اختبارا حقيقيا.
ففي العراق على سبيل المثال، انهار النفوذ الذي كانت تتمتع به الجماعات المرتبطة بالقاعدة نتيجة المذابح الطائفية التي اذكت نارها هجماتها العشوائية التي كانت تستهدف الشيعة على وجه الخصوص اولا، وتجذر الديمقراطية في البلاد - على علاتها - ثانيا.
ادى ذلك الى نفور الطائفة السنية - حاضنة القاعدة وغيرها من الحركات المسلحة في العراق - عن التنظيم وانقلابها عليه. وبالرغم من ان تنظيم القاعدة ما زال يتمتع ببعض القدرات في العراق، فإن هذه القدرات لا تمثل الا نسبة ضئيلة مما كان عليه الحال في الماضي.
وكانت فلسفة العنف الراديكالية التي يحمل لواءها بن لادن قد اثبتت فشلها في مصر، ففي اواسط تسعينيات القرن الماضي، نفذت جماعات مماثلة للقاعدة كالجماعة الاسلامية والجهاد الاسلامي سلسلة هجمات استهدفت السائحين الاجانب والاقباط واهدافا اخرى. ولكن هذه الجماعات العنفية اضطرت الى التخلي عن نهجها بعد ان لفظها مجتمعها الذي تيقن ان شريان البلاد الاقتصادي الذي يمثله القطاع السياحي اوشك على الانقطاع.
يلقي هذان النموذجان الضوء على عنصرين اساسيين من دعوة القاعدة، وهما عنصران جعلا التنظيم يتخلف عن ركب التقدم الذي تشهده المنطقة: طبيعته السنية المتشددة واحتقاره للديمقراطية. فقد بدا واضحا للجماهير العربية ان المتشددين الاسلاميين لا يؤمنون بالديمقراطية بل بنظام ديني يفرض بالقوة عند الضرورة.
وبينما اختارت عدة حركات اسلامية عربية معتدلة - مثل الاخوان المسلمين في مصر وسورية وحماس في فلسطين وحركة النهضة في تونس - الانخراط في اللعبة الديمقراطية وتأييد الثورات الشعبية التي اندلعت في بلدانها، وجد المتشددون انفسهم معزولين ومنبوذين.
ومن غرائب الامور ان مصير تنظيم القاعدة والحركات المشابهة له اصبح مرتبطا ببقاء الانظمة المحاصرة كالنظام الليبي والسوري واليمني لأن ذلك يشرعن وجود هذه الحركات واستمرارها.
فالقاعدة والحركات المشابهة لها تدعي انها تخوض الجهاد ضد "الطغاة" من امثال القذافي وعلي عبدالله صالح وبشار الاسد، الذين يتمسكون بالسلطة بذريعة محاربة التهديد الذي تشكله الحركات الاسلامية المتشددة.
ففي اليمن، طالب المعارضون المؤيدون للديمقراطية من اتباعهم الامتناع عن التلويح بصور بن لادن اثناء التظاهرات مخافة اعطاء نظام الرئيس صالح الحجة التي يسعى اليها لتشديد قبضته على السلطة.
وفي الجزائر، ما لبث نظام الرئيس بوتفليقة يضخم الخطر الذي تشكله القاعدة لتبرير تشديد قبضته على الحكم.
وفي حقيقة الامر، فإن المبادئ الديمقراطية الجامعة التي تحرك الكثير من الثورات العربية تعتبر تهديدا اخطر بكثير لاستمرار الانظمة من العنف الذي تمارسه القاعدة والحركات المرتبطة بها.
ومن نافلة القول إن التوجهين لا ينسجمان. ولذا لم نسمع شيئا عن المتشددين في تونس او مصر بينما تستعد التيارات الاسلامية المعتدلة للاشتراك في الانتخابات التي سيشهدها البلدان.
ولكن المتشددين يأملون في تحقيق بعض التقدم في ليبيا وسورية واليمن وغيرها اذا تمكنوا من استغلال المواجهات غير المحسومة في هذه البلدان لصالحهم.
ففي سورية مثلا، هناك حديث غير موثق عن "عصابات سلفية مسلحة" تهاجم قوات الامن - رغم الطبيعة السلمية التي اتسمت بها معظم الاحتجاجات.
كما انه لو تحقق اسوأ سيناريو بانقسام المنطقة طائفيا، فليس من المستبعد ان يبزغ المتشددون كرأس حربة للسنة ضد الشيعة.
ولكن في اي سيناريو آخر يتضمن انتقالة سلمية نحو الديمقراطية - كما تطالب العديد من الثورات التي تشهدها المنطقة العربية - سيكون المتشددون من الخاسرين.
تختلف الآراء حول ما اذا كان غياب بن لادن سيؤدي الى انهيار معنويات اتباعه، او بالعكس سيدفعهم الى مضاعفة جهودهم، ولكن في الحالين لن يتمكن تنظيم القاعدة من تغيير مجرى التاريخ الذي شهد اخفاق فلسفة بن لادن كلما واجهت اختبارا عمليا.