فلسطينيون، لبنانيون، عراقيون، إيطاليون، كنديون، وألمان

2023-03-02

إبراهيم نصر الله

كانت نابلس وحوّارة وجنين وأريحا، وما يحدث فيها، حاضرًا في الدّورة التاسعة عشرة لمهرجان الأرض للأفلام الوثائقية الذي تنظمه جمعية الصداقة سردينيا- فلسطين في مدينة «كاليري» عاصمة هذه الجزيرة الجميلة، ولم تكن التحية التي وجهها الدكتور فوزي إسماعيل رئيس المهرجان، في حفل اختتامه، السبت الماضي، إلا استمراراً لتلك الأفلام الشجاعة التي تأمّلت فلسطين وأحوالها، كما تأملت أحوال البشر على هذه الأرض، سواء كانت هذه الأفلام تتحدّث عن فلسطين أو عن تونس أو لبنان أو العراق أو المهاجرين المعذَّبين القادمين من هذه البلاد وغيرها.

كان لدورة هذا العام معنى آخر والمهرجان يتطلّع لبلوغ دورته العشرين في السنة المقبلة، فرحلته التي احتضن خلالها مئات الأفلام الوثائقية، تستحقّ الكثير من الثناء والاعتزاز بمشروع ثقافي تنويري فنيّ تواصل بنجاح غير عادي، رغم موارده القليلة، بدعم من دائرة الثقافة لمقاطعة سردينيا، ما ساعده على أن يستضيف مخرجات ومخرجين وأعضاء لجان تحكيم، وأن يمنح جوائز للأفلام الفائزة، وأن يعرض في مسارح كبيرة، كما حدث هذا العام حيث كانت اللقاءات في مسرح «ماسيمو» الذي شهد إقبالاً استثنائياً من قبل الجمهور الإيطالي، قد لا نشهده عربياً في مناسبات كثيرة.

في طقس استثنائي جميل لا يمتّ لبرد شهر شباط /فبراير، كان يمكن للمرء أن يكون سعيداً بشمس السماء وشمس المحبة الصافية وهو يرى مئات الطلبة يجتمعون في عرض صباحيّ لمشاهدة عدد من الأفلام المختارة، المناسبة لأعمارهم (من بين واحد وثلاثين فيلماً شاركت في المهرجان)، وأن يحضر الحلقة الدراسية التنشيطيّة لمعلمي المدارس الثانوية في مقاطعة كاليري تحت عنوان «الاستشراق في السينما»، دون أن تفارقه الغصّة، لأن أمراً كهذا لا يمكن أن يحدث بسهولة في عواصم عربية تعمل ما استطاعت على التّخفّف من فلسطين، ذاكرةً ووطناً، وهي تتذلل لكيان عنصري لم يتوقّف عن القتل وسرقة الأرض وإبادة كل ما هو جميل فوقها، يوماً بعد يوم، منذ وجد.

وفي استطاعة المرء أن يتجوّل في بلدات قريبة، مثل بلدة الفنون «سان سبيراته» ليرى مئات الأعمال المذهلة التي نفّذها فنانون محترفون، وأن يجد نفسه وجهاً لوجه مع جدارية لغسان كنفاني وعلم فلسطين، وواحدة من اقتباسات غسان الرائعة «لا تمُتْ قبل أن تكون ندّاً» بالعربية والإيطالية.

ولعل ما يتوّج هذا كله المتطوّعون الإيطاليون الذين رآهم المرء منذ سنوات طويلة يعملون بدأب وإخلاص لكي ينجح هذا المهرجان، وبعضهم بدأ عمله هذا حين كان طالباً، لكنه لم يتوقّف حتى بعد نيله درجة الدكتوراه، وهذا ما يفسّر تلك الحادثة الرائعة؛ حين اقترب أحد الشباب في نهايات العشرينيات من عمره، وقال للدكتور الباحث والمترجم وسيم دهمش: إنني أعمل لفلسطين منذ أن سمعتك تتحدث عنها. وعندما سأله: منذ متى؟ أجاب الشاب: منذ أن كنتُ طالباً في نهاية المرحل الابتدائية، وزرتَنا في مدرستي.

وكان من الرائع أن تتجوّل في عاصمة سردينيا، وترى مُلصق المهرجان في كل مكان، يتوسّطه ثقب كبير لباب وشاب يحمل على ظهره مفتاح بيته في فلسطين.

يمتلئ المرء فرحاً بهذه الجزيرة وأهلها، الجزيرة التي تبلغ مساحتها مساحة فلسطين التاريخية تقريباً، وهو يرى تورّد وصعود فلسطين في قلب البشر بكل هذا الجمال، ويفرح وهو يشاهد أفلاماً تتألق بحبّها لفلسطين، وتتألق فلسطين بهذا الحبّ، يقدمها مخرجون من فلسطين ولبنان والعراق وألمانيا وإيطاليا وكندا، في أفلام رائعة مثل تلك التي فازت بجوائز المهرجان، وهي: جائزة أفضل فيلم، للفيلم الألماني «ليست صورتك فقط» قصة عائلة الكيلاني، هذه العائلة التي قُتل جميع أفرادها في غزة باستثناء شابة وأخيها، مقيمين في ألمانيا، وجائزة أفضل فيلم عن فلسطين «إيراسموس في غزة» للمخرجين كيارا أفيزاني و متيو دلبو، الذي يتتبع حياة طالب طبٍّ إيطالي قرر أن يكون الجزء العملي من دراسته في مجال الجراحة الميدانية في قطاع غزة، وهو للحقّ ملحمة كبيرة على المستوى الفني والإنساني.

ولعل من الجميل هو ذلك الحضور للمخرجات والمخرجين الشباب الذين شاركوا هذه العام بكثافة ملحوظة بأفلام تَعِدُ بالكثير، سواء فازت بالجوائز أو لم تفز، مثل فيلم ربيع عيد «في أيار الماضي في فلسطين» الذي فاز بجائزة أفضل مخرج شاب، وفيلم «4000 صوت» للمخرج العراقي سجاد كويش، الذي يتناول بمستوى عال مجزرة ارتكبها تنظيم داعش ضد أربعة آلاف مجند عراقي، ما أهَّل الفيلم للحصول على جائزة أفضل فيلم قصير في المهرجان.

ومن اللافت أن فيلم «على جلدهم»، الذي يفضح جحيم الهجرة، للمخرجين ماريكا إيكونومو وأليساندرو ليون وسيمون ماندا، قد فاز بجائزتين؛ هما جائزة جمعية الصداقة سردينيا – فلسطين وجائزة الجمهور أيضاً، وإلى ذلك الفيلم الفائز بجائزة أفضل فيلم روائي قصير «يلّا» للمخرج كارلو دورسي، وتلك الأفلام الأربعة التي نوهب بها لجنة تحكيم المهرجان، المكونة من محكمين ينتمون لجنسيات مختلفة، وهي:

«أخبار أرض ابني» لايلاريا جوفين وروبيرتو ماريوتي – إيطاليا، و»في انتظار فرج الله» لنضال بدارنه – فلسطين، و«تأبين البحر الميت» لبولينا طيف – كندا، و»المظاهرة الصامتة، القدس 1929» لمحاسن ناصر الدين – فلسطين.

وكما بدأ المهرجان بمعرض لكتب مترجمة إلى الإيطالية من بينها أعمال لسلمان أبو ستة، ومريد البرغوثي، ومحمود شقير، ورضوى عاشور، وغسان زقطان، وكاتب هذه السطور، أختتم بحفل غنائي للمغني الفلسطيني جوان الصفدي بمشاركة حنين عودة الله.

وبعــد:

أكثر من 100 فيلم تقدّمت للمشاركة في هذا مهرجان هذا العام، تم اختيار 31 منها من قبل لجنة خاصة، وهو رقم يمنح فلسطين وقضيتها الكثير من القوة، وليس الكثير من الأمل وحسب، وهي ترى حكاياتها مجسَّدة في هذا العدد الكبير من الأعمال السينمائية، وذاكرتها تتوقّد بهذا البهاء في سينما الحرية، على طريق حريتها.








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي