«الإيجو» الجريح

2023-03-24

د. ابتهال الخطيب

في رد فعل على تغريدة حول موضوع نسوي كنت قد كتبتها قبل فترة على توتير، اندلع صراع أيديولوجي حاد بين أحد المغردين والكثير من المغردات حول نوعية رد الفعل النسوي المطروح والمنتشر على الساحة. توجه المغرد بخطابه لي، كوني حلقة الوصل بتغريدتي التي أثارت الحوار، متسائلاً أن هل يرضيني رد الفعل الحالي وهذا الهجوم وتلك الكراهية التي يتعرض لها الرجال بشكل عام وعشوائي؟ هل يمكن صبغ كل الرجال بصبغة واحدة، وهل الكراهية شعور مقبول في تعميمه تجاه كل الرجال؟ أتت الكثير من التعليقات من النساء المشاركات في الحوار لتتعامل بسخرية مع شكوى المغرد، بل ولتحتفي بالحدة وأحياناً الكراهية الموجهة للجنس الذكوري بمجمله. على السطح، بدا رد فعل هؤلاء المغردات حاداً ومتطرفاً وغير منطقي، إلا أنه في عمقه، وهو عمق تفهمه النساء وحدهن دون غيرهن، هو حقيقي وطبيعي ومنطقي بالنظر لنوعية المعاناة والقمع والأذى التي كلها طالت ولا تزال النساء، والمستمرة في عنفوانها على مدى التاريخ الإنساني.

حين تعمم النساء في خطابهن حول الرجال، فهو مما لا يتطلب توضيحاً أن هذا التعميم يتقصد الذكور، هؤلاء الذين يتعاملون في الحياة ومعها على أساس أنهم على قمة الهرم البشري، والذين هم أغلبية قوية بين الرجال عموماً. بالتأكيد، ليس كل رجل مقصوداً بالنقد والكراهية أو متهماً بالظلم والعنف، إلا أن الجنس الذكوري بمجمله موصوم بالخطيئة بلا شك نظراً للأغلبية الجيدة المذنبة فيه. هي طبيعة الحياة، وهو رد الفعل المتوقع في كل حالات الظلم والقهر المحصورة ممارستها تجاه جنس أو عرق أو انتماء ديني محدد من الجنس أو العرق أو الانتماء الديني المضاد. الجنس الأبيض، على سبيل المثال، يحمل ويتحمل الكثير من التعميمات الاتهامية بجرائم مرتكبة تجاه الجنس الأسود. وفي حين أن ليس كل إنسان أبيض عنصري، إلا أن العنصرية البيضاء ليست محل نقاش، يتحمل تعميمها والاتهام بها البيض حول العالم تفهماً للسيكولوجية البشرية في التعامل مع القهر المحصور في العرق والممتد على مدى قرون طويلة، وأكثر، من الزمان.

القهر الأنثوي لربما أطول عمراً من أي قهر بشري آخر، وهو القهر الوحيد الذي لا يزال ممتداً وبقوة، بل ومبرراً له ومٌتفاخَراً به في فحوى العادات والتقاليد والقراءات الدينية الراعية له. لا يوجد إنسان أبيض عاقل ومنطقي يبرر اليوم لقهر السود أو لفكرة العبودية، بل إن الخطأ البسيط في استخدام تعبير أو كلمة قد تشير إلى أي تمييز، قد تقضى على المستقبل المهني للقائل وتصمه بالعنصرية للأبد. وكذا الحال مع معظم التمييزات في العالم، عدا تلك الجندرية، وبالأخص تلك الخاصة بالنساء، والتي لا تزال تُبرر بالالتزام الديني والتقاليدي وبالعيب والحرام وأخيراً بالمحافظة على النساء «الجواهر المكنونة» وبالرغبة في حمايتهن وتوفير سبل الراحة لهن. لا يزال خطاب قهر النساء والتمييز ضدهن رائجاً بل مستحباً وأحياناً مثيباً لقائله، ولا تزال الجرائم المسنودة إلى هذا الخطاب منتشرة متكاثرة. وبعد كل ذلك، يستغرب الرجال لغة النفور والكراهية التي تتعامل بها النساء مع جنسهم بالعموم؟

لا تزال النساء، حتى وقتنا هذا، تُقتل باسم الشرف، تُزوَّج صغيرات باسم العادات والتقاليد، يُميَّز ضدها في قوانين الزواج والطلاق والإرث باسم القراءات الدينية، تُجبر على معاشرة من تكره باسم المحافظة على الأسرة، تُضرب وتُقهر وتُقوض إرادتها باسم طاعة الذكر المؤسس لها بالقراءات الدينية و»الصح والواجب» المجتمعيين. لا تزال النساء تحيا حيوات يرسمها الذكور الذين يقررون مصائرهن، يحددون من يعاشرن طوال حيواتهن، يراقبون كل تصرفاتهن ويتحكمون في كل خطواتهن. لا تزال الأغلبية العظمى من النساء تحيا الأغلبية العظمى من حيواتهن بحكم الرجال وبأمرهم وبالقوانين الذكورية التي يفرضونها وبالقراءات الدينية التمييزية التي يستنبطونها وبالأعراف المجتمعية التي يثبتونها، تحيا هذه النساء حياة خوف وقهر وتخفّ، حياة معجونة بالصبر والتحمل والرضا بالنصيب، ومخبوزة بالخوف والتربص وانتظار فرص النجاة. معظم النساء تحيا معظم حيواتهن بهذه الصورة، حتى أفضلنا ظروفاً، تحيا بقوانين وقراءات تضعها في مرتبة متدنية، تقهر إرادتها وتروضها، بصورة أو بأخرى، سبية في يد الذكر، زوجة كانت أو ابنة أو أختاً أو حتى غريبة، سيدة تحيا وحيدة، فحتى هذه لا تنجو من سلطة الذكور حماة الشرف الذين يعيشون حولها، وهل ننسى الطبيبة المصرية التي رُميت من شرفة شقتها التي تحيا فيها بمفردها لتَشَكُّك الجيران في سيرها ولقرارهم غسل شرف العمارة بدمها؟

كل هذا وتعتقدون لغة القهر والكراهية المعممة، ورغم الفهم التام أن التعميم هو على الجنس الذكوري لا على كل فرد من الرجال، غير مبرَّرة وظالمة؟ كل هذا ولا تزالون غير قادرين على تحمل نتاج القهر والألم والخوف والمعاناة مصورة في بضع كلمات؟ ألهذه الدرجة رقيق هو «الإيجو» الذكوري حتى بات غير قادر على تحمل صرخة ألم من الضحايا؟









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي