البكاء على أطلال «برافدا»

2023-01-10

صبحي حديدي

زائر موقع النسخة الإنكليزية من صحيفة «برافدا» الروسية سوف يجد الموضوعات التالية على صفحة الاستهلال: «أوكرانيا حائرة بسبب قرار بوتين وقف إطلاق النار في عيد الميلاد»، و»زيلنسكي يذهب إلى واشنطن من أجل الجنسية الأمريكية، وحسابات المصارف، والأملاك في فلوريدا»، و»المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو مسألة أسابيع»، و»رجب أردوغان يريد من روسيا أن تجعل أوروبا معتمدة على تركيا»، و»عقيد أمريكي متقاعد: روسيا أقوى من بلدان الناتو مجتمعة»، و»تركيا أردوغان لن تربح الحرب في سوريا، وأمريكا ستفشل أيضاً»… فإذا ذهب المرء إلى صفحات الرأي، فسيجد الموضوعات التالية: «إعادة تعريف أوكرانيا: المعنى الحقيقي لمبدأ السلاح من أجل السلام»، و»حكم الغباء: شكل من الديمقراطية الغربية الحديثة»، و»أعمال الشغب الإيرانية: الذهاب وراء حجاب الدعاية الغربية»، و»كان الغرب يحاول التهام سوريا، لكنه كسر أسنانه»…

هذه، كما يقتضي إيضاح ضروري لا يحتمل التأجيل، ليست «برافدا» الأخرى الناطقة بالروسية، والتي يمتلكها الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي، ولكن كلا الأختَين سبّاقة إلى سوية مماثلة من حيث نهج التحرير وخطوط الولاء لسياسات الكرملين؛ على صعيد مختلف المغامرات العسكرية الخارجية، في جورجيا والقرم وسوريا وليبيا، قبل اجتياح أوكرانيا. والتاريخ الموجز للصحيفة الأمّ يشير إلى أنها كانت ناطقة باسم الحزب الشيوعي السوفييتي، وتوزّع ملايين النسخ يومياً؛ وعند انحلال الاتحاد السوفييتي، باعها الرئيس الروسي الأسبق يلتسين بوريس يلتسين إلى مجموعة استثمارية يونانية، وهذه أصدرت الطبعة الدولية اعتباراً من عام 1996. في السنة ذاتها، بسبب إصرار الحزب الشيوعي الروسي على إصدار «برافدا» من جانبه، انتهى القضاء الروسي إلى منح الترخيص للجهتَين باستخدام الاسم ذاته.

هل هذه هي «برافدا»، أو ما تبقى من تراثها أياً كانت معادلات التوازن بين الباقي والمندثر؟ كلا، بالطبع، إذْ من العبث أن يبحث المرء في النسختين، الروسية والدولية، عن رسوبات تتواصل من أيام زمان، ليس لأنّ العالم تبدّل في روسيا، وحيثما توزّع هذه الـ «برافدا» الجديدة، فحسب؛ بل لأنّ المعارك المالية والقانونية الشرسة التي توجّب أن تُخاض من أجل بقاء الصحيفة واستمرار الاسم ذاته اقتضت مثل هذه الخيارات في التحرير، وفي الخبر والرأي والتغطية. ومن الإنصاف القول إنّ قلّة قليلة فقط من الروس، أهل الحنين إلى الماضي والبكاء على الأطلال، هم وحدهم الذين يعيبون على هذه الـ»برافدا» أنها، أو أختها التي تحمل الاسم ذاته، لم تعد تمثّل تلك الصفحات الماضية من تاريخ الصحيفة.

المرء، من جانب آخر، لا ينصف هؤلاء أنفسهم إذا لم يتفهم الأسباب العميقة، الوجدانية والتاريخية والعقائدية، التي تدفعهم إلى مقدار هائل من مشاعر النوستالجيا كلما قلّبوا صفحات الجريدة الراهنة، فلم يجدوا فيها ما هو أشدّ جاذبية للقرّاء من طرائف العقيد الأمريكي المتقاعد أو حكاية أسنان الغرب التي تكسرت خلال محاولة التهام سوريا. ذلك لأنّ «برافدا» التاريخية، تلك التي انطلقت سنة 1912 قبل أن تصبح في سنة 1918 ناطقة باسم حزب البلاشفة والثورة الروسية، لم تكن محض مطبوعة سياسية؛ بل كانت أشبه بسجلّ وأرشيف وخزّان ذاكرة، سيّما عند أولئك الذين ما تزال حميّة الماضي تغلي في عروقهم.

ولعلّ الصحيفة عرفت من المصائر المتقلبة مقداراً يكاد يفوق ما عرفه الحزب الشيوعي السوفييتي ذاته، وحين أخذت أرقام توزيعها تتجاوز 11 مليون نسخة يومياً، كانت مصداقية الصحيفة تهبط إلى الحضيض في يقين الرأي العام، وكانت تحكمها علاقة تناسب معاكسة: كلما طبعت المزيد من النسخ، ازدادت الهوة بينها وبين الشارع. والمرء هنا يتذكر أنّ الإعلام الرسمي السوفييتي توزّع على صحيفتين أساسيتين: «البرافدا» (أي: الحقيقة) و»الإزفستيا» (أي: الخبر)؛ ولكنّ النكتة الشعبية، الذكية والصائبة تماماً، تولّت تثمين المطبوعتين هكذا: في «برافدا» لا يوجد «إزفستيا»، وفي «إزفستيا» لا توجد «برافدا». والترجمة: جريدة الحقيقة لا تنطوي على الخبر، وجريدة الخبر لا حقيقة فيها!

يبقى أنّ حكاية «برافدا» الراهنة تتجاوز البكاء على أطلال «برافدا» الأولى الأصلية، أو الأحرى أن تدور دروسها حول علاقة الصحافة ذات النسخ المليونية بالشارع المستقبِل الذي لا يُعدّ بالملايين أيضاً فقط، بل تظلّ صناعة الرأي في صفوفه مسألة بالغة التعقيد، سياساً واجتماعياً وإعلامياً وثقافياً. ولم يكن غريباً، في ضوء مقاربة كهذه، أن يُصدر الصحافي الأمريكي الانشقاقي جيمس أوكيف، في سنة 2018، كتاباً مدويّ التأثير بعنوان «برافدا أمريكية: معركتي من أجل الحقيقة في عصر الأخبار الزائفة»؛ فضح على امتداد فصوله عشرات النماذج لإعلام أمريكي مليونيّ الجمهور وكونيّ الانتشار، مرئيّ ومقروء وإلكتروني، يكذب ويلفّق ويختلق طبقاً لطرائق تجعل سُنن «برافدا» و»إرفستيا» العتيقة أشبه بألاعيب أطفال.

وكما يبدو لافتاً أنّ موضوعات موقع «برافدا» الدولية تستخفّ تماماً بعقول زائر الموقع، الروسي والدولي في واقع الأمر، فإنّ موضوعات وسائل إعلام أمريكية عملاقة لا تتورّع عن ممارسة الاستخفاف ذاته، أو أشدّ منه وأكثر مكراً وحذقاً؛ وفي الحالتَين، وسواهما كثير في طول العالم وعرضه أياً كانت طبائع الأنظمة الحاكمة، ينقلب البكاء على الأطلال إلى سيرورة إدراك لاستغفال الذات، وبعض الإمعان فيها… مع ذلك!








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي