«افرح يا قلبي» القلق اللبناني في مواجهة اليأس والمنافي

2023-03-29

واسيني الأعرج

على الرغم من المتاعب الصحية، تتخطى الروائية  علوية صبح شرطيتها الحياتية بالعمل الدائم وبجهودها المميزة. كل رواية تكتبها هي حدث إبداعي في وضع لبناني وعربي لم يعد يحفل كثير بالمنجز الإبداعي. فبعد روايات: أن تعشق الحياة (2020)، مريم الحكايا (2002)، دنيا (2006)، اسمه الغرام (2009)، نوم الأيام (1986)، تطل علينا هذه السنة برواية جديدة تحمل نغمة إيقاعية منذ عتبتها الأولى «افرح يا قلبي (2022)»، ومن لا يعرف أغنية «افرح يا قلبي» لأم كلثوم (افرح يا قلبي. لك نصيب تبلغ مناك وإيا الحبيب) كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي. هذا العنوان المختار بدقة يضعنا أمام احتمالات الفن والموسيقى وزمن لم يعد بيننا بعد انسحاب الذاكرة الجميلة. كلما تقدمنا في قراءة الرواية، بعد تخطي بقية العتبات الأولى التي افتتحت بها علوية روايتها «الذي لم يعد له وطن، يتخذ من الكتابة وطناً يقيم فيه»، تأكدت مرجعية العنوان. ربما كانت تلك الجملة فاتحة ما سيحصل بعد. المقدمة المفتاحية التي حكمت نص المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد الذي يعترف بأنه لا مشكلة له مع الهويات، «ليس لدي مشكلة مع الهوية، فلدي هويات متعددة. أنا فلسطيني، وعربي وأمريكي». ثم فكرة المنفى «أياً كانت إنجازات المنفى فإنها خاضعة على الدوام لإحساس الفقد». نحن نخسر دوماً شيئاً في المنفى، أو كما كان يقول رشيد ميموني: أن تقتل فأنت تموت قليلاً، وأن تنفى فأنت تموت كثيراً، كل يوم. أما المقولة الرابعة التي ختمت نص إدوارد سعيد هي الموسيقى، «تعطيك الجمال لتهرب من الحياة من ناحية، وأن تفهم الحياة بشكل أعمق». غابت أطروحة واحدة عند إدوارد سعيد: المسألة التاريخية، المقولة الخامسة، ليصبح النص كاملاً، لكنها مضمرة في صيرورة ما ذكره. التاريخ ليس فقط ما نصنعه نحن، لكن ما صنعه الذين سبقونا، وما سيصنعه من يأتون بعدنا. ولا يمكن للرؤية التفاؤلية أو التشاؤمية أن تخضع إلا لهذا. قد يكون حاضرنا قاسياً كما كان تاريخ الذين عاشوا منافي 48 في فلسطين، لكن التاريخ يتخطى شرطيتنا لينتهي إلى احتمالات أوسع. الحربان العالميتان، ونهاية الإمبراطوريات، والدكتاتوريات التي أعقبتها، كلها انهارت لأنها معادية للتاريخ والبشر الذين يملأون هذه الأرض. التاريخ لا يتوقف عند حدود ذواتنا القلقة.

لم تختر علوية صبح هذا النص عبثاً من خلال المقولات الخمس، فهي الرواية كلها.

وكلما تمادينا في قراءة النص أدركنا بسهولة كم هو مرتبط بهذه المقولات الخمس: اللغة، الهوية، المنفى، الموسيقى والتاريخ. تصبح «افرح يا قلبي» رواية المرايا المشروخة كلياً، ولا ينفع فيها أي ترميم على الرغم من المحاولات الكثيرة لتخطي قسوة اللحظة. ستة إخوة محكومون بالقسوة والضغينة، تسيرهم الخيبات والانهيارات والخفايا النفسية غير المعلنة، ولا يعرفون كيف يلملمون أنفسهم ولا كيف يرتقون جراحاتهم، فلا وقت لديهم أمام صناعة الأحقاد وإشعالها، ولا عاطفة أبوية تخفف من الشجن الداخلي إلا ما يسمعه هذا الأب في سهراته والاستمتاع بأغنيات أم كلثوم وحب الرئيس جمال عبد الناصر الذي يرى فيه المنقذ من الظلام. ولا أم قوية، ترزح تحت هيمنة ذكورية شديدة القسوة ويضربها بلا رحمة بـ «الأحزمة والعصيّ المعلقة على الحائط» وهي مستسلمة لكل الإهانات خوفاً على أبنائها الستة الذين لم تعد لها أية سلطة عليهم. لا أرض مشتركة تجمعهم إلا ما يصنعونه بأنفسهم القلقة والشريرة.

لا يتشابهون، لكل واحد قلقه ومساره التاريخي وإن جمعتهم أقدار المنافي التي لم تزدهم إلا موتاً بطيئاً وتحللاً. التطرف الأعمى هو الذي يقود عفيف إلى قتل أخيه جمال كما لو أن قصة هابيل وقابيل تعود من جديد بشكل أكثر عنفاً، كل ذلك تحت شعار القتلة «اقتل أخاك لا تخف، الجهاد أهم من أخوة كافرين، القتال في سبيل الله يجب ألا يحبط عزيمتك» فيصبح القتل باسم الدين انهياراً آخر لكل قيم الأخوة التي تربت عليها الأجيال السابقة. سليم الذي يتعايش مع جسدين في جسد واحد، رجولة مظهرية وأنوثة مخبأة يخاف من الإعلان عنها. المجتمع المتربص بالمختلف لا يرحم مطلقاً. ومحمود الذي لا يعرف شيئاً غير السير بشكل مهزوم في طريق والده المسدود، ولا يعمل في مساره الحياتي إلا على تكرار الصور القديمة. غسان الذي تمر عبره سردية هذا النص، عازف العود، ورث هذا الفن من جده، يقيم في عالم آخر هو عالم الموسيقى وحبيبة الطفولة نور، التي استعادها بعد خمس وعشرين سنة من الغياب، كسرتها نظرته للمرأة المتأتية من مأساة أم لا سلطان لها.

على الرغم من إيجابيته، يعيش داخل هوية ممزقة لا تستقر على لحظة، داخل عائلة لا شيء يجمعها، لا الأرض ولا الأفكار؛ كل شيء عرضة للانهيار، لا أمان في شيء، لا أرض، لا وطن. طارق المصور المنتدب لتوثيق الجرائم، يجد منتهاه في باريس قبل أن يرتحل عبر سفريات الحروب.

غسان مآله نيويورك حيث يتعرف على كريستين أستاذة الفلسفة والصوفية وعاشقة للتراث الشرقي الذي كان يريد أن يهرب منه في لحظة من لحظات حياته. لم تكن السنوات وكبر سنها عائقاً في الزواج بها. قبل أن يقرر العودة إلى كسوراته الأولى، ضيعته. المنافي ليست ارتحالات متعددة فقط، ولكن مأساة اللاوطن التي كلما استقرت في الداخل زادت من الأزمة الوجودية تأججاً. كل الوقائع تدور داخل خراب عربي لا ينبئ بأية إمكانية للحلم. وأي حلم في عالم سحبت من تحت أبطاله الأرض التي يسيرون عليها وامتص الهواء الذي كانوا يتنفسونه. لا شيء يفرح في بيروت أو في القاهرة أو في بغداد، كلها تصنع عشاً للتراجيدية القاتلة.

الهوية مشروخة في الأعماق بين وطن أصبح مجرد احتمال، ومستقبل لا شيء فيه يضيء قليلاً وسط ضياع كلي للقوة الدافعة للتغيير: الشباب الذي قتل داخله. والصراعات داخل العائلة الواحدة المبنية على العنف أو الاستسلام المميت للقوة. جيلان توارثا الخيبات كل من جهته وكل بتاريخه. حتى خيارات الجيل الجديد الذي اختار الغرب كبديل لم يكن مسلكه صائباً؛ لأن المشكلة فيه، يحملها أينما ارتحل. فهو مجرد هروب من واقع مر. تغيير الآلات الشرقية بأخرى غربية لا يقود إلا إلى مزيد من التأزم والانهزام داخلياً.

يتبدى واضحاً من خلال المنافي التي صورتها رواية «افرح يا قلبي» والخسارات والهزائم، أنها ليست إلا الصورة المصغرة للبنان، كاليدوسكوب مآسيه اليومية وهو يضيع البوصلة إذ لم يعد قادراً على التحرك مثقلاً بجراحاته المتكررة وخوفه ويأسه وبعض أحلامه. رواية «افرح يا قلبي» تسائل لبنان اليوم، ولكنها تسائلنا أيضاً عن المصائر والأقدار التي لم تنزل من السماء، ولكننا كنا طرفاً فيها بصمتنا أو بجرائمنا الخفية أو المعلنة.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي