أفغانستان أم جهلستان؟

2023-01-15

غادة السمان

منذ اليوم الذي قرأت فيه خبراً عن تعليق دراسة الطالبات في جامعات أفغانستان حتى إشعار آخر (أي ريثما يزول حكم الطالبان هناك) وأنا أشعر بالغمّ. حرمان المرأة من التعليم الجامعي يعني حرمانها من حق الحياة المثقفة الواعية وتحويلها إلى (عضو) مكرس للإنجاب وممنوع عليه استعمال أهم أعضاء جسد النساء والرجال: العقل والعلم.. وأتفق مع التظاهرات التي اعتبرت حرمان المرأة من التعليم الجامعي جريمة ضد الإنسانية.. هذا على الرغم من تظاهرات النساء ضد هذا القرار المتخلف الجائر.. (التي لم يبال بها أهل القرار) وتحية لكل تظاهرة نسائية في كابول وسواها احتجاجاً على حرمان المرأة من التعليم الجامعي.. وللتذكير، نحن نعيش عام 2023 وليس قبل التاريخ في زمن أهل الكهوف!! وحتى لو تراجعت كابول عن قرارها فسنظل نعرف نواياها نحو المرأة!

بانتظار موت الآخر.. لنربح!

شاهدت فيلماً عن (الفياجيه) غير موجودة في عالمنا العربي.

حيث يبيع رجل ما بيته (هو كل ما يملكه) على نحو جديد: بحيث يظل يتقاضى مبلغاً شهرياً من الشاري حتى يموت ويصير بيته ملكاً للشاري. في الفيلم يذهب موظف باريسي صغير في إحدى الشركات إلى طبيب لأنه يشكو من آلام في صدره، ويقول له الطبيب بعدما فحصه جيداً إنه لا يشكو من مرض معين، لكنه رجل «مستهلك» ومتعب على حافة الموت، وينصحه بالاستقالة من عمله والتفرغ للراحة، ويعرف منه أن لا زوجة له ولا أصدقاء ولا أسرة، وأنه وحيد في العالم، لا يملك غير بيت عتيق في قرية تطل على البحر اسمها (سان تروبيه) ويومها لم تكن تلك القرية بلدة سياحية صيفية فرنسية شهيرة. وحين يعود الطبيب للقاء شقيقه ويحدثه عن مريضه الذي يعتقد أنه على وشك الموت وينصحه بشراء بيته على طريقة (الفياجيه)؛ أي تدفع له راتباً شهرياً حتى يموت ويصير بيته ملكاً للشاري (بالفياجيه)، وهكذا كان.

مقاومة الغم للرجل الوحيد

ليلة عيد الميلاد نرى بطل الفيلم يشرب وحيداً في مطبخه كأساً من الشمبانيا ويأكل طعاماً متواضعاً، لكنه يتحرك في مطبخه كما لو كان يرقص.

وبعد تقاعده يعود الرجل إلى بيته في سان تروبيه حيث يتنفس هواء نقياً، ويزرع الأزهار حول بيته ويقتني كلباً ويتعرف إلى ساعي البريد في القرية حيث كانت «سان تروبية» قرية لا مدينة عالمية للأثرياء ويخوتهم. ويدفع شقيق الطبيب الراتب القانوني لصاحب (بيته) لكن بعد موت صاحبه!

العمر الطويل لحب الناس

ويذهب الطبيب وأسرته لزيارة المريض السابق فيجدون صحته تحسنت وفتح بيته للأطفال من الكشافة وصارت له صداقات مع أهل القرية كساعي البريد وموظف السينما الأولى في (قرية) سان تروبيه، الأسرة التي اشترت بيته (فياجيه) وتدفع له راتباً شهرياً منذ أعوام، تقرر قتله بطريقة لطيفة، أي بدعوته إلى باريس وإلى السهر وشرب الخمرة والطعام المؤذي لعمره المتقدم. ويذهب بائع بيته (الفياجيه) ويسير معهم وهم يسكبون له الخمرة ويقدمون له الطعام المؤذي لعمره المتقدم وهو يشرب ويأكل وهو يشكرهم.. ويموتون واحداً بعد الآخر باستثنائه.. إذ تتحسن صحته!

ويكيدون له بدعوى أنه عميل ألماني، وإذا برئيس المخفر عميل ألماني، فيذهب لتقديم احترامه له. وباختصار، كل مكيدة يدبرونها له تنقلب ضدهم، ويقرر شقيق الطبيب الذي اشترى البيت (بالفياجيه) قتل الموظف المسكين المتقاعد غرقاً.. بإطلاق الرصاص عليه في عرض البحر، لكنه يقتل بدلاً عنه في تفاصيل مسلية ضاحكة.

الأعمار بيده تعالى

بعد تفاصيل مسلية في الفيلم ينتهي باحتفال القرية ببلوغ الموظف المتقاعد قرناً من العمر وبحب الجميع له، لأن بيته المتواضع مفتوح للأطفال ولكل محتاج.. وحين يتم اتهام حفيد شاري البيت بالفياجيه بتهمة السرقة، يذهب بطل الفيلم إلى المحكمة وعمره قرن من الزمن، راجياً القاضي بصوت مؤثر العفو عنه.. وهكذا كان..

وينتهي الفيلم بتصوير عيد ميلاد الموظف المتقاعد في احتفال (قرية) سان تروبيه بعيد ميلاده لقرن ويسخر الفيلم من نائب المنطقة الذي يستغل المناسبة ليثرثر عن.. أكبر ناخبيه سناً.

وباختصار، يقول لنا الفيلم إن الأعمار بيد الٌله، ولكن علينا حب الآخرين وفتح قلوبنا وبيوتنا لهم.

ولكن، من يشاهد هذا الفيلم عن «الفياجيه» ترى هل سيتأثر به ويفتح بيته لأي لاجئ من حرب (روسيا/ أوكرانيا)؟

لا أظن ذلك، فالسينما ليست الحياة اليومية الواقعية…

وقبل دقائق، تم قرع باب بيتي، ولم أفتح لأنني لست بانتظار أحد، وحذرونا من السارقين!! السينما ليست حقاً الحياة اليومية لكنها أحياناً مسلية.

الفياجيه اليوم

كنت أظن حكاية البيع (فياجيه) من اختراع مخرج الفيلم الجذاب، لكنني فوجئت منذ أيام بإعلان عن مكتب في باريس خاص بالبيع (بالفياجيه) في مجلة (بوان دوفو) الباريسية الراقية. وللبيع بالفياجيه مكتبان في أرقى الأحياء الباريسية كما يمكن الاتصال بهم بالإنترنت.

في بلادنا العربية لم أسمع يوماً بالبيع (بالفياجيه) حيث يتقاضى صاحب البيت راتباً شهرياً حتى يموت وبعدها يصير بيته ملكاً للشاري (بالفياجيه).. ربما لأننا في بلادنا العربية لكل شخص ورثة وأسرة تحيط به حين يمرض ويكاد يرحل عن كوكبنا.. ومن الجميل أن تلتف الأسرة العربية حول مريضها وتغمره بالحنان ودفء القلب حتى يرحل، وربما بسبب ذلك ليس في بلادنا العربية حكاية (الفياجيه)..








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي